زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
جذور الصراع- الهوية كأداة للإقصاء
السودان اليوم يعيش انفجارًا سياسيًا وعسكريًا يعكس تناقضات بنيوية لم يتم حلها منذ الاستقلال. جوهر الصراع يكمن في التضاد بين رؤيتين متناقضتين-الدولة المؤسسية- قائمة على عقد المواطنة والقانون، تسعى إليها القوى المدنية
الدولة الأيديولوجية: التي حاول التيار الإسلامي ترسيخها لعقود، مطوّعًا الدين لخدمة مشروع سياسي أحادي
هذا التناقض لم يكن مجرد نزاع على السلطة، بل صراع على طبيعة الدولة نفسها، وهو ما يفسر استمرار الأزمة وتصاعدها في الفترات الحرجة
الدولة الهشة- فراغ مؤسسي مستمر
يعاني السودان من فراغ مؤسسي مزمن. منذ حقبة الدولة الأمنية العقائدية في عهد البشير، التي اعتمدت سياسة التمكين، وصولًا إلى الدولة الهجينة بعد ثورة 2019، ظل السودان بلا نموذج حوكمة قادر على استيعاب التعددية العرقية والدينية
بالمقارنة مع دول مثل المغرب الذي اعتمد نموذج “الاحتواء المؤسسي”، أو تونس التي حاولت التوافق المدني–الإسلامي بعد الثورة، يظهر أن السودان تأرجح بين مركزية صارمة وتفتت إقليمي دامٍ، ما جعل الدولة غير قادرة على إدارة الصراع بفعالية
وسائل القوى و تضاد الفكر والتنظيم
القوى المدنية تمتلك خطابًا تحديثيًا طموحًا وقاعدة جماهيرية في الحواضر، لكنها تعاني من تشظٍ تنظيمي وغياب أطر مؤسسية تحمي مكتسباتها السياسية
في المقابل، أظهر التيار الإسلامي مرونة فائقة في إعادة إنتاج ذاته عبر شبكات موازية اقتصادية واجتماعية وعسكرية
لم يعد مجرد تنظيم سياسي، بل منظومة متكاملة تستفيد من أخطاء الانتقال المدني لتسويق نفسها كـ”البديل الضروري”
هذا ما يجعل القوى المدنية أكثر عرضة للتردد والتراخي، في حين يستمر التيار الإسلامي في استعادة قوته من بوابة الفوضى والفراغ المؤسسي
تحول الصراع إلى العنف
الحرب الحالية ليست وليدة الصدفة، بل هي بلوغ الصراع البنيوي ذروته و تحوّل النزاع من التنافس السياسي إلى ما يمكن تسميته “خصخصة العنف”؛ أصبحت المؤسسة العسكرية ساحة للصراع الأيديولوجي، ونبتت الميليشيات كأدوات بقاء للتيارات المتصارعة
هذا التحول حول السودان إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية، وحوّل موارد الدولة من التنمية إلى تمويل آلة الحرب
إن الفشل في بناء مؤسسات قادرة على إدارة التعددية أو ضمان الحقوق المدنية جعل الصراع أكثر تعقيدًا واستدامة
اقتصاد الحرب والعدالة المفقودة
الصراع ليس أيديولوجيًا فحسب، بل هو صراع على الموارد
سيطرة نخب عسكرية وإسلامية على الذهب والاتصالات والموارد الحيوية تخلق مصالح مادية في استمرار الفوضى، وتعيق أي رقابة مدنية أو مؤسسية
كما أن غياب مسار العدالة الانتقالية جعل الأطراف ترى في السلطة درعًا حاميًا من المحاسبة، مما يحوّل الصراع إلى صراع وجودي ممتد
مقارنة عربية
في مصر، تم حسم الصراع مع الإسلاميين بقوة، لكن ذلك جاء على حساب الديمقراطية وحقوق المدنيين
في تونس، أدى التراخي المدني باسم التوافق إلى انهيار الدولة جزئيًا، رغم تراجع نفوذ الإسلاميين
في الجزائر، نجحت الدولة في الحد من الإسلاميين، لكن التحول الديمقراطي ظل مجمّدًا
في المغرب، تم احتواء الإسلاميين ضمن مؤسسات الدولة، ما قلّل من التوتر، لكن ذلك يعتمد على قوة الدولة نفسها
السودان يختلف عن جميع هذه التجارب: لا يملك دولة قوية تحسم، ولا مؤسسات مستقرة تحتوي، ولا ذاكرة ردع، ما يجعل تراخي القوى المدنية أكثر خطورة، ويترك المجال مفتوحًا لصعود الإسلاميين من بوابة الفوضى
السيناريوهات والآفاق
مستقبل السودان يتراوح بين التمزق الدائم و تحول البلاد إلى إقطاعيات يحكمها السلاح
التسوية الهشة قد تؤجل الصراع ولا تحله، تاركة البلاد في دائرة العنف المستمرة
التحول الجذري (المأمول) الأكثر تكلفة لكنه الأنجع، ويستلزم الاتي –
الانتقال من “دولة الهويات” إلى دولة المواطنة الجامعة
بناء عقد اجتماعي يعترف بالتنوع كقوة لا كعامل تفكيك
إصلاح المؤسسة العسكرية لتصبح قومية وخاضعة للرقابة المدنية
تفكيك بنية التمكين عبر دولة القانون التي تمنع استغلال الموارد لصالح تنظيم بعينه
السودان كمرآة للمنطقة
الخروج من المأزق يتطلب تجاوز الثنائية التقليدية (مدني/إسلامي) نحو فضاء وطني يتسع للجميع تحت مظلة القانون والسودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ إما أن يصبح نموذجًا ملهمًا لإدارة التعددية والتعافي من الحروب، أو يظل تحذيرًا دائمًا من عواقب تسييس الدين وعسكرة السياسة
إنها لحظة تتطلب إرادة سياسية تتجاوز المصالح الضيقة نحو أفق الوطن الشامل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم