في مقال سابق بعنوان “إدارة المخاطر وسودان المخاطر” تناولت فيه تعريف مبسط لإدارة المخاطر(Risk Management) التي تواجه المؤسسة أو الفرد ثم الآليات أو السبل المتاحة لتجنب وقوع المخاطر أو لمواجهة الآثار المترتبة على وقوعها بأقل تكلفة ممكنة. ومن السبل المتاحة للفرد والمؤسسة تجنب أو تحاشى المخاطر، الوقاية من المخاطر، تحمل المخاطر، تقليل المخاطر وتحويل أو نقل المخاطر الى طرف ثانٍ والتأمين. وسوف أتناول في هذا المقال واحدة من تلك السبل المتاحة ألا وهي تجنب أوتحاشى المخاطر(Risk Avoidance) و أضرب مثال مبسط لذلك، فمثلاً إذا كانت قيادتك أو ركوبك للسيارة يمثل خطراً على حياتك، نسبة لحوادث السيارات الكثيرة والمتنوعة هذه الأيام، فما عليك إلا أن تتخلى تماماً عن قيادة السيارة أو ركوبها ثم تقضى مشاويرك الى العمل وغيره سيراً على الأقدام(كداري) أو تتقاعد معاش اختياري وتلزم منزلك، وبذلك تكون قد تجنبت أو تحاشيت هذا الخطر تحديدا وطبقت نظرية إدارة المخاطر في حياتك اليومية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل أنت بذلك التحاشى أمنِت من المخاطر وسلِمت من الحوادث التي تعرض حياتك الى الخطر؟سوف أجيب على هذا التساؤل لاحقاً.
هنالك واقع معاش يومياً نرى ونسمع فيه عن حوادث وضحايا بأعداد كبيرة تقع ،ربما كل دقيقة،بسبب مخاطر الحياة الكثيرة والمختلفة. وأمام هذه المخاطر المعاشة تتضاءل قيمة نظرية إدارة المخاطر وآلياتها.ولذلك يتساءل البعض ما فائدة هذه النظريات وآلياتها إذا لم تجنبك أو تجنب المؤسسة وقوع المخاطر الماثلة؟ وسوف أسوق إليكمفيما يلى بعض الأمثلة الواقعية التي تكرِّس مضمون هذا السؤال الإستنكارى.
كلكم سمعتم بكارثة الطائرة الألمانية التابعة لشركة “جيرمان وينغز” (التي تمتلكها شركة الخطوط الجوية الألمانية “لوفتهانزا”)، التي كانت في الرحلة رقم 9525 بين مدينتي برشلونة ودوسلدوف وسقطت فوق جبال الألب في فرنسا الشهر الماضي وراح ضحية هذا الحادث 150 شخصاً لم ينج منهم أحد. وأشارت التحقيقات أن الطيار الأساسي خرج من غرفة القيادة لقضاء شيء ما إلا أنه لم يستطع الدخول والعودةإلى قمرة القيادة حيث وجد الباب الفاصل بين قمرة القيادة وباقي جسم الطائرة موصداً وحاول أن يفتحه بطرق الباب لكن لا حياة لمن تنادى وأصبح الطيار الرئيسي محجوزاً خارج قمرة القيادة حيث باءت كل محاولاته المستميتة للعودة إلى قمرة القيادة بالفشل. وأياً كانت الأسباب فالتحقيقات اللاحقة وتحليل الصندوق الأسود أشار إلى أن مساعد الطيار الكابتن ” اندريا سلوبيتز”يشتبه في أنه تصرف إرادياً وأغلق على نفسه باب قمرة القيادة بعد أن غادرها الطيار الأساسي وأسقط الطائرة عمداً فوق جبال الألب بغرض الانتحار.الشاهد هنا أن هذا الباب الفاصل كان هو أحد العوامل الرئيسية في وقوع هذه الكارثة…فما هي قصة هذا الباب؟
عقب الهجمات التي وقعت في أيلول سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية تم تأمين أبواب قمرات القيادة في جميع الطائرات بصورة خاصة من أجل منع الدخول غير المصرح لهم من إرهابيين وخاطفين وغيرهم. وتم تصميم الأبواب من حديد الفولاذ لتكون مضادة للطلقات من أجل منع إطلاق النار على قمرة القيادة،ويمكن لأفراد طاقم الطائرة فقط الذين يملكون شفرة خاصة فتح هذا الباب ومن الداخل فقط تأكيداً للسلامة.فهذا الباب صمم خصيصاً لأمن و لسلامة الطائرة والركاب من الحوادثالاختطاف والإرهابالكارثية وتطبيقاً لنظرية إدارة المخاطربآليةتحاشي الخطر إلا أنه من سخريات القدر أن هذا الباب بذاته هو الذي تسبب في كارثة الطائرة الألمانية التي لا تقل فداحةً عن الحوادث، المصاحبة للاختطاف والإرهاب…وصار المثل “جيت تكحلها عميتها ” حقيقةً بل كارثةً في هذه الحالة.
هذا على مستوى المؤسسات لضرورة استمرارية العمل ومتطلبات الحوكمة إلا أن الافراد أيضاً يطبقون نظرية إدارة المخاطر في حياتهم العامة. وهناك حادثة أو بالأحرى كارثة أخرى مشابهة تماماً لكارثة الطائرة الألمانية، في سببها، وقعت قبل أكثر منعشر سنواتحيث غادر الأب منزله في الصباح الباكر إلى عمله ثم غادرت الأم المنزل بعده إلى حيث تعمل.إلا أنها أغلقت الباب الخارجي للمنزل بالمفتاححتى تترك أطفالها الثلاث في مأمن من أي خطر أو مكروهخارجي، وذهبت مطمئنة إلى عملها.وبعد ساعتين من مغادرة الأب والأم المنزل وأثناء ما كان الأطفال الثلاث يلعبون داخل المنزل حصل ما لا تحمدعقباه..التماس كهربائي في جهاز المكيف في إحدى غرف النوم ثم أمسكت الشرارة الناتجة من الإلتماس في طرف ستارة الشباك القريبة من المكيف ثم التهبت النيران وقضت على كل شيء في الغرفة وتصاعد الدخان الذي ملاْ أرجاء المنزل وإحتار الأطفال المساكين وجروا نحو الباب للهروب من ألسنة النيران والدخان الكثيف إلا أن الباب الخارجى وق فسداً منيعاً أمامهم فظلوا يقفون خلفه ينتظرون الفرج من الله. ومضت ساعة ثم حضر الجيران عندما رأوا الدخان يتصاعد وكسروا الباب وكانت الكارثة الكبرى… يا إلهى..الأطفال الثلاث فارقوا الحياة وهم ثلاثتهم ممسكون بهذا الباب اللعين الذي منعهم من الحياة..وجاءت الأم ،المغلوب على أمرها،حاملة مفتاح الباب بعد فوات الأوان لتفتح مأتماً وحزناً وحسرةً ما يزال بابه مفتوحاٌ حتى هذه اللحظة.
في السودان هناك هاجس اللصوص ولذلك تهتم الأسرة في تأمين الأبواب وكل المداخل ليلاً حتى يأمنوا أنفسهم وأرواحهم ومقتنياتهم من زوار الليل..وفى حادث سطو حصل قبل عدة سنوات كان صاحب المنزل يغطفي نوم عميق مع أسرته إلا أنه قام مذعوراً بعد منتصف الليل عندما سمع بحركة اللص داخل غرفته وسرعان ما قفز من سريره واتجه نحو الدولاب وحمل مسدسه معه وحاول تهديد اللص بالمسدس إلا أن اللص الجرىء اشتبك معه بالأيدي ثم خرجت رصاصة من نفس المسدس واستقرت في عنق صاحب المنزل فأردته قتيلاً في الحال، وجرى اللص إلى خارج المنزل حاملاً معه المسدس.الشاهد أن هذا السلاح الذي إقتناه صاحب المنزل، كجزء من إجراءات الأمن والسلامة وإدارة المخاطر، كان هو الخطر بعينه بدلاً من أن يكون واقياً أو حامياً من الخطر.
وحادث آخر في هذا السياق..رجل بدين زار الطبيب شاكياً من وزنه الثقيل وسائلاً أي الطرق أسلم له في الحياة حتى لا يتعرض لمخاطر المرض والموت.فنصحه الطبيب أن يجرى عملية جراحية حديثة (تسمى قص المعدة) لتصغير حجمهاحتى تستكفى بالأكل والشرب القليل ثم يخف وزنه تدريجاً وبالتالي تكون فرص إصابتهبالأمراض أقل وبالنتيجة يعيش حياةً معافاة سليمة وطويلة..واقتنع الرجل بنصيحة الطبيب وسافر إلى خارج دولته لإحدى الدول العربية وأدخل المستشفى وأجريت له عملية جراحية أزالوا فيها نصف معدته لكن نزف الرجل بعد إجراء العملية ثم فارق الحياة نتيجة هذا النزف..والآن هناك قضية مرفوعة في المحاكم من أهله ضد المستشفى المعني بتهمة الإهمال والخطأ الطبي الجسيمالمؤدى للوفاة. الشاهد هنا أن هذا الرجل أراد بإجراء هذه العملية الجراحية أن يعيش سليماً معافى مزيلاً مخاطر أمراض البدانة التي تتسبب في الوفاةإلا أنه من سخريات القدر أن العملية ذاتها هي من تسببت في وفاته.
ويروى عن أكتم التميمى قوله: “يؤتى الحذر من مأمنه”..والمعنى ببساطة هو أن الخطر قد يأتي من حيث أمنّ الإنسان نفسه منه، فهو يحذر ويحتاط عما يرى فيه خطراً عليه، لكنه ربما يفاجأ بالخطر والأذى يأتى من مكمنه أو يأتيك الخطر من نفس المكان أو الأشخاص الذين تثق أنت فيهم ولعل مقتل الرئيسة الهندية أنديرا غاندى من أحد حراسها لخير مثال على ذلك، كذلك مقتل الرئيس المصرى أنور السادات، وهو وسط قواته المسلحة وحراسه، أيضاً يؤكد صحة هذا القول.
وإذا تأملنا النظر في ظروف وملابسات الحوادث والكوارث الثلاث أعلاه، ومثلها كُثر، نجد أن باب الطائرة الألمانية وباب المنزل وعملية قص المعدة كان القصد منها تحاشى المخاطر وتجنبهاللاطمئنان وتطبيقاً لنظرية إدارة المخاطر وآلياتها التي هي جزءأساسي من قوانين وإجراءات الشركات المصنعة للطائرات (مثل إيرباص وبوينج وغيرها) أو تماشياً مع فطرة الإنسان والحديث الشريفالذي يقول: ” لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”، لكن الواضح أن ثلاثتهم منفصلين كانوا سبباً رئيسياً في وقوع المخاطر والكوارث المترتبةالتي ذكرناها أعلاه!! وقديماً قال أحد الحكماء: “مهما بلغ حذرك سيصفعك الزمان بغفلة” وأيضاً قال نابليون بونابرت: “عذاب الحذر يتجاوز عادة المخاطر التي تتجنبها، أحياناً يكون من الأفضل أن تترك نفسك للقدر”.وعندنا المثل “الحذر لا يمنع القدر” فمهما شدد الإنسان في الحذر كي لا يصيبه مكروه، فإن حذره لن ينفعه إذا أراد الله أن يصيبه بشيء قد كتبه عليه.
وبعد ذلك نرجع للسؤالالذى طرحناه في البداية وهو إذا طبقنا نظرية إدارة المخاطر واتبعنا إحدى آلياتها أوسبلها المعروفة،وهي تحاشى أو تجنب المخاطر، هل أمنا وأمنِت مؤسساتنا من المخاطر؟؟
الواقع المعاش، في كثير من الحالات، يقول غير ذلك…فالطائرة الألمانية كانت ضحية إجراء تحاشى المخاطر بالبابالفولاذي الواقىالذي كان بذاته سبباً أصيلاً في سقوط الطائرة المنكوبة والكارثة التينجمت عنها.
شوقى محى الدين أبوالريش
9 أبريل 2015
reeshs@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم