aminoo.1961@gmail.com
بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
في خضم الحرب التي عصفت بالمدن السودانية ودفعت آلاف الأسر إلى النزوح، تتشكّل يوميًا قصص تضج بالألم والصبر والإرادة. ورغم قسوة الأحداث، تبقى التفاصيل الإنسانية الأكثر رسوخًا في الذاكرة؛ حيث تختلط أصوات الرصاص بدموع الأطفال، ويبرز تضامن السودانيين في أبهى صوره.
تحت وابلٍ من الرصاص، وجدنا أنفسنا أمام قرارٍ مصيري لا مجال للتردد فيه: النجاة. خرجنا من منازلنا بمدينة مدني – نحن وغيرنا – بما علينا من ثياب فقط، مدفوعين بإحساس فطري بحماية النفس وصون أطفالنا وأعراضنا، دون أي تفكير أو تخطيط مسبق.
بدأت رحلة النزوح سيرًا على الأقدام، ثم عبر العربات، واستمرت لأكثر من نصف يوم دون أن نذوق خلالها طعامًا أو ماءً. كان بيننا الطفل الصغير، والشيخ المريض، والنساء اللواتي يحملن أثقال الخوف، وكلّنا نتحرك نحو المجهول بخطى متعبة وأملٍ لا يكاد يلتقط أنفاسه.
وعندما وصلنا إلى منطقة أم بنين بولاية سنار، على مشارف مدينة سنجة، لم نكن نخطط للمكوث. لكن مكالمة هاتفية واحدة غيّرت مسار الرحلة؛ فقد كان على الطرف الآخر العم الأمين مساعد – رحمه الله – يلحّ علينا بأن نأتي إليه. فتح لنا منزله الرحب، واحتضننا هو وإخوانه لأكثر من شهرين كاملين، فكانوا نعم السند في زمن المحنة.
غادروا بعدنا حين احتُلّت سنجة، ثم عادوا إليها بعد تحريرها، ليظل أثر مواقفهم الإنسانية محفورًا في الذاكرة.
اليوم، وبينما نتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، تنهال التهاني على أبنائنا الناجحين في امتحانات الشهادة؛ هؤلاء الطلاب الذين اختاروا – رغم قسوة الظرف – أن يتشبثوا بالحياة ويواصلوا طريق التعلم.
في الماضي القريب، كانت هذه المناسبة احتفالًا اجتماعيًا كبيرًا؛ نذهب إلى بيوت الناجحين محملين بالحلويات والعصائر والهدايا والدعوات المباركة. لكن الحرب سرقت منا تلك الطقوس الجميلة، فصرنا نكتفي بإرسالها إلكترونيًا عبر الرسائل والملصقات و”الإيموجي”، بفرحٍ ناقص وحنينٍ مكتمل.
إنها حكاية واحدة من آلاف الحكايات التي أفرزتها الحرب، لكنها تذكرنا بأن السودانيين – رغم الألم – يحملون في قلوبهم قدرة لا تُهزم على الصمود، وعلى الاحتفال بالحياة ولو من وراء الشاشات. فالحرب تُطفئ الكثير، لكنها لا تستطيع أن تطفئ الأمل كله
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم