مناظير الاربعاء 1 ابريل، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
وعدتكم في نهاية المقال الذي تناولتُ فيه إستقالة بروفيسور (علي رباح) أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم بسبب تعرضه ــ كما كتب في منشور على صفحته بالفيس بوك ــ لضغوط خارجية صريحة ومباشرة، هدفتْ إلى سكوته عن وصول طرف ثالث غير مشروع إلى سجل الجامعة بالتعليم العالي، وتراجع الجامعة عن مسار التحول الرقمي وإيقاف مشروع الشهادات الإلكترونية، والسكوت عن محاولة تزوير الشهادات الأكاديمية، بمواصلة الموضوع ومحاولة الوصول الى الحقائق، لخطورة الاسباب التي ذكرها بروفيسير علي رباح والتي لا تقل عن خطورة كبرى الجرائم التي تهدد الأمن القومي للبلاد وخيانة الأمانة، والتلاعب بالشهادات والتزوير وتدمير سمعة الجامعات السودانية وامتناع الدول والمؤسسات عن استيعاب وتوظيف الخريجين السودانيين، خاصة مع تدهور مستوى التعليم العالي منذ استيلاء الإخوان المسلمين على السلطة بانقلاب عسكري في يونيو 1989 وفصل الأساتذة الأكفاء واستبدالهم بأنصاف وارباع المتعلمين وانتشار فوضى الترقيات وإصدار الشهادات المزورة بدون اجتياز المطلوبات الأكاديمية المعروفة، حتى صار السودان قبلة لكل من يريد الحصول على شهادة جامعية مزورة، ويكفي كمثال على ذلك ما قاله وزير التعليم العالي الأردني السابق (وليد المعاني) في تصريحات إعلامية بأن أخطر ما واجهه خلال عمله كوزير “حصول 15 ألف طالب أردني على شهادات جامعية من السودان معظمهم لم يزر السودان في حياته، وحصل بعضهم على شهادات في الطيران والحقوق من جامعات ليس فيها كليات طيران وحقوق”، ولقد تم إلغاء كل هذه الشهادات بعد معارك قانونية كبرى في أعلى المحاكم الأردنية، حسب تصريحاته.
- لكي أصل إلى الحقائق الكاملة، كان لا بد من إجراء تحقيق استقصائي عميق استغرق الكثير من الوقت وشمل العديد من الجهات والشخصيات داخل وخارج السودان، سودانيين وغير سودانيين، وعلى رأسهم وزير التعليم العالي السوداني بروفيسور (أحمد مضوي)، الذي شغل قبل تعيينه وزيرًا منصب نائب مدير جامعة الخرطوم، وكُلف بواسطة مدير الجامعة بروفيسور (عماد الدين عرديب)، وكلاهما أستاذ كفء وأكاديمي ممتاز في مجاله، برئاسة لجنة تحقيق عن الموضوع قبل أن يصبح قضية رأي عام بعد نشر بروفيسور (علي رباح) لاستقالته المسببة للرأى العام في 7 يناير 2026.
- سألتُ السيد الوزير بشكل مباشر عن صحة الاتهام بتفويض الوزارة (لطرف ثالث) للوصول الى السجل الجامعي للجامعات السودانية واصدار الافادات للجهات التي تطلب التحقق من الشهادات، فكانت اجابته أن “هناك لجان تحقيق قائمة”، وان “الوزارة كونت لجان للتقصي الدقيق من الاتهامات التي تتعرض لها وموضوع التحقق من الشهادات، ومَن وُجد مخطئًا فسوف يُحاسب، ومن إتهم الوزارة بغير دليل فليتحمل ما ذهب إليه”، وانه “جاء لإحقاق الحق بعيدًا عن العواطف والانحياز”، وختم حديثه بالقول: “أرجو أن تكتبوا ما تستوثقوا منه لكي نمضي بالبلد والتعليم العالي إلى مصاف الأمم المتقدمة”. بصراحة وضعتني هذه الإجابة المبهمة وامتناعه عن الرد المباشر، وعدم نفيه لوصول جهة خاصة او (طرف ثالث) للسجل الجامعي بالوزارة، امام مسؤولية وطنية كبرى لمواصلة الموضوع والوصول إلى الحقيقة الكاملة.
- وتواصلتُ مرة ثانية مع بروفيسور (عماد الدين عرديب) مدير جامعة الخرطوم راجيا مواصلة حديثنا السابق الذي ذكر لي فيه أن المجلس الاستشاري للجامعة سيبحث الموضوع، ووعدني بان يفيدني بما يتوصل إليه، إلا أنه لم يفعل، وكان في حديثه السابق قد أشاد ببروفيسور (علي رباح) والفترة التي عمل فيها أمينًا للشؤون العلمية، لكنه انتقد طرح القضية للراي العام، مشيرا الى إحتمال أن يكون سبب استقالته من امانة الشؤون العلمية وجود خلافات في الرأي بينه وبين وزارة التعليم العالي، مؤكدا عدم وجود أي تزوير في شهادات جامعة الخرطوم، ونافيا ان يكون قد ضغط على (بروفيسور علي) للسكوت، وختم حديثه بالتأكيد على العلاقة المتينة بينه وبين بروفيسور (علي رباح)، غير أنه امتنع تماما عن الحديث مرة اخرى، ولم يرد على رسائل الواتساب التي ارسلتها إليه ملتمسا مواصلة الحديث والاجابة على بعض الأسئلة وحقيقة الطرف الثالث.
- كما قمت بإجراء اتصالات مكثفة مع مصادر موثوقة داخل وخارج السودان (في الجامعات وجهات اخرى)، ومع بعض الشركات التي تعمل كوسيط في مجال التحقق من الشهادات مثل (داتا فلو) المتعاقدة مع جامعة الخرطوم، و(مصادقة)، و(التحقق الأمثل) وهى شركات غير سودانية لها حضور واسع في الخليج ولها مواقع إلكترونية رسمية يستطيع اى احد الاطلاع عليها والتواصل معها، ولقد امتنع بعضهم عن الرد وتجاوب البعض الآخر، وشيئا فشيئا تجمعت المعلومات، واتضح ان الطرف الثالث غير المشروع شركة مسجلة داخل السودان تعمل في مجال التجارة العامة منذ عام 2013، خاصة تجارة الجلود والمحاصيل، وقد توسعت مؤخرًا لتشمل عمليات التحقق من الشهادات الجامعية السودانية، وحصلت على تفويض بذلك من وزارة التعليم العالي للوصول إلى كل السجل الاكاديمي للجامعات السودانية بوزارة التعليم العالي، وليس جامعة الخرطوم فقط، مما يثير الكثير من التساؤلات الخطيرة حول الشفافية والمساءلة القانونية في التعامل مع السجل الاكاديمي الوطني!
- إسم الشركة (كُوِيك للأعمال المتقدمة)، ولا يدري احد ما هى الميزة التي جعلتها تحصل على هذا التفويض الواسع والمباشر بالاطلاع على كل الشهادات الصادرة من الجامعات السودانية (من الدبلوم وحتى الدكتوراة) وإصدار الإفادات نيابه عن وزارة التعليم العالي للجهات التي تطلب ذلك وتحصيل الرسوم بالعملة الصعبة، وجميع ما يتعلق بهذه العملية الخطيرة التي يجب ان تقتصر على الجامعات والمؤسسات الاكاديمية فقط، وليس اى جهة اخرى مهما كانت صفتها وطبيعة نشاطها بما في ذلك وزارة التعليم العالي نفسها، دعك من أن تكون مختصة في تجارة الجلود والمحاصيل التي لا توجد ادنى صلة بينها وبين عملية اكاديمية في غاية الخطورة والخصوصية والسرية مثل الاطلاع على السجل الاكاديمي للتحقق من الشهادات واصدار الافادات .. ولا يعلم إلا الله ماذا تفعل غير ذلك !
- صدر اول تفويض للشركة في عام 2022، بعد انقلاب البرهان على السلطة الشرعية في 25 أكتوبر 2021، بتوقيع المدير السابق لإدارة القبول والتوثيق والوكيل الحالي (د.علي الشيخ السماني)، وتم تجديده مرتين في عامي 2023 و2025، بتوقيع المدير الحالي للإدارة (د.حنان محمد زين)!
- تكمن خطورة وصول شركة خاصة إلى السجل الجامعي في عدة نقاط جوهرية: أولًا، إمكانية التلاعب بالشهادات أو تزويرها دون أي رقابة قانونية او رقابة مباشرة من الجامعات صاحبة الاختصاص، مما يهدد سمعة التعليم العالي السوداني داخليًا وخارجيًا. ثانيًا، يُعطي الشركة سلطة على بيانات جميع الخريجين، وهو ما يمثل خرقًا خطيرًا للأمن القومي وخصوصية الخريجين. ثالثًا، يؤدي إلى تحويل الأموال الخاصة برسوم التحقق (50-70 دولارًا لكل شهادة) بالكامل للشركة بدلاً من استثمارها في تطوير نظام التحقق الوطني الرسمي، مما يخلق بيئة غير شفافة ومريبة، وتفيد مصادرنا بأن جملة ما حصلت عليه الشركة من التحقق في شهادات جامعة واحدة فقط في اقل من عام ما يزيد عن 400 ألف دولار أمريكي، بينما يتراوح عدد الجامعات ومؤسسات التعليم العالي السودانية الحكومية والخاصة بين 100 الى 120، ولقد بلغ عدد الخريجين خلال العشر سنوات الماضية فقط 2 مليون !
- وليت الأمر يقتصر على الرسوم فقط، ولكن ان يكون السجل الاكاديمي السوداني في يد شركة خاصة يعني ببساطة، كما أسلفت، وضع مصداقية الشهادات وسمعة الجامعات السودانية تحت رحمة جهة غير مشروعة وغير خاضعة للمساءلة، بما يفتح الباب للتلاعب والتزوير على نطاق واسع، كما انه يضع خصوصية ومستقبل وحياة ملايين الخريجين السودانيين في يد طرف يمكنه ان يقرر مصيرهم المهني بجرة قلم دون اي رقابة قانونية !
- انها كارثة كبرى، أكبر من أى كارثة اخرى حدثت في تاريخ السودان، بما في ذلك الحرب الحالية التي دمرت كل شئ !
- للحديث بقية إن شاء الله .. انتظروني.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم