دكتور الوليد آدم مادبو
“الهدف المثالي للحكم الشمولي ليس النازي المقتنع أو الشيوعي المقتنع، بل الإنسان الذي لم يعد يميّز بين الحقيقة والخيال.” — حنة آرنت
في كل عام يتكرر المشهد نفسه تقريباً. تُعقد الندوات، وتُوزع الجوائز، وتُستدعى العبارات المألوفة عن “عبقرية الطيب صالح” و”ضمير الأمة” و”القامة الوطنية”، حتى ليخيّل للمرء أن الأمر لم يعد احتفاءً بكاتب كبير بقدر ما أصبح طقساً من طقوس العبادة المدنية التي درجت عليها النخبة النيلية في السودان. فهذه النخبة لا تكتفي بصناعة الرموز، وإنما تحيطها بسياج من القداسة يجعل الاقتراب منها بالنقد أقرب إلى اقتحام معبد قديم تحرسه جموع من الكهنة والسدنة.
ولذلك فإن الفزع الذي يصيب كثيرين كلما جرى تناول الطيب صالح خارج إطار التبجيل ليس مردّه الدفاع عن الحقيقة، وإنما الخوف من المساس بالبنية التي يمثلها. فالطيب صالح بالنسبة لهؤلاء ليس مجرد روائي موهوب، بل واحد من أهم الأصنام الثقافية التي صنعها المركز النيلي ليعرض من خلالها صورته عن نفسه: مركز متفوق ثقافياً، متسامح أخلاقياً، ومؤهل بطبيعته لقيادة السودان. ومن هنا يصبح نقد الطيب صالح، في نظرهم، نقداً للمركز ذاته، ولهذا يهبّ الحراس دائماً للدفاع عن التمثال قبل أن يسألوا إن كان النقد صحيحاً أم لا.
غير أن أكثر ما يلفت النظر في صناعة الأصنام السودانية ليس إخفاء العيوب، وإنما اختلاق الفضائل. فالسدنة لا يكتفون بحذف ما يربك الرواية الرسمية، بل يضيفون إليها ما ليس فيها أصلاً. ولولا أنني قرأت رثاء حسن عبد الله للطيب صالح تحت عنوان “موسم الهجرة انتهى وعاد الطيّب من الشمال إلى الجنوب”، لما انتبهت إلى المدى الذي يمكن أن تبلغه هذه الصنعة. فقد أورد الكاتب ضمن مناقب الراحل “موقفه الوطني العظيم عندما قرر ترك العمل في إذاعة البي بي سي احتجاجاً على مشاركة بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956”. وهي قصة جميلة بلا شك، وتليق بسيرة بطل قومي، لكنها تعاني من مشكلة بسيطة: أنها لم تحدث قط!
فالذي استقال احتجاجاً على العدوان الثلاثي كان الدكتور حسن عباس صبحي، الذي ترك عمله في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) وعاد إلى السودان تعبيراً عن رفضه للعدوان. أما الطيب صالح فقد بقي في موقعه. بل إن صبحي نفسه روى أنه أخطر الطيب صالح بقراره ودعاه إلى اتخاذ الموقف نفسه، غير أن الأخير لم ير موجباً لذلك. والمغزى هنا ليس إدانة الرجل لأنه لم يستقل، فذلك شأن يخصه، وإنما إدانة العقل الذي لم يكتف بما فعله الرجل فعلاً، فراح ينسج له بطولات وهمية ليكتمل بها بناء الأسطورة.
وحين نغادر الأسطورة إلى الوقائع، نجد صورة أكثر تعقيداً وأقل قداسة. فالطيب صالح الذي يحتفي كثيرون بمقالته الشهيرة “من أين أتى هؤلاء؟” هو نفسه الذي قال عن عمر البشير كلاماً لا يزال قائماً شاهداً عليه. فقد وصفه بأنه “زول طيب” وأنه “رئيس كويس جداً للسودان في هذه الفترة”، وأضاف أن البشير “واضح إنه الآن يحاول أن يجمع الناس ويأسو الجراحات ويخلي الناس يتناسوا الماضي ويتجهوا جميعاً نحو المستقبل” (راجع الرابط أدناه). ولم يكن هذا الحديث عن مدير محلية أو مسؤول معتمدية محدود التأثير، بل عن رأس نظام كان السودان قد بدأ بالفعل يدفع ثمناً باهظاً لسياساته القمعية وتصرفاته الإجرامية وارتكابه للإبادة الجماعية.
وليس من السهل تفسير هذا الموقف بالسذاجة وحدها. فالسذاجة قد تخدع الإنسان مرة، لكنها لا تفسر رؤيته للعالم. والأرجح أن الطيب صالح كان يرى البشير من الموقع ذاته الذي أتاح لكثير من أبناء المركز النيلي أن يروا في النظام وجهاً غير الذي عرفه ضحاياه. فهل كان سيصفه بأنه “زول طيب” لو أن طائراته قصفت كرمكول، ولو أن مدرعاته عبرت حقولها، ولو أن الجنجويد، بتوجيه من الأجهزة الأمنية التي هيمنت عليها عناصر من أفراد قبيلته، عاثوا فيها فساداً؟ الأغلب أن الإجابة لا. فالاستبداد لا يكشف وجهه الحقيقي للجميع بالقدر نفسه؛ إنه يبدو أقل قبحاً كلما ابتعد عنك، ويبدو الطاغية أكثر لطفاً كلما كان الألم من نصيب الآخرين.
ومن هنا يمكن فهم تلك العبارة التي كثيراً ما تُستدعى شاهداً على حسه الوطني، حين تحسر وكاد ينفطر قلبه لأن حرائر سودري وحمرة الوز وحمرة الشيخ انتهى بهن المطاف إلى التسول في شوارع الخرطوم، بعدما أكل الزحف الصحراوي أرض كردفان في ثمانينات القرن الماضي ودفع بأهلها إلى سنوات من الجوع والمسغبة والعوز.
ولا شك أن الصورة موجعة، وأن انحدار نساء كنّ يعشن في ستر وكرامة إلى سؤال الناس أمر يبعث على الأسى. لكن السؤال الذي لم يطرحه أحد من المريدين هو: لماذا استأثرت هذه المأساة تحديداً بكل ذلك الحزن؟ ولماذا بدا هذا المشهد أقدر على استدعاء الشفقة من مآسي لا تقل فداحة عن تلك التي عاشتها نساء الهوسة والبرنو والزغاوة والنوير طيلة سنوات حكم “الراجل الطيب”؟ إن الكلمات، في كثير من الأحيان، تكشف خرائط الانتماء أكثر مما تكشف خرائط الوطن.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة. فالطيب صالح لم يكن استثناءً داخل النخبة النيلية، بل كان أحد تعبيراتها الثقافية الأكثر أناقة وتهذيباً. وهو في ذلك لا يختلف كثيراً عن عبدالله الطيب، الذي ضاق صدره ذات يوم لأن الخرطوم “امتلأت بالأضان الزرقة”، ولا عن عبدالله الطيب نفسه حين كتب في سياق أحداث توريت 1955 بلغة تصف الجنوبيين تلميحاً بالعبيد. فهذه ليست مجرد هفوات لفظية معزولة، وإنما شظايا متناثرة من وعي تاريخي أوسع ظل ينظر إلى السودان من نافذة ضيقة، ويرى نفسه ممثلاً للوطن كله بينما يعجز عن رؤية الوطن خارج حدوده الاجتماعية والثقافية.
ألا هل درى قبرُ الزبيرِ بأننا / نُذبَحُ وسطَ الزنجِ ذبحَ البهائم
ولعل ما يكشف طبيعة هذا الوعي أيضاً أن كثيراً من رموزه ظلوا يتحدثون عن السودان أكثر مما عرفوه. وقد أشار أحمد حسب الله الحاج إلى بعض جوانب هذه المسألة حين تناول مواقف الطيب صالح من شخصيات وأدباء آخرين، كما لفت الانتباه إلى محدودية معرفة الرجل بجغرافيا السودان وتعقيداته الاجتماعية. ويكفي أن يتعامل صاحب “موسم الهجرة إلى الشمال” مع مسار قطار الأبيض بتلك الصورة المرتبكة التي تجعله يمر بخزان سنار في طريقه إلى الخرطوم، لندرك مقدار المسافة بين السودان الحقيقي الممتد على الأرض، والسودان الذي عاش في مخيلة المركز.
لكن العنصرية الثقافية ليست سوى نصف القصة. أما نصفها الآخر فهو الانتهازية التي كثيراً ما يجري إخفاؤها خلف هالة الأدب والبلاغة. فالطيب صالح الذي لم ير موجباً للاستقالة احتجاجاً على العدوان الثلاثي، لم ير غضاضة أيضاً في التعاقد مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية لنشر “موسم الهجرة إلى الشمال” مترجمة إلى العبرية مقابل عائد مالي كبير. وحين أثار الأمر حرجاً أخلاقياً وسياسياً، جرى التذكير بأن جزءاً من المال قد تبرع به للسلطة الفلسطينية، وكأن المشكلة لم تكن في الفعل نفسه بل في كيفية تنظيف آثاره لاحقاً.
ومع ذلك كله، لا يتحدث سدنة المعبد عن هذه الوقائع إلا نادراً. فهم يفضلون الحديث عن الندوات الأدبية والمهرجانات السنوية التي كان يحضرها الطيب صالح لتسلية نخب الخليج وتطريب مثقفي المغرب العربي، وعن المجالس الثقافية التي كان يتردد عليها في لندن والقاهرة وبيروت، وعن علاقاته بالأمراء والوزراء والمثقفين العرب والمريدين الآخرين من خاصة السودانيين. أما المواقف التي لا تنسجم مع صورة القديس، فتُطمر في الهامش أو يُعاد تفسيرها أو يُطلب من الناس تجاهلها باسم العبقرية الأدبية.
والمفارقة أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الطيب صالح وحده. فهي جزء من أزمة أعمق تعاني منها النخبة النيلية منذ الاستقلال. فبدلاً من مواجهة تاريخها السياسي والثقافي مواجهة صريحة، والاعتراف بما ارتكبته من أخطاء جسيمة في حق بقية السودانيين، تفضل الاحتماء بالأصنام. وبدلاً من الاعتذار عن عقود التهميش والاستعلاء والاحتكار، تنشغل بالدفاع عن الرموز التي صنعتها بنفسها. وإذا تجرأ أحد على مساءلة هذه الرموز، سارعت إلى اتهامه بالعنصرية أو الحقد أو الجهل، في واحدة من أكثر صور الإنكار السياسي والأخلاقي ابتذالاً.
ختاماً، إن الأمم الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى أصنام. تحتاج فقط إلى الحقيقة. والحقيقة لا تهين الطيب صالح حين تضعه في حجمه البشري الطبيعي، كما أنها لا تنتقص من موهبته الروائية حين ترفض تحويله إلى قديس. أما الأمم القلقة من تاريخها، فإنها تعوض عجزها عن نقد ذاتها ببناء المعابد حول الأشخاص.
ولهذا فإن القضية ليست الطيب صالح في نهاية المطاف. القضية هي تلك الثقافة التي جعلت من بعض الأفراد أوثاناً، ومن بعض السير أساطير، ومن بعض الأكاذيب حقائق رسمية. والقضية هي ذلك المركز الذي لا يزال، بعد كل ما جرى للسودان، عاجزاً عن النظر إلى المرآة والاعتراف بدوره في صناعة الكارثة والمخازي الفادحة. وما دام الأمر كذلك، فسيظل السودانيون يطوفون سبعاً حول هذه الأصنام، بينما تبقى الحقيقة واقفة خارج المعبد تنتظر من يجرؤ على إفساح المجال كي يتمكن المعتمرين من السعي بين صفا التاريخ ومروة الأسطورة.
https://www.facebook.com/reel/310789334069216/?mibextid=ZZyLBr
auwaab@gmail.com
