الشرق… شظية النار المقبلة

شرق السودان اليوم يشبه قنبلةً نائمة على شاطئ النار. رقعة مترامية على البحر الأحمر، محاطة بمصر وإريتريا وإثيوبيا، ومفتوحة على شراهة الإقليم ورغبات العالم.

الشرق إقليم منسيّ لعقود، عالق بين البحر والصحراء، محكوم بالتهميش والحرمان. غير أن التهميش لم يكن سوى شرارة أولى؛ فالخيانات المتكررة، وسياسات الإنقاذ بين البشير والبرهان، ثم الحرب الأخيرة، جعلت منه حديقة خلفية لصراعات الجوار ومستودعاً لتناسل المليشيات.

منذ الانفصال الأول بدا جسد السودان يتفتت قطعةً قطعة. الجنوب فرّ وأقام دولته، ودارفور تتهيأ للانزلاق بعيداً بعدما شكّل حميدتي حكومة موازية وأدى وزراؤها القسم، فيما الشرق يلوح كالشظية المقبلة، المرشحة للانفجار في أي لحظة.

عشرات المليشيات ظهرت في السنوات الأخيرة، مستندةً إلى الولاءات القبلية، متغذّيةً على السلاح والتدريب القادم بعضه من خلف الحدود. فالأورطة الشرقية بقيادة الأمين داود، والحركة الوطنية للعدالة والتنمية بقيادة محمد سليمان بيتاي، وحركة تحرير شرق السودان بقيادة إبراهيم دنيا، ودرع شرق السودان بقيادة مبارك حميد بركي، كلها جماعات ترقص على الإيقاع نفسه: إعلان الانحياز للجيش ضد الدعم السريع، لكن في العمق الولاء للقبيلة والمصلحة والغنيمة.

إريتريا لم تُخفِ أطماعها. رئيسها أفورقي تحدّث بوقاحة عن “كسلا” باعتبارها مستعمرة إيطالية لا تتبع للسودان، وأدار معسكرات تدريب للمليشيات الشرقية، غذّاها بما استطاع من مال وسلاح ليحوّلها إلى أذرع طويلة له داخل الخرطوم.

إثيوبيا بدورها ما زالت عالقة في نزاع “الفشقة”، تضع عيونها على الأراضي الخصيبة، وتلوّح بمقاتلي تيغراي الذين لجأوا إلى القضارف ولم يغادروها. أما مصر فتتعامل مع مثلث حلايب باعتباره أمراً محسوماً بقوّة السلاح، فيما تتحرك قبائل البشارية والعبابدة على جانبي الحدود كأنها خيوط توتر دائمة. وفي العمق، يطلّ البحر الأحمر، بممراته الاستراتيجية،… جائزةً كبرى يتنافس عليها الإقليم والعالم معاً.

في قلب هذه المتاهة، يقف الناظر محمد الأمين ترك، زعيم المجلس الأعلى لنظارات البجا. الرجل الذي أسهم في إسقاط حكومة حمدوك بإغلاق الميناء، يواصل اللعب بالنار. يصرّح بأن الحرب أفضل من “الاتفاق الإطاري”. زعيم يجلس فوق فوهة بركان ويطالب بالمزيد من الانفجار.

الهشاشة هنا بلا قاع. ليست سياسية فقط، بل اجتماعية وثقافية واقتصادية. إقليم يعيش بين توازنات إثنية هشة، بين اللاجئين، بين الأطماع الدولية، وبين دولة سودانية منهارة.

الشرارة قد تأتي من أي مكان: معركة حدودية مع إثيوبيا، تصريح عابر من أفورقي، قرار طائش من زعيم قبيلة، أو نزاع على ميناء أو قرية. كل شيء قابل للاشتعال.

ما يحدث في شرق السودان ليس مجرد (تهريج من ترك وضرار وغيرهما)، ولا مجرد تنافس قبلي. إنه فصل جديد في ملهاة انهيار الدولة، وجرس إنذار يرنّ في أذن الخرطوم قبل أن يسقط السقف على الجميع.

وإذا لم يتدارك العقلاء الموقف (أين هم؟)، فإن الشظية المقبلة قد تنطلق من الشرق لتشعل بقية السودان، وتحوّله إلى خرائط ممزقة على موائد الآخرين.

تحت الرماد جمرة، والجميع يتصرّف كأنها لا تحرق. لكننا نعرف، وعلينا أن نقول: إن قنبلة الشرق إذا انفجرت، فلن تُبقي ولن تذر.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …