الطرق الصوفية وتاريخنا

وقفات (3)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
الطرق الصوفية وتاريخنا
ومن خلال قرطاسه “تاريخ الحركة الوطنية في السودان”، يحدثنا البروفيسور محمد عمر بشير (1980)، قائلاً، يمكننا ان نقول بان تجلى السودان كشعب كان في القرن الثالث الميلادي، وذلك عندما بدأت الخصائص الزنجية الرئيسية في الحضارة المروية تتشكل وتفرض وجودها، لأنها وجدت فرصتها في ذاك الزمان.
وكان أن تنازل الرومان عن فكرتهم الخاصة بغزو مملكة مروي، مما جعل مروي نهباً لهجوم الأثيوبيين من الشرق. وقد مثل مروي ناس قادمون من الجنوب في منتصف القرن الرابع. ومنذ ذلك التاريخ أصبح تاريخ السودان منسياً أو نسياً منسياً أو غير واضح ويشوبه الكثير والكثير من الغموض. واستمر هذا الحال على ما هو عليه الي أن ظهرت الدول أو الممالك النوبية الثلاثة، نوباطيا أو نوباتيا ومقره وعلوة.
ويري البروفسير، أنه كان يسود حياة تلك الممالك السودانية الثلاثة أسلوب القرون الوسطي، وتمسكت بالنهج وبالجادة التي بدأتها (نبتة-مروي) من حيث حماية استقلال البلاد والحفاظ على تقاليدها، ومن ثم سيطروا على القبائل المستقرة على الأراضي المجاورة، وبسطوا نفوذهم عليها. وكان النيل الجميل هو سر حياتهم وهو شريانها، وموصلهم بالشمال وبالجنوب.
واعتنقت هذه الثلاثة المسيحية او النصرانية في أو بعد القرن السادس. والمسيحية كانت مثلها في ذلك مثل الحضارة المصرية القديمة، أتت من جهة الشمال. ووجدت الكنيسة القبطية لها مكاناً ومقراً احتمت به وفيه في السودان، وذلك عندما عاداها وحاربها الأباطرة الوثنيون، الذين في أيديهم كانت زمام الأمور وكان لهم الأمر والنهي آنئذ.
وسارت الممالك السودانية الثلاثة على ولائها للكنيسة القبطية المصرية أو للكنيسة القبطية في مصر. وملوكها كانوا يعتبرون ذواتهم حواريين، ويعتبرون أنفسهم حماة بطريرك الإسكندرية.
وكان الملوك، ملوك تلك الممالك، ملوكاً وقساوسة في ذات الوقت ونفسه، وقبضوا بأيديهم على خناق السلطتين الدنيوية والروحية. وقد ساعدهم في مزاولة وأداء مهامهم وواجباتهم نظام ديني قائم أو يستند على تعاليم الكنيسة البيزنطية وتعاليمها. وكانت أداة نشر التعاليم المسيحية هي اللغة الاغريقية الي أن تم تبديلها أو استبدالها في تاريخ متأخر جداً باللغة النوبية، والتي أصبحت هي لغة الكنيسة الرسمية.
ثم جاءت المرحلة الهامة في تاريخ هذه الأرض، نتيجةً لحضور العرب والإسلام ودخولهم سلمياً في ربوع السودان الرحبة المرحبة. وكانت سلفاً هناك علاقات قائمة بين بلاد العرب وبلاد السودان قبل خروج الإسلام الي حياة الوجود بآماد بعيدة وآماد سحيقة. وكانت هناك ثلاثة طرق استغلها واتخذها العرب للدخول الي دواخل السودان والي قلوب أهل السودان.
كان أولها من شمال بلاد العرب من خلال سيناء ثم مصر، وكان ثانيها عن طريق جنوب بلاد العرب من خلال باب المندب مروراً بأثيوبيا (أكسوم قديماً)، وكان ثالثهما هو الطريق المستقيم المباشر المؤدي الي السودان عبر بوابة البحر الأحمر.
وقد ضاعف من زيادة أهمية هذه الطرق هو ظهور الإسلام وانتشاره، واتقاد شعلته في النفوس وفي الوجود. فقد اختار المسلمون العرب سلوك هذه الطرق التي سبقهم في اتباعها المهاجرون والتجار منذ عدة قرون وقرون.
ويعود انتشار الإسلام في الربوع السودانية بصورة أساسية الي المعاملات التجارية، وأيضاً الي الامتزاج والتزاوج بين العرب المتوطنين والأهالي الأصليين. بيد أن سريان النفوذ العربي بين ثنايا الأهالي وفي حناياهم كان يقوم به عرب البادية النازحين، أولئك الذين أغرتهم المراعي الفسيحة الجميلة الثرية المرتاحة وراء الساحل، وهؤلاء المفتشين والمنقبين والباحثين عن المعادن النفيسة والمعدن الثمين في الصحراء الشرقية، والمتطلعين والطامحين الي مزاولة التجارة في الذهب أو في الرق البشري.
وقبل أن يخضع هذا البلد تماماً للمؤثرات العربية والإسلامية، كانت هناك اتفاقية اسمها “اتفاقية البقط”، تم توقيعها مع العرب في الشمال. وهي الاتفاقية التي ساهمت في إرساء أسس الروابط الواجب اتباعها بين الطرفين، بين المسلمين كطرف والنوبة كطرف ثاني. وقد تم استعمال الاتفاقية كوسيلة سلمية دخل من خلالها الإسلام الي السودان انسياباً كانسياب نهر النيل في وديانه وفي ربوعه. وكان التزاوج بين العرب المتوطنين مع الأسر النوبية المالكة، وكانوا قد ورثوا العرش النوبي. وكان ان زادت سرعة هذا التسرب وهذا الانسياب الإسلامي البطيء، واشتدت واستحكمت تأثيراته في أواخر القرن الثالث عشر، وكانت هذه هي الحال خلال المائتي عام التابعة.
وسارت بعض من الفرق باتجاه الجنوب، ومن ثم غاب الوجود الفعلي لمملكة النوبة المسيحية في القرن الرابع عشر. وكان أن مهد وعبد سقوط مملكة النوبة في أيدي العرب السبيل أو الطريق أمامهم من أجل التغلغل في كل من المقرة ومن علوة. ونجحت علوة في البدايات في أن تدافع عن كيانها وعن ذاتها وأخضعت أو أجبرت الجماعات العربية القليلة المهاجرة على احترام مكانتها واحترام سلطتها وسلطانها.
ولكن لم يكن من المستطاع استمرار هذه الحال طويلاً، نسبةً لتكاثر أعداد العرب وتشكيلهم للأحلاف. وكان أن شجع، ضعف المملكة وتفوق العرب الكمي، العرب وأغراهم لاختبار قوتهم في مواجهة وهجوم العاصمة الهزيلة “سوبا”، والتي وبدون تأخير أو تمنع سلمت أمرها للعرب. وبهذه الطريقة سقطت آخر الممالك المسيحية الثلاثة المستقلة في أيدي العرب المسلمين المهاجرين. بيد أن التقاليد بنظام تكوين الدول الصغيرة المستقلة قد تم العمل به في القرن السادس عشر، وذلك عندما تم ميلاد مملكة الفونج، وجعلت من سنار عاصمة لها.
وقد كانت مملكة الفونج متشكلة من الأقاليم، التي كانت مسرحاً لكل من مقرة وعلوة، وما تبقى من أراضي الممالك النوبية العزيزة. ولكن كان أن تم ضم النوبة الشمالية الممتدة الي الشلال الثالث الي ممتلكات المماليك بمصر هنا في الشمال. وأما بخصوص الأراضي الساحلية المرتاحة بين سواكن وبين مصوع فقد أتبعت أو أُرفقت او ضُمت للإمبراطورية العثمانية.
وقد ساعد التوحيد الإداري لتلك الأقاليم تحت سلطان ملوك أو حكام الفونج الي قيام نوع من الوحدة السياسية، وشكل من أشكال الاستقرار في انحاء البلاد وأرجائها. الأمر الذي كان له بليغ وعميق الأثر في انسياب الإسلام وفي انتشاره وفي زيادة انتشار الثقافة العربية الإسلامية في المناطق المتاخمة والمجاورة لدنقلا ولسنار. واستمرت الثقافة العربية الإسلامية في الانسياب وفي التغلغل والاندياح الي أن وصلت كردفان وكذلك زارت دارفور، وبلغت بحيرة تشاد في أقصى الحدود الغربية للبلاد السودانية.
وامتاز تأثير العرب على الأهالي بالتفاوت وبالتباين من إقليم الي إقليم، ومن قبيلة الي أختها. ولكن كان اتخاذ اللغة العربية كلغة للحضارة قد تأخر لفترة ليست بالقصيرة ولعُدد من الأجيال، بالرغم من نفوذها الهائل باعتبارها لغة الإسلام، وفرص التجارة التي فتحت أبوابها على مصرعيها. وكان ذلك بسبب استمرار النوبيين والبجا، وهم من أوائل أهالي هذه البلاد الذين كانت لهم روابط متصلة مع العرب، في استعمال لهجاتهم الخاصة كوسيلة للتخاطب وما زالوا يحبونها وما زالوا يعشقونها وما زالوا يفضلونها، ولهم كل الحق -اللهم لا تلومني فيما تملك ولا أملك- كأداة اتصال حتى يومنا الماثل.
وقد كان للتغلغل العربي في البلاد دوره المهم في اتساع رقعة انتشار الإسلام. وقد غدا السودان مع حلول القرن السادس عشر الميلادي جزء أصيل من العالم الإسلامي والعالم العربي. ولم تكتفي هذه الروابط بين هذه البلاد وبين مصر وكفى، بل تمددت لتشمل علاقات وروابط مع الأقطار العربية، ومع شمال افريقيا، ومع الشرق الأوسط، ومع بقية الإمبراطورية العثمانية.
وفي أثناء عهد حكم الفونج، توسع محيط نثر الدعوة الإسلامية الي أن بلغت خط عرض 13 درجة شمالاً. وكانت الوسيلة الأساسية والأداة الرئيسية في نشر هذه الدعوة هم العلماء وهم الأسر الدينية. وقد بسطوا نفوذهم وبسطوا سلطانهم على المجتمع.
ورغم أن مهمتهم الرئيسية التي وضعت على عاتقهم هي بث وهي نثر ونشر الثقافة والدعوة الإسلامية، الا أننا نجدهم أيضاً قد تمكنوا من التمتع ببعض السلطات السياسية وأيضاً الاقتصادية.
وفي زمان زيارة المؤرخ الرحالة جون لويس بركهارت للدامر في 1814م، وُجدت بأنها كانت تساس بواسطة أسرة المجاذيب الدينية، التي ذاع صيتها بإنجاب أهل الكشف وأهل الصلاح والمتصوفين والصوفية، الذين كان لهم قدراً من الصفاء الروحي، حيث لا تستعصي عليهم أية ظاهرة، مهما كانت عصية او كانت خبيئة، ولا تخفى عليهم أي خافية. وهم أولئك الذين كان رقاهم وتعاويذهم وأحجبتهم لها تأثير عظيم وعميق على أي شيء دون أن يحول بينها وبين ذلك أي حجاب مهما بلغ سُمكه ما بلغ.
وكما أورد هذا المؤرخ الرحالة في تدويناته، فقد كانت شؤون وأمور الدامر تُدار بعناية وبدقة شديدتين. وقد وجد زعماءها الدينين (المجاذيب) الاحترام وغاية الاحترام، ونالوا التوقير غاية التوقير من قبل كل جيرانها. وفاقت هالة قداسة المجاذيب واحترامهم درجة ما بعدها درجة، حتى البشاريين المعروفون بالخديعة والمشهورون بالغدر، صاروا يخافونهم، وأصبحوا يهابونهم، الي الدرجة التي لم يُعرف عنهم أي حادثة ولو واحدة تعرضوا فيها بالأذى أو بالضرر لأي فرد من أهالي الدامر، وهم يترحلون عبر جبال سواكن، خوفاً من قوة فقراء (الصالحين) الدامر.
وخلال حقبة حكم الفونج، تسللت عدد من الطرق الصوفية الي البلاد عن طريق الحجاز. ونسبة لكون الروابط التجارية الرئيسية كانت قائمة بين السودان والحجاز، فمن الطبيعي أن يتأثر السودان وانحاءه بالاتجاه وبالتوجه السائد هناك في الحجاز، وهو اجلال الائمة، وهو اجلال أهل الصلاح من أصحاب الطرق الدينية.
وتعود الجذور التاريخية لقيام الطوائف الدينية الي التصوف والي تطوره. فقد صار جهاد النفس من خلال سبل الزهد في عرض الدنيا الزائل هو البديل لجهاد غزو العالم ونشر الدعوة الإسلامية. وعندما نتكلم عن الصوفي فهو لا يعرف إله سوى الله، فلا إله الا الله. ولكن التصوف فعلياً وعملياً هو مذهب، وهو منهج في الحياة، يعبر عن ذاته بالتطهر وبالترفع عن الصغائر وعن الدنايا وعن عرض الدنيا الزائل.
وعن الطرق الصوفية يحدثنا الشريف زين العابدين الهندي، مدحاً.. (ومثلما كان في البدء الكلمة، كان في البدء الطرق الصوفية، لا في السودان فحسب. ولكن في خلايا المجتمع الإسلامي في جميع أنحاء العالم، وهي التي استأنست الإنسان بالإسلام وزودته بالغذاء الروحي من وجبات القرآن والأذكار، وأثارت فيه الأشواق للذات المحمدية بالأمداح، وامتصت منه عصبيات العنصر وعنجهية العرق، حتى تمازجت القبائل في أحضانها الروحية، وشكلت بذلك لبنة أساسية في البناء القومي لم يكن مستطاعاً في غير ساحاتها العامرة بالحب والمفعمة بالوداد، فصاروا كما كانت صفاء ولا ماء.. ونوراً ولا نار.. وروحاً ولا جسم. هذا هو عالم الأرواح، وآفاق التسامي، والخطى المتصاعدة دوماً، حيث لا جبريل يخطو، ولا تسمع أذناه النداء. يقابل عالم الأرواح في الصياغة الإلهية للإنسان عالم الأشباح، ماء ونار وجسم. عناصر الإنتاج، مشروعها البناء والإعمار، وطريقتها السياسة والاقتصاد، والمجتمع في محسوساته عالمين في واحد، ولكن لكل شرعة ومنهاجا، الخلط بينهما موصل، والجمع بينهما مستحيل، لكل رجالها ودولتها ومواقيتها، والله أعلم).
وقيل عن التصوف بأنه خروج من كل خلق دنيء والدخول في كل خلق سوي. فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف. وأيضاً يقال بأنه أي المتصوف أو الصوفي لا يملك شيئاً ولا يملكه شيء. وقال الحضري.. الصوفي هو من لا تقله الأرض ولا تظله الا السماء. وقالوا علامة الصوفي الصادق هي ان يفتقر بعد الغني، ويذل بعد العز، ويخفى بعد الشهرة. وقال الجنيد.. الصوفي كالأرض يطرح عليها كل قبيح، ولا يخرج منها الا كل مليح. وقيل بأنه وحداني الذات لا يقبل أحداً ولا يقبله أحد، أو كما قالوا، أو هكذا قالوا.
لقد كان المتصوفة أو المتصوفون الأوائل يخيطون انحاء العالم الإسلامي وأرجائه وأجزائه من أجل تنظيم مريديهم وأتباعهم في أنظمة سميت فيما بعد “بالطرق”. ولكن لم يكن هناك هدف ولو رقيق لجعل هذه الطرق كبدائل تحل محل النظم الدينية الرسمية أو التقليدية. ولكن كان النظر اليها من خلال منظار يصورها بأنها مراكز لبث ولنثر أرقى وأصفى درجات التطور والصفاء الروحي تحت رعاية وارشاد أحد ذوي الصلاح والعناية الإلهية.
وتعتبر الطريقة الشاذلية هي أول وأولى الطرق التي طرقت أبواب السودان ودخلته حباً وعشقاً، وكان ذلك في القرن الخامس عشر في 1445م، وتبعتها الطريقة القادرية في القرن السادس عشر الميلادي.
وكان لهاتين الطريقتين مرشدين محليين من الأهالي، وكان يطلق عليهم كنية او كلقب “الخلفاء”، وتمتعت هذه الطرق من خلال أولئك الخلفاء، بتأييد فاق التصور وغلب الخيال في الأيام الباكرة والبكر لنشأة مملكة الفونج أو السلطنة الزرقاء. وكان من بين هذه الطرق المحلية طريقة المجذوبية المنبثقة أو الناشئة من الشاذلية، والتي قام على أمر انشاءها حامد بن المجذوب أو “المجاذيب”، والتي حظيت بنفوذ واسع وأتباع كثيرين في الدامر، والعهدة على راوينا المدعو بركهارت.
وأضحى ليس قليل من اتباعهم المحليين أو السودانيين سدنة، ذوي نفوذ لملوك السلطنة الزرقاء والأمراء التابعين لهم. ولم يقتصر ذلك في المجال الروحي فقط او فحسب، ولكن أيضاً في مضمار السياسة.
وفي ذلك الزمان، وجد العامة حلولاً لمشاكلهم ولقضاياهم ولمسائلهم، ليس في التوسل بالله وحده، بل أيضاً بالتوسل الي حكامهم. لأن هذه الطرق كانت بمثابة الطرق أو الأدوات التي من خلالها يمكن التعبير بها عن أراء وعن هموم الجماهير. وكانت لرواد تلك الطرق في حياتهم التمتع بالحظوة التي لديهم عند الحكام وكل الحب والتبجيل في نفوس الأهالي. وبعد مماتهم صاروا وسائل للتوسل الي الله عز وجل، وأصبحت قبابهم المقبورين فيها ملاذات ومزارات للزيارة وللحج.
وكان القرن الثامن عشر على موعد، وكأنه كان مضروباً منذ الأزل، مع الازدهار الواسع للطرق الصوفية، وعلى وجه الخصوص في الولايات العربية التابعة للإمبراطورية العثمانية، وحققت كل من النقشبندية والطريقة الخليوتية تقدماً ملحوظاً محسوساً ملموساً. مع ظهور طريقة جديدة في نفس ذلك الوقت وهي الطريقة السمانية في الحجاز.
وفي 1800م، استقبل السودان الطريقة السمانية بالترحاب وبالأحضان، وكان راعيها في ذلك الوقت هو أحمد الطيب البشير، والذي استقر به الحال والمقال والمقام بالقرب من مدينة أم درمان. وتمتع بنفوذ شديد الأثر على ملك سنار، وفي حياته تمكن من استقطاب الكثير والكثير من الأتباع ومن المريدين لطريقته الطريقة السمانية، وتمثلت قوة هذه الطريقة مثلها في ذلك مثل الطريقة المجذوبية، صادرة ونابعة، من أنها، بالرغم من أنها صُدرت أو جاءت من الخارج، كان لها الكثير من الرواد المحليين، ممثلين في عائلة أولاد الشيخ أحمد الطيب البشير.
ولكن كان هناك رجل له الفضل وتعاليمه كانت تحمل أعظم النفوذ وأبلغ الأثر خلال تلك الحقبة وهو أحمد بن ادريس الفاسبي، الذي لم يكتفى أن يكون من أهل الصلاح والتقوى وانتهي، ولكنه كان رائداً لا مثيل له من رواد الإصلاح الديني كذلك. وقد تتلمذ على يديه اثنين من الصوفيين السودانيين في مكة المكرمة، وهما محمد المجذوب وإبراهيم الرشيد.
فالأول شمر ساعديه وعمد على نثر بذور طريقته في ارض البجا وبين أهلها. أما الآخر وهو إبراهيم الرشيد فنشرها ونثرها، في تربة الشايقية بالقرب من جبل البركل بالمديرية الشمالية. ولكن كان هناك تلميذ من تلاميذ أحمد بن ادريس، كان أعظم باعاً وأوسع تأثيراً من الرجلين المذكورين آنفاً، وكان هذا التلميذ هو محمد عثمان الميرغني. فعمل هذا الذكي وبدأ بالشروع في صياغة رافده الخاص من الطريقة الادريسية، وهي الميرغنية أو هي الطريقة الختمية، والتي انتشرت كالنار في هشيم شمال وشرق السودان.
وكان انتشار نفوذ الطريقتين، الطريقة الختمية والطريقة السمانية، على حساب الطرق الدينية الأخرى. فالعامل الرئيسي الذي ساهم في وصول واتساع نفوذ الختمية هو ارتباطها بالحكم التركي المصري، وأصبحت صاحبة القدح المعلى على باقي الطرق الدينية. وطبيعياً أن تنشب الصراعات والنزاعات والمنازعات بين أتباع هذه الطرق الدينية، وأيضاً بين القادة ذات أنفسهم. وقد ظهر ذلك جلياً، كالشمس في رابعة النهار، بين الطريقة السمانية والطريقة الختمية منذ دخول الختمية الي السودان.
وكان سلطان الصوفية والطرق الدينية الأخرى على الحياة الثقافية السودانية في عصر سلطنة الفونج واضحاً وكان يُرى بالعين المجردة. وكان للتعليم أو نظام التعليم نصيب كبير من هذه السيطرة ومن ذلك التأثير، فكان مكانه موجوداً في المساجد وفي الخلاوي لدرجة عظيمة. وكان على كل فرد أن يكون تابعاً لشيخ من الشيوخ ليقوده وليهديه وليرشده في شئون حياته الدنيوية وفي أمور حياته الروحية.
ولم تقف سيطرة هؤلاء الشيوخ الروحانيين عند العامة وعند الجمهور، ولكنها سيطرت بنفوذها على الحكام وعلى السلاطين وعلى الملوك. ودونك كتاب الطبقات الغني بالأمثلة الكثيرة المتعددة، التي تسلط الأضواء الساطعة على الدور المهم الذي لعبه المتصوفة وأهل الكشف والعلماء في حياة المجتمع.
وفي خلال ذلك العصر اشرأبت أنظار السودان باتجاه الشرق صوب الحجاز والجزيرة العربية أكثر بمراحل من اتجاهها صوب مصر، وكان ذلك الوضع وضع طبيعي باعتبار أن كل من مكة والمدينة كانتا تمثلان مراكز الوحي الديني والروحي.
ولكن وبالرغم من ذلك، ظل الأزهر الشريف منارة للوعي وللإشعاع لكل من كان شغوفاً وتعلق بدراسة قواعد الدين الحنيف والفقه الإسلامي أكثر من الارتباط بالروحانيات وعلم الباطن وعلم الكشف، وما ذكر يمثل برهاناً قوياً على أن السودان لم يكن معزولاً عن العالم الخارجي، وانما كان في قلب أحداثه، وكان ينبض بأحداثه.
وكانت احدى آيات السلطنة الزرقاء ومظاهرها التي لم يُنتبه لها أو لم يعيروها اهتماماً أو أدني عناية منذ زمان بعيد وبعيد والي اليوم هي التكوين الإداري والتكوين السياسي لدولة الفونج. لقد اتسعت بسيطة الفونج من دنقلا في الشمال الي فازوغلي في الجنوب، من البحر الأحمر في الشرق والي النيل الأبيض في الغرب، وكانت هذه المملكة من أقوى الممالك التي وقعت وجودها في صفحة السودان منذ أيام وليالي نبته ومروي.
وبالرغم من ذلك فهي لم تكن الوحيدة كقوة سياسية في هذا البلد الواسع مساحةً وصدراً، فكان هناك سلطنة دارفور وتقلي في غرب البلاد وامارة كاشف -وهي بمثابة امتداد للحكم التركي في مصر- شمال دنقلا. ولكن السلطنة الزرقاء أو مملكة الفونج التي اختارت سنار عاصمة لها كانت أقواهم وكانت أوسعهم امتداداً، ونالت هذه الأهمية من حقيقة أنها تكونت تآلفاً من اتحاد اختياري من عدد من الممالك الصغيرة المستقلة، ولعله كان من أعظم تلك الممالك من حيث الأهمية هي مملكة العبدلاب وكانت عاصمتها أربجي، ومملكة الجعليين وكانت عاصمتها شندي، ومملكة الميرفاب وكانت عاصمتها بربر. وكانت هناك مملكة الرباطاب وعاصمتها أبو حمد، ومملكة المناصير وعاصمتها سلامات. وأخيراً وليس آخراً نذكر مملكة الشايقية وعاصمتها مروي.
وكانت هناك ممالك تقع شمال مملكة الشايقية، كدارفور ودنقلا وأرقو. وكانت كلها تدين بالولاء لمملكة الفونج. وكان الحافز والدافع وراء اتحادها الاختياري هو حاجتها لحماية طرق القوافل التجارية، وتطوير التجارة الداخلية، والدفاع عن نفسها ضد الغارات الداخلية المحلية والغزوات الخارجية.
ولكن هذا الولاء الاختياري لم يمنع نشؤ حروب فردية متفرقة هنا وهناك من حين الي الحين الآخر بين الممالك المختلفة. ونجد دائماً هناك إشارات واضحة في رحاب أدبنا الشعبي لهذه العداءات ولتلك الحروب وهذه المناوشات.
ولعل من أبرز المعالم التي تفردت بها تلك الممالك هو أن حدودها القائمة والتي سادت كانت تتطابق مع حدود دويلات السودان القديم. فنجد حدود العبدلاب تطابق حدود علوة تقريباً، وحدود الشايقية تطابق حدود نبته. ولكن، أتانا الخبر الحزين في نهايات القرن الثامن عشر، عندما أخذت مملكة الفونج في التضعضع وفي الانهيار، مما جعلها فريسة سهلة لجيوش محمد على، الباشا التركي الذي كان والياً على مصر.
ولكننا إذا ما عدنا الي آراء الدكتور ب. م. هولت فيما يتعلق بهذا الموضوع (غزو الأتراك) فهو ينظر اليه على أنه كان مغامرة شخصية من شخصية مغامرة تدعى محمد على باشا. وذهب بعض الباحثين والدارسين والمؤرخين الي أن هذا الفعل عبارة عن حركة امبريالية، الهدف من وراءها هو الحصول على الرقيق والاستيلاء على الذهب.
وبالرغم من كل ما قيل وما يقال عن البواعث وعن الغايات التي حرضت الباشا على هذا الغزو، فان هذا الغزو التركي-المصري يعتبر من وجهة النظر التاريخية بمثابة الحرف الأول في صياغة السودان الحديث، أو كما يعتقدون.
وليس من الحكمة ولا من العدل في شيء أن نجزم تلخيصاً الي أن نظام الحكم التركي-المصري لم تكن له اسهامات ومساهمات إيجابية في جوانب الحياة في السودان. وبالرغم من الإخفاقات الكثيرة التي لحقت بذلك النظام، ولكنه نجح بقدر كبير في الوحدة وفي التنظيم، فهو عمل على تحسين وعلى تطوير المواصلات ونظام الري، وعمل على ادخال محاصيل جديدة للزراعة، وكان هناك توسع واضح في أعمال التجارة بين السودان والدول المجاورة، وشيد المدارس في المدن الأساسية، وأتاح للوطنيين وسمح لهم، بل قام بإرسال البعض منهم، من حين الى آخر، الي مصر لينهلوا من معين العلم والتدريب هناك، وهو، أي النظام، لم يعطي الحرية لوجود الطرق الصوفية فقط، ولكنه شجعها وعمل على دعمها.
وكانت لغردون محاولات لإصلاح نظام الإدارة والقضاء على تجارة الرقيق واخماد الاضطرابات الداخلية، التي كانت تشتعل بين الفينة والفينة في الشرق وفي الغرب من البلاد. بيد أن الفساد والقهر كانا قد بلغا الثريا مما استحال على فرد واحد السيطرة عليه والقضاء عليه، مهما أوتي من قوة ومن قدرة. وساءت الأحوال وتدهورت بسرعة مخيفة بعد سنة 1860م، وتميزت السنين الخمسة التابعة بسوء الإدارة وبالإسراف في الانفاق الحكومي، وعجزت الحكومة وفشلت في أن تدفع مرتبات الموظفين لفترة ستة أشهر.
وكان أن تراكمت الضرائب على الأفراد وعلى التجار، واتسعت رقعة الاضطرابات وزاد القلق داخل صفوف الجيش في 1864م، عندما طلعت القوات الموجودة في حامية الأبيض من ثكناتها، وتحركت باتجاه مصر، ولكنها حوصرت وتم حجزها في وادي حلفا.
وفي نفس السنة انفجر تمرد بلغ من الخطورة ما بلغ داخل صفوف الجيش بكسلا، نسبةً لفشل الحكومة في القيام بدورها والوفاء بدفع مرتبات الجنود. وشهد عام 1865م، تمرد القوات التي جُهزت وأُعدت لكي تخلف القوات المحاربة في المكسيك، وانضم لها الفيلق الرابع الذي كان قابعاً معسكراً في كسلا. وقد نجح أحد الضباط السودانيين واستغل نفوذه وأقنع القوات بإلقاء السلاح والاستسلام مع وعد العفو عنهم. ولكن، لم تف الحكومة بوعدها الذي قطعته والذي ذهب ادراج الريح، وفوق ذلك، نفذت حكم الإعدام على المتمردين مما أوغر صدور الجنود السودانيين عليها.
واشتعلت نيران العصيان في سواكن وفي سنار. ولكن كان الأشد خطورة وأكثرها خطورة هو تمرد وعصيان كسلا. ومنذ ذلك التاريخ أي سنة 1865م نحت الحكومة منحى آخر في سياستها وكان تقليل عدد القوات المكونة من أصحاب البشرة السوداء، وذلك من خلال نقل هذه القوات الي مصر، وتبديلها بقوات من الفلاحين المصريين. ولم تنجح هذه السياسة ولم تثمر ثماراً يانعة، بل أثارت واستثارت مزيداً ومزيداً من التذمر ومن السخط، لأنها لم تُقابل بالارتياح ولا بالرضا من جانب الطرفين، الطرف السوداني والطرف المصري. وعليه فقدت الحكومة تأييد الجيش لها، بعد فقدانها لتأييد الشعب.
وكانت الأسباب الرئيسية لهذا التذمر هو وجود الطوائف الدينية. فسياسة الانحياز لطريقة دون الأخريات التي اتبعها الحكم التركي، والذي مال منذ البداية للطريقة الختمية دوناً عن بقية الطرق، مما أدى الي نوع من التوتر فيما بينهم، وبوجه خاص وأخص في المديرية الشمالية.
وفي هذا الشأن ذكر هولت، (كان وفود محمد عثمان الميرغني الي السودان مقارباً زمنياً للغزو التركي المصري للسودان. وفي نظر السودانيين أن الحدثين مرتبطان. وبعد أن استقر النظام التركي المصري في السودان ازدهرت طائفة الختمية بشكل ملحوظ ومشهود).
ويحكي نعوم شقير على لسان أحد السودانيين، (ان السودانيين عامة وزعماء الطرق الصوفية خاصة ساءهم تحيز النظام التركي المصري وتقريبه للمراغنة. الأمر الذي أدى الي زيادة أتباعهم وتعاظم نفوذهم. ومع ان ذلك لم يكن بأمر من الحكومة في مصر، فانه وجد قبولاً منها. فالحكام ورؤساء المصالح في الأقاليم بالرغم من كونهم ليسوا سودانيين. الا أنهم تعاملوا مع المراغنة لعدة أسباب مثل، التقارب في أسلوب الحياة والمعيشة بينهم وبين المراغنة، الذين وفدوا أصلاً من مكة. ولهذا السبب فان الشايقية دخلوا الطريقة المرغنية بسبب قربهم من الطبقة الحاكمة. الأمر الذي أدى الي تزايد نفوذ خلفاء الختمية واتجاههم للتعالي على بقية زعماء الطرق الصوفية الأخرى، الأمر الذي أدى الي فقدان الود بين الجانبين).
وعم وذاع السخط حتى انتشر بين طبقة الفقهاء “الفقراء”، الذين كانوا يحتلون مكانة سامية فيها حب وفيها احترام المسلمين السودانيين. والذين اكتشفوا بأنهم يرزحون تحت ظل الحكم التركي المصري في حال غير لائقة بهم. حيث أدى تشكيل هيئة رسمية من العلماء الي التقليل من نفوذهم الروحي والديني ونال من دورهم السياسي.
لقد كانت تلك أحوال السودان وأحوال السودانيين عندما اشتعلت نيران الثورة المهدية في أغسطس 1880م. ويمكننا أن نعزو جذور هذه الثورة، ومحركات عوامل السخط الشديد لجماهير الشعب الي الضرائب الباهظة، والي اضطراد سخط الجند أو الجنود في السنوات الأخيرة، وأيضاً الي عدم ارتياح ورضا بعض زعماء الطرق الدينية، وأيضاً الي عدم ارتياح بعض زعماء الدين التقليديين في السودان وفي مجتمعه.
وأفصح اللورد كرومر في هذا الأمر، قائلاً، (كان على الحكومة المصرية أن تواجه ثورة عاتية استمدت قوتها من عنصرين الأول ديني روحي، والثاني ناجم عن سوء الإدارة الحكومية. مما أدى الي كراهية الموظفين للنظام التركي المصري).
ويذهب واحد من الباحثين السودانيين ليقول بأن المهدية كانت تعتبر من جهة حركة للتحرر الوطني قامت ضد الغزو والاستعمار الأجنبي الغريب، وذلك بالرغم من أن هيكلها وروحها توشحا واتشحا بالطابع التقليدي الإسلامي أكثر بكثير مما اتسما بالسمات الحديثة والعلمانية.
وقد برهن وأثبت نجاح هذه الثورة الي أي مدي كانت قدرة هذه الطرق وهذه الطوائف الدينية ورجالات الصوفية والعلماء والفقراء على اثارة الخواطر، وعلى اعداد الجيوش وتعبئتها، وعلى تكوين وإقامة دولة بالمعني الحقيقي. ولم تكن دولة المهدية نشازاً وانما كانت استمراراً للتقاليد السودانية بخصوص وبشأن انشاء الممالك الوطنية والتي نشأت منذ حقبة مروي وتاريخها ولم يفلح أحد في تقويضها الا خلال الحكم التركي.
… نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …