الشيخ إبراهيم يحي .. قمر إلى باطن التراب .. بقلم: عبد الحميد أحمد

من بعد سيرة باذخة ومسيرة حافلة، ترجّل الشيخ، ثم ألقى رحله ثم استراح، انطفأت جذوة الحياة النابضة في جسد كدّه الجهاد ونال منه الصبر والمثابرة على الطريق الذي أختاره منذ انحيازه سابقاً إلى صف لحركة الإسلامية السودانية في وقت مبكر من تاريخها، منذئذٍ ما استكان ولا ونى له عزم، هكذا يصف إخوانه ورفاق دربه ذلك المسير الطويل الذي ساره إبراهيم يحي عبد الرحمن، ناشطاً سياسياً برلمانياً ووالياً حتى تسنمه مقعد رئيس المجلس التشريعي للعدل والمساواة السوادنية أواسط العقد الأول من هذه الألفية
كان العام (1945) عام سعد على الزوجين، يحي عبد الرحمن ومطرة ضحية، وهما يستقبلان مولوداً ذكراً اختارا له اسم “إبراهيم” فرحةٌ تجاوزت الوالدين لتشمل سكان قرية “دَيرو” الواقعة إلى الجنوب من هبيلة من أعمال دار مساليت التي استقبلت الصرخة الأولى لابراهيم يحي الذي نشأ بها وترعرع متنقلاً بين مدارسها (مورني الصغرى) و(هبيلة الأولية) لكن النقلة الكبرى كانت نحو الحاضرة الأقرب حين ألتحق بمدرسة الجنينة الأميرية الوسطى قبل أن ينفتح الأفق أمامه لمدى أوسع وهو يلج إلى الفاشر عاصمة سلاطين دارفور نحو العام 1963 ليتلقى تعليمه في مدرستها الثانوية التي تأهل منها إلى دخول معهد التربية ببخت الرضا (1972- 1973) ليحصل منها على دبلوم التربية لكن الإنجاز العلمي الأكبر للفتى اليافع في ذلك الوقت كان هو دخوله إلى جامعة الخرطوم طالباً بكلية الآداب قسم اللغويات (1975- 1980م) ليتخرج فيها بدرجة البكالورويس مرتبة شرف.
بدأ الشيخ إبراهيم يحي حياته العملية استاذاً لمادة التاريخ بمدارس الجنينة لكنه سرعان ما انخرط في معتركات العمل السياسي، يملك جميع الأدوات التي تؤهله لتحقيق الفتوحات الكبرى فكان أن فاز فى إنتخابات المجلس الاقليمى بدارفور الكبرى (1980) قبل أن ينتقل إلى العاصمة الفاشر التي دخلها لأول مرة طالباً لكنه يعود إليها اليوم سياسياً وبرلمانياً يعمل على تمثيل شعبه ويجاهد ليحفظ حقوقه ومكتسباته.
مثل وصول الإسلاميين إلى الحكم في السودان بعد الإنقلاب العسكري نحو خواتيم عقد الثمانينات نقطة فارقة في مسيرة إبراهيم يحي إذ إنتقل إلى ممارسة العمل التنفيذي الحكومي لكنه هذه المرة منفتحاً إلى خارج دارفور، نحو الشمال الأبعد من السودان، لا تحده الجهويات أو تأطره الإنتماءات المناطقية فعمل محافظاً لمحافظة المتمة (1991 – 1994 م.) ثم محافظاً لمحافظة دنقلا (1994 – 1995) وإذ احتفظ إبراهيم يحي بنجومية ساطعة طوال سنوات الإنقاذ الأولى فقد انقلب إلى دارفور مرة أخرى نحو ذات السوح التي خرجها منها باكراً، مدينة الجنينة، والياً لولاية غرب دارفور فيما بين (1997 – 2000م) وكان قبلها قد شغل مقعد وزير التربية والتعليم بولاية شمال دارفور (1995 – 1997).
شهدت الأعوام الخاتمة للعشرية الأولى من حكم الإنقاذ الزلازل التي انتابت الحركة الإسلامية السودانية حتى ساعة انقسامها فانضوى الشيخ إبراهيم يحي إلى جانب الفريق الذي فاصل السلطان مفارقاً لبريق السلطة وسطوتها منحازاً إلى المؤتمر الشعبي والقيادة التاريخية للحركة الإسلامية، لكن تفجر الأحداث على نحو مأساوي في إقليم دارفور لأول سنوات الألفية الثالثة دفع إبراهيم يحي بعيداً نحو ساحة العمل العسكري وهو ينضم إلى حركة العدل والمساواة السودانية لكنه يتقدم صفها ضمن المجموعة القيادية الأولى إلى جانب الدكتور خليل إبراهيم ليؤسس مع رفاق جهاده الجديد للعمل التشريعي داخل الحركة إذ شهد ملتقى طرابلس الأول في العام (2004) الذي ضم أعمال المؤتمر التأسيسي للحركة تكليفه برئاسة المجلس التشريعي لحركة العدل والمساواة وهو الموقع الذي أهلّه ليسد الفراغ الذي أحدثه غياب الرئس القائد للحركة يوم استشهاد د. خليل إبراهيم لمدى انعقاد المؤسسات المنوط بها اختيار رئيس قائد جديد لحركة العدل والمساواة.
ويروي تلميذه ورفيق كفاحه في العدل والمساواة إسماعيل أحمد رحمة المحامى أن حادثة انهيار الجولة الأخيرة من مفاوضات أبوجا التي شهدتها العدل والمساواة مثلت اللحظة التي بدأ فيها إبراهيم يحي يفكر في العود عن طريق العمل المسلح ويروي إسماعيل رحمة تلك الواقعة قائلاً: “ونحن نغادر أبوجا فى آخر محاولة للتوقيع على اتفاق سلام، إلتقينا فى غرفته ودار نقاش طويل بيننا، كانت آخر كلماته يقول لى: “والله يا أستاذ إسماعيل أنا ده خلاص كبرت وتعبت وما شايف الناس ديل يوصلونا الى نتيجة عشان كده أنا فى الوقت المناسب بدخل جوه وبعيش مواطن عادى، وعندى بحوث ودراسات فى التراث والتاريخ أحاول كتب منها كتاب للأجيال القادمة..” لا سيما أن وصف بانه باحث عالم بالتاريخ والتراث السوداني ومرجعاً جامعاً للمعارف التاريخية والتراث في الجنينة.
في اليوم الأخير من شهر نوفمبر (2014) خبأت جذوة حياة كانت نابضة بالأعمال الكبار وأنطوت بموت إبراهيم يحي صفحة من كتاب العبقرية الدارفورية حين فاضت روحه بمستشفى شوامخ بالخرطوم ووارى إخوانه وأحبابه جثمانه الثرى بمقابر حمد النيل بأم درمان وطاف وجوه من عضوية وقيادات الحركة الإسلامية على أسرته في أم بدة الحارة (16) كان أبرزهم الشيخ حسن عبد الله الترابي الأمين العام للمؤتمر الشعبي.

hameed506@gmail.com
//////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً