الطيار والثوار! .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
4 ديسمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
24 زيارة
غربا باتجاه الشرق
mustafabatal@msn.com
(1)
استناداً الى منظمة مراقبة حقوق الانسان الدولية (هيومان رايتس ووتش) فإن عدد القتلي في مصر نتيجة لعنف الدولة في عهد المشير عبد الفتاح السيسي ناهز الألف واربعمائة، والحبل على الجرار! أما عدد القتلي في احداث يناير 2011 فقد توقف وفق اكثر التقديرات جموحاً عند رقم الثمانمائة.
وبينما لا يتوقع ان يمثل السيسي نفسه او اي مسئول في حكومته امام القضاء لمحاسبته، فإن الصيحات الهيستيرية ما انفكت تعلو مطالبةً باعدام الرئيس السابق حسني مبارك ومعاونيه بتهم تتصل بممارسة الدولة للعنف وقتل المتظاهرين!
ولا عجب ان حالة من الاحباط الشامل اعترت الكثيرين ممن فاجأهم حكم البراءة الذي صدر مؤخراً، بعد ان محصت المحكمة وفحصت فلم يثبت لديها ان الرئيس السابق اصدر أية أوامر بقتل أحد. والمحاكم لا تعرف غير الاعترافات الصريحة أو الادلة القاطعة. ولا تعلق الناس فوق اعواد المشانق وفق أهواء البشر ورغائبهم.
وقد رأيت فوق شاشات التلفاز الحسرة تأكل قلوب البعض، وقد غمرتهم مشاعر الخيبة وأعجزتهم قلة الحيلة. من هؤلاء واحد ممن ركبوا موجة الثورة في يناير 1911 وسمعته وقتها، في احدي القنوات المصرية، يلعلع مؤكدا ان مبارك سيعدم شنقاً في سجن طرة. فلما سأله المذيع كيف تعدمونه، بدون محاكمة ولا قوانين؟ رد الرجل: “سنوفر له محاكمة عادلة ثم نعدمه”! الغريب ان هذا العبقري درس (الحقوق) في جامعة عين شمس، ثم تفرغ لكتابة الروايات. اي انه محسوب في زمرة المثقفين!
(2)
الهجمة الاخيرة في مصر على القضاء والتشكيك فيه، بسبب تبرئة مبارك، تثير السخرية عندي وتبعث على التأمل في ذات الوقت.
قبل فترة اصدرت احدى المحاكم في الاسكندرية حكما بالسجن سبعة عشر عاماً لكل طالبة، من مجموعة طالبات بإحدى الجامعات، بتهم تتعلق بالشغب والتظاهر ضد حكم السيسي، ولم يجد اي من (ثوار يناير) في ذلك ما يدعو للاستغراب، ناهيك عن الاستنكار. وفيم الاستغراب وعلام الاستنكار، والفتيات يشتبه في انتمائهن لجماعة الاخوان المسلمين؟!
ثم اصدرت احدى محاكم القاهرة حكماً بالاعدام شنقاً على 587 (خمسمائة وسبعة وثمانين) رجلاً وامرأة من اعضاء جماعة الاخوان او المتعاطفين معهم، بسبب احداث شغب وعنف في احدى المناطق قتل فيها ثلاثة اشخاص! واتضح لاحقا ان من بين من صدر عليهم حكم الاعدام اشخاص كانوا وقت الاحداث خارج مصر!
واصبحت من السنن الماضية ان يُصدر القضاة احكام الاعدام (عمّال على بطّال)، كما يقول اهل المحروسة، ضد المشتبه في انتمائهم لجماعة الاخوان. المحيّر حقاً ان القضاء المصري اتخذ في هذه القضايا تقليدا جديدا، فكلما صدرت احكام بالاعدام على مجموعة ما بتهمة ما، شملت الاحكام بصورة اوتوماتيكية الدكتور محمد بديع مرشد الجماعة. حتى جاوزت احكام الاعدام الصادرة ضده العشرة، والعدد في الليمون. هذا مع ان الرجل يقيم داخل السجن ولا علاقة له بتلك القضايا لا من قريب ولا من بعيد. ومرة اخرى لم ير هؤلاء المغاوير في ذلك مثاراً للاستغراب او الدهشة!
لا غرو فالاخوان المسلمون – بحسب اعلام عمرو اديب وزوجته لميس الحديدي (ابنة الممثلة السينمائية فاتنة الاغراء ناهد شريف التي زلزلت الشباب في السبعينيات) وغيرهم من اعلاميي النخبة – لا يعدون كونهم مجموعة من الصراصير، يجب سحقها واستئصالها كما السرطان، وتنظيف المجتمع من وبائها، حتي يتم بناء مصر جديدة معافاة.
هذا مع ان هؤلاء (الصراصير) حصلوا في انتخابات ديمقراطية حرة ومباشرة على 74% من اصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية، و82% في انتخابات مجلس الشوري، و64،6% في الاستفتاء على الدستور الذي اعدوه وعرضوه على الشعب. كما ان ممثلهم فاز بالرئاسة بنسبة 52%!
(3)
أما حسني مبارك نفسه فقصته قصة، كأني بها وقد خرجت من كتاب الف ليلة وليلة. اتهموا الرجل بنهب سبعين مليار دولار وتشوينها في بنوك الفرنجة. وخرجت المظاهرات تهتف: “يا مبارك يا طيار جبت منين سبعين مليار”؟ ومعلوم ان مبارك كان في الاصل قائداً لسلاح الطيران.
ثم بدأ العد التنازلي للمال المنهوب من سبعين الى تسعة مليارات، ثم اربعة، ثم مليار واحد. وفجأة ومن غير مقدمات تضاءل المبلغ الى ثلاثمائة مليون، ثم الى ستة مليون دولار. وفي المرحلة الاخيرة تم الاستغناء عن امر الاموال المنهوبة تماما، اذ لم تفلح اية جهة في اثبات ان للرجل مليم أحمر واحد في بنك اجنبي. وهكذ وفي تحول درامي – او لعله كوميدي – تم اتهام الرجل باستلام هدايا من مؤسسة الاهرام عبارة عن ساعة مذهبة وربطات عنق ايطالية. وحتي هذه برأته المحكمة من وزرها!
ألا ما اعجب نزقكم يا ثوار المحروسة. قوموا الى أطباق الفول والكشري وساندوتشات الكبدة، هداكم الله!
نقلاً عن صحيفة (السوداني)