((الصحة)) إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت .. بقلم: حسن محمد صالح

في ستينيات القرن الماضي جاءت الحاجة حليمة للخرطوم لعلاج إبنتها آمنة التي كانت تعاني من شلل الأطفال وتم تحويل الطفلة من مستشفي أم درمان إلي مستشفي الخرطوم وأخذت الحاجة حليمه تتأمل في الحياة بالخرطوم بالإضافة لإهتمامها بعلاج صغيرتها ومن ضمن ما شد إنتباهها أن الناس في الخرطوم فوق البشر العاديين من ملبس ومركب وهمة عالية وحضور مكثف للأهل والأقارب إذا حدث طارئ أو مكروه لواحد منهم في أي موقع من مواقع العاصمة كما أن المستشفي الذي مكثت فيه الحاجه حليمه كان نظيفا ومعقما وعلي اطبائه مهابة وسمت لا مثيل له في الدنيا لم تفهم الحاجة حليمة لغة الأطباء لكونهم كانوا يرطنون أي يتحدثون الإنجليزية فيما بينهم ولكنهم كانوا أكفاء بدرجة لا مثيل لها ولديهم حنو وعطف علي المرضي كأنهم أبناءهم أو إحوانهم أو عشيرتهم  . 
بعد قرابة نصف القرن وفي أيامنا هذه جاء حفيد الحاجة حليمة ((وإسمه علي))  للخرطوم وعن طريق عربة هايس مسرعة أصيب علي إصابات بالغة دخل بموجبها مستشفي الشرطة لأن مستشفي الشرطة  كان أقرب مشفي للمكان الذي وقع فيه الحادث وهو منطقة بري. وتلقي علي الإسعافات الأولية من قبل الأطباء بمستشفي الشرطة (( ولأن علي من عامة الشعب دافعي الضرائب )) قام مستشفي الشرطة بتحويله إلي مستشفي إبراهيم مالك بالصحافة شرق  فقط لكونه مدنيا وليست شرطيا وهذا المستشفي أي مستشفي الشرطة لا يتعامل إلا مع منسوبي قوات الشرطة وذويهم من الدرجة الأولي أما الملكية فلا مكان لهم في هذا المستشفي وهذا ما حدث ويخدث ؟؟؟  . ولكن كيف كان التحويل لإبراهيم مالك ؟ تم تحويل علي من غير ترتيبات مسبقة تتناسب وحالته الصحية أو حتي حالته كإنسان  فقط إسعاف يمكن أن تحصل عليه من أقرب رقم هاتف وتحمل عليه المريض علي جناح السرعة بغرض التخلص منه وليست بدافع تقديم الخدمة الأفضل له ..في إبراهيم مالك ماذا جري ؟ في إبراهيم مالك  ……وإبراهيم مالك ((هو رجل بر وإحسان ))شيد هذا المستشفي في منطقة الصحافات بالخرطوم علي نفقته الخاصة من باب البر والإحسان الذي عرف به هذا الرجل ولكن اليوم هذا الرجل يطلق المواطنون علي المستشفي الذي شيده إسم آخر لا يليق به …
والسبب أن هذا المستشفي وضعت عليه وزارة الصحة بولاية الخرطوم يدها وحولته إلي قبر متقدم للمرضي الذين يفدون إليه من كل مكان بحجة أن به تخصصات نادرة منها المخ والأعصاب والقلب وغيرها من الحالات الحرجة التي تعاني من ألام المرض ومن ضجيج  الطائرات الضحمة القادمة  لمطار الخرطوم حيث يقع هذا المستشفي في خط الطيران مباشرة وهو ما يتنافي مع أبسط سبل الراجة والإستشفاء للمرضي من ذوي الحالات الخرجة ….
وإذا قارنا هذا الموقع مع موقع مستشفي الخرطوم التعليمي نجد مستشفي الخرطوم التعليمي بعيد كل البعد عن خط الطيران بعكس إبراهيم مالك البديل له وهذا يدل علي عبقرية الرجل الأبيض الإنجليزي الذي وضع مستشفي الخرطوم في هذا المكانولكن لابد أن أروي لكم ماذا جري مع علي في إبراهيم مالك  هذا  ؟ لقد أوصل الإسعاف علي إلي   مستشفي إبراهيم مالك وهو في غيبوبة كاملة وفاقد للوعي ومصاب إصابة خطيرة في الرأس أدت إلي كسر في جمجمة الرأس ونزيف داخلي …… أين تتوقع أن تكون هذه الحالة الحرجة لعلي وأمثاله عزيزي القارئ ؟؟؟أن تكون في العناية المكثفة وأن تكون تحت إشراف طبيب نائب إختصاصي في جراحة المخ والأعصاب علي أقل تقدير ولكن ما حدث بالضبط هو أن تم وضع الشاب في مقتبل العمر وهو كله عنفوان وقوة في نقاله بعد أن أنزله الإسعاف القادم من مستشفي الشرطة ببري  وظل ملقي علي الأرض لأكثر من ساعة من الوقت  وبعد أن تعالت أصوات الإحتجاج والألم والبكاء من ذوي علي تم نقله إلي عنبر المخ والأعصاب بدلا عن العناية المكثفة التي كان في أمس الحاجة إليها  . وإتصلنا  نحن ذويه بالطبيب المسئول والمناوب بأن يجد لهذه الحالة الحرجة سريرا في العناية المكثفة وكان رده أن ليس لديه سرير في العناية لكون العناية ممتلئة عن آخرها  والعناية بإبراهيم ماك ليس بها غير سبعة أسرة …..
تصوروا معي عناية مكثفة لكل الشعب السوداني(( غير القادر علي الذهاب )) للمستشفيات الخاصة مثل الزيتونة  ليس بها غير هذا العدد القليل من الأسرة ؟؟؟؟؟وهناك لغة مبثوثة عند الممرضين والأطباء بإبراهيم مالك وكل المستشفيات الحكومية بولاية الخرطوم هذه العبارات : عليكم بالتوجه إلي المستشفيات الخاصة هذه العبارة تقال لذوي المرضي الذين يفدون لهذه المشافي ليس لدينا ما نفعله لكم إذهبوا للمستشفيات الخاصة وإذا سألت عن علان أو فلان من الأطباء الكبار إسما وليست فعلا مع الإعتذار للبعض ترد عليك السكرتاريا بأن هذا الطبيب لا يذهب للمستشفيات الحكومية وبهذا نحن ضحايا صراع بين الخاص من المستشفيات وبين العام وبين الوزير والأطباء وليس أمامنا والحال هكذا غير الموت سنبلة وقد بدات رحلتنا مع هذه المستشفيات حيث لم نحصل علي سرير بالعناية المكثفة في أكثر من خمسة مستشفيات إستطعنا الوصول إليها في الأيام والليالي التي مكثها علي قبل رحيله المفجع بإبراهيم مالك ومن بين الأماكن التي ذهبنا إليها بحثا عن العناية المكثفة (( مستشفي الخرطوم  )) الذي ينعق فيه البوم بسبب القتل العمد لهذا الصرح السوداني العريق والأصيل وعلي سعة هذا المستشفي وجدنا العناية المكثفة الرئيسية بها عدد من السرائر لا يتجاوز االأربعة والبقية مهجورة ومن ما وجدناه  أن هناك قرار صادر من وزير الصحة  ((مأمون حميده )) بعدم نقل أي مريض لهذا المستشفي ولو كان ذلك بقرار من طبيب مختص كما حدث في إحدي الحالات التي حاول ذووها نقلها من إبراهيم مالك إلي مستشفي الخرطوم وهي تعاني من كسر في السلسلة الفقرية .
إن القرار القاضي بتجفيف مستشفي الخرطوم أو حتي تحويل هذا المستشفي إلي مستشفي تابع لولاية الخرطوم بدلا من وزارة الصحة الإتحادية فيه عبث لا مثيل له بأرواح المواطنين وعدم معرفة بما يحدث في السودان من حوادث سير وإصابات وأمراض قلب وكلها تتجه إلي إبراهيم مالك في ظل وضع مذري يعاني منه هذا المستشفي فاقد البوصلة والتائه من غير رشد والمقدمة الطبيعية لرفع الدولة يدها عن العلاج من غير بديل ولو كان هذا البديل هو المستشفيات الخاصة الفاشلة  ولا حولة ولا قوة إلا بالله اللهم عليك بكل مستهتر وعابث بأرواح الناس ومقدرات الوطن والمواطنين . اللهم إنا إحتسبنا عليا عندك شهيدا فتقبله قبولا حسنا وأسكنه فسيح جناتك وألزم والده المكلوم أحمد وأمه آمنه وأهله وذويه وبني عمومته وإخوانه وأقرانه الذين حزنوا لفقده الصبر والسلوان وحزن العزاء وإنا لله وإنا غليه راجعون .

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً