د. صلاح احمد الحبو
أذكر أنني جلست أمام الطيب صالح للمرة الأولى في معرض الدوحة الدولي للكتاب، في ديسمبر 2004.، رفقة دهشة صديقي ياسر حسيب ، كان ذلك زمناً لم تكن فيه الشاشات قد احتلت جدران القاعات، وكانت عناوين الندوات تُكتب على لوحات بسيطة، كأن الثقافة يومها كانت لا تزال تحتاج إلى ورقة كي تقول للناس: هنا موعد مع الكلام.
وكان موعدنا مع الطيب صالح: وكانت لوحة عنوان الندوة عن ” الأدب الجاهلي ” نظر اليها الطيب صالح وابتسم ساخرا وطلب متواضعا تغيير عنوان المحاضرة وقال ” أنا زول مسكين… ظننتم بي خيرا” واعتذر عن الحديث حول العنوان واختار أن يكون
عنوان محاضرته: «أبو العلاء شاعراً».
لم يكن الطيب صالح يومها في هيئة المحاضر الذي جاء ليضع الرجل في قفص التعريفات، ولا في هيئة الناقد الذي يريد أن يثبت سبقاً على شاعر مات قبل قرون. كان أقرب إلى قارئ جلس طويلاً مع أبي العلاء، حتى كأن بينهما معرفة لا تحتاج إلى وساطة الكتب.
العنوان في ذاته كان مفتاحاً.
فالطيب صالح كان يريد أن يسترد المعري من الصورة التي علقت به طويلاً: الفيلسوف، الزاهد، المتشائم، صاحب العزلة والجدل. لم يكن ينكر هذه الجوانب، وإنما كان يعيد ترتيبها داخل مركز آخر: الشعر. وفي المحاضرة التي ألقاها في الدوحة، قال بجرأة: «أغامر بالقول إن المعري لم يكن فيلسوفاً بل كان شاعراً أولاً وأخيراً».
كان ذلك، في ظني، أكثر من رأي في أبي العلاء.
كان طريقة في النظر إلى الأدب.
فالطيب صالح لم يكن يفتش عن الشاعر في الهوامش التي كتبها المؤرخون عنه، بل في اللغة التي تركها وراءه. كان يريد أن يسأل: ماذا فعل هذا الرجل بالكلمات؟ كم حمّلها من قلق الإنسان وأسئلته ومصيره؟ وكيف استطاعت قصيدته أن تنجو من صاحبها، ومن عصره، ومن القرون التي مرت فوقها؟
وقد استشهد الطيب صالح في حديثه بأبيات من اللزوميات وسقط الزند، مستخرجاً من الشعر ما يجاوز الصورة التقليدية لأبي العلاء.
ومن اللزوميات، تكفي أبيات قليلة لنرى كيف كان المعري يجعل البيت الشعري أوسع من عبارته:
رَغِبنا في الحياةِ لِفُرطِ جهلٍوفقدُ حياتِنا حظٌّ رَغيبُ
وكأنه لا يقول إن الإنسان يحب الحياة فحسب، بل يضع أمامنا مفارقة الوجود كلها: نتمسك بالحياة لأننا لا نعرف ما وراءها، وربما كان جهلنا بالمصير هو الذي يجعلنا أكثر تشبثاً بالحاضر.
وفي موضع آخر يقول:
ضَحِكنا وكانَ الضحكُ مِنّا سَفاهةًوحُقَّ لِسُكّانِ البسيطةِ أن يَبكوا
ثم يذهب بالمعنى إلى أبعد:
يُحطِّمُنا رَيبُ الزمانِ كأنّنازجاجٌ ولكن لا يُعادُ له سَبكُ
هنا لا يعود الشعر مجرد حكمة؛ يصبح رؤية للإنسان والزمن والهشاشة. بيت واحد يستطيع أن يحمل تجربة فرد، ومصير جيل، وسؤالاً إنسانياً لا ينتهي.
واذكر هنا قبل يومين حثني صديقي مبارك خلف الله على الكتابة في الأدب دون الاقتصاد … ضحكت وقتها وقلت له إنني اكتب مهنتي وما أن عدت مساءً حتى تذكرت تلك الأمسية، و عادت إليّ عبارة الطيب صالح عن المتنبي:
«دفع المعاني إلى أقصى حمولات تحملها.»
عبارة تبدو لأول وهلة مديحاً، لكنها عند التأمل تكاد تكون تعريفاً للشعر العظيم.
فالمعنى العادي يعيش مرة واحدة: يُقال، ويُفهم، ثم ينصرف.
أما المعنى الشعري، إذا بلغ ذروته، فلا ينصرف.
إنه يبقى في الكلام كجمر تحت الرماد.
ولعل المتنبي نفسه ترك مثالاً لا ينفد لهذا النوع من المعنى:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُوتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
ثم يضاعف المعنى فيقول:
وتعظمُ في عينِ الصغيرِ صغارُهاوتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائمُ
فالبيت هنا لا يصف العزم فقط؛ إنه يبني مقياساً كاملاً للعلاقة بين الإنسان والأشياء. الشيء لا يكون عظيماً في ذاته وحدها، وإنما تكشف عظمة الإنسان عن عظمة ما يراه ويفعله. وهذا بعض ما يعنيه أن يُدفع المعنى إلى أقصى طاقته: أن يصبح البيت أكبر من المناسبة التي قيل فيها، وأبقى من اللحظة التي خرج منها.
تقرأ البيت وأنت في العشرين، فيعطيك معنى. ثم تعود إليه بعد ثلاثين عاماً، وقد تبدلت فيك أشياء كثيرة، فإذا بالبيت نفسه يفتح نافذة أخرى. ويقرأه إنسان بعدك بقرن، فيجد فيه شيئاً لم يكن في حسابك ولا في حساب زمنك.
هنا يصبح المعنى أكبر من صاحبه.
وهنا يبلغ أقصى درجات احتماله.
ولذلك فإن عظمة المتنبي ليست في أنه قال كلاماً بليغاً فحسب، وإنما في أنه جعل الكلام قابلاً لأن يعيش بعده. لقد حمل الكلمة إلى حافتها، ودفع المعنى حتى صار أوسع من المناسبة التي قيل فيها، وأبعد من الرجل الذي قيل له، وأبقى من اللحظة التي خرج فيها من فم الشاعر.
منذ أكثر من ألف عام، وما زال المتنبي جديداً.
وهذه ليست مفارقة صغيرة.
إنها واحدة من أسرار الأدب: أن يستطيع نص قديم أن يفاجئ قارئاً حديثاً، وأن يجد الإنسان نفسه في كلام رجل لم يلتقِه، ولم يرَ زمانه، ولم يعرف عالمه.
والأمر نفسه يلمع في شعر أبي العلاء. ففي سقط الزند، حيث شعر الشباب والتجربة الأولى، يقول:
غَيرُ مُجدٍ في مِلّتي واعتقادينوحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شادِ
ثم يهبط بنا فجأة إلى الأرض:
خفِّفِ الوطءَ ما أظنُّ أَديمَ الـأرضِ إلا من هذه الأجسادِ
ليس المهم هنا جمال الصورة وحده، وإنما ذلك الاتساع الذي يجعل الجسد الفردي سؤالاً عن الإنسان، ويجعل الأرض نفسها كتاباً مفتوحاً على الموت والذاكرة.
الشعر العظيم لا يحفظ الماضي فقط.
إنه يستبطن المستقبل.
ولعل الطيب صالح كان يعرف هذه الحقيقة من تجربته هو.
نحن نعرفه روائياً، وهذا حق لا جدال فيه، لكن الرواية لم تستنفد الطيب صالح. كان وراء الروائي قارئٌ شره للشعر، ومصغٍ للتراث، ومثقف يرى اللغة بيتاً واسعاً تسكنه أزمنة متعددة. وكانت قراءاته للشعراء الكبار تكشف أن علاقته بالأدب لم تكن علاقة صناعة، بل علاقة مؤانسة ومعايشة.
لذلك لم يكن غريباً أن يقف في الدوحة ليعيد أبا العلاء إلى الشعر.
ولم يكن غريباً أن يرى في المتنبي شاعراً استطاع أن يدفع المعاني إلى أقصى حمولاتها.
لقد كان الطيب صالح، في العمق، مفتوناً بالسؤال نفسه: كيف تستطيع الكلمة أن تعيش أطول من قائلها؟
وهذا هو السؤال الذي يجعلنا نعيد النظر في الطيب صالح نفسه.
فحين كتب السودان، لم يكتفِ بوصف مكان.
جعل المكان معنى.
وحين كتب القرية، لم يحبسها داخل حدودها؛ جعلها صورة مصغرة للعالم.
وحين كتب النيل، لم يكن يصف ماءً يجري بين ضفتين، وإنما كان يكتب الذاكرة، والرحيل، والعودة، والإنسان الذي يكتشف أن جغرافية القلب أعقد من جغرافية الأرض.
لهذا كانت «موسم الهجرة إلى الشمال» أكبر من حكاية مصطفى سعيد، كما كان شعر المتنبي أكبر من مناسباته، وكما كان شعر أبي العلاء أكبر من عزلته.
ثلاثة أزمنة مختلفة، لكن سؤالاً واحداً يجري بينها: كيف يتحول الخاص إلى إنساني، والمحلي إلى كوني، واللحظة إلى معنى؟
ربما لهذا لا يموت الأدب الكبير.
إنه لا يطلب من الزمن أن يحفظه، بل يضع فيه ما يجعله عاجزاً عن استنفاده.
وأنا أستعيد الطيب صالح في تلك القاعة القديمة بالدوحة، أراه الآن أقل شبهاً بمحاضر يتحدث عن شاعر، وأكثر شبهاً برجل يفتح باباً في جدار الزمن، ثم يدعونا إلى الدخول.
كان أبو العلاء وراء الباب.
وكان المتنبي في جهة أخرى.
وكان الطيب صالح بينهما، قارئاً وشاهداً.
وربما لم يكن أجمل ما تركه لنا أنه كتب روايات عظيمة، وإنما أنه علّمنا كيف نقرأ المعنى حين يكون أكبر من زمنه.
فالمعنى العظيم ليس ما يقوله الشاعر لعصره فقط.
المعنى العظيم هو الذي كلما مضى عصر، وجد عصراً آخر ينتظره.
وهكذا، بعد ألف عام، لا يزال المتنبي يقول.
وبعد قرون، لا يزال أبو العلاء يقول.
وبعد رحيل الطيب صالح، ما زلنا نعود إليه لنسمع صوته.
ذلك هو الأدب حين يبلغ أقصى درجات تحمّل المعنى: أن يموت صاحبه، ولا تموت الكلمة؛ وأن يتغير العالم، ولا تنتهي حاجته إليها
