الوليد محمد الأمين
هذا الحوار هو تفريغ صوتي لحوار إذاعي أجراه الكاتب الكبير الطيب صالح مع الشاعر الكبير هو أيضا، إبراهيم العبادي، قمت بتفريغه صوتيا مع تحرير طفيف. تاريخ اللقاء غير مذكور في الحلقة أو في التعريف بالمادة المبثوثة عبر اليوتيوب، وربما يمكن تخمينه بالعودة إلى الفترة التي عمل فيها الطيب صالح في الإذاعة السودانية.
الحلقة متوفرة على اليوتيوب، تحت عنوان ” الاستاذ الطيب صالح و لقاء مع الشاعر ابراهيم العبادي” في قناة باسم ” Abu Ahmed “، وغيرها.
رابط الحلقة: https://youtu.be/bsY3p7C7P2E?si=wvMYZiVXwhetggJd
• سيداتي وسادتي، (هذا) حديث مع الأستاذ إبراهيم العبادي. أستاذ عبادي، أنت قلت قصيدة في أول مؤتمر للخريجين.
- أتذكر الحكاية هذه (كانت) في يوم التعليم. في يومٍ (كانوا) سيجمعون (فيه) مالا للمؤتمر. فالقصيدة أقول فيها:
يا من بفعل الخير أمرْ
بعنايتك أرعى المؤتمرْ
سهِّل له للتوفيق ممرْ
ما يخلي للسُبّاق نِمَرْ
اتجمعوا فُرادى وزُمر
واصغوا له إن نهى أو أمر
لا يصدكم زيد أو عمر
الأمة روح المؤتمر
العلياء تتطلب مهر
من تضحية ويقظة وسهر
أجرولو من المال نهر
لا ينقطع طول الدهر
على ضوءوا سيروا بلا ذعر
واتناهضوا وشقوا الوعر
الفي المقاصير والشَعَر؛
في بلادنا بالواجب شعر
هيا سيروا سيرا معتبر
ما تاخدوا للآلام خبر
دون العسل طعن الإبر
وما النصر إلا لمن صبر
لا تركنوا لظل الحِجَر
والأرضة جربت الحجر
آمالنا لو فوق المَجَر
روحولا أو جروها جر
عهد التخاذل كله شر
ما فيه اصلاح للبشر
نور العلوم هاهو انتشر
والخز فرزنا(ه) من العُشَر
اتجنبوا الخوف والخطر
في حالة الفوز والبطر
هيا جدوا بتنالوا الوطر
في ايديكم النيل والمطر
أقصد الحضر والبدو.
…………………….
• نعم. والقصيدة (هذه أنت كنت) ألقيتها في احتفال، هل تتذكر من كان حاضرا من الناس الكانوا موجودين (وقتها)؟ - كل الهيئة. (كل) هيئة المؤتمر كانت حاضرة، وكذلك الزوار غيرهم. في اليوم ذاك كانت حصلت اكتتابات كثيرة جدا (لصالح) هذه المناسبة.
…………………
• بالنسبة لك، هل وجود الجمهور يعني يمنحك الحماس في قول الشعر أو القاءه؟
– والله أقولك الحقيقة، لغاية هذا الوقت؛ إذا أنا قلت كلام بيني وبين (شخص) واحد فقط، ربما لا أقوله كما أقوله (لمجموعة كبيرة). فكلما كثر الناس أكثر، أنا تكون لدي الرغبة أكثر. ويكون لدي دافع نفسي، دافع نفسي إلى حد أنني أحيانا أخرج عن قاعدتي نفسها. وفقط لا يصغر الكلام إلا أذا كان العدد قليلاً.

…………………….
• نعم، نعم. لكن (بالمقابل) فأنت قصائدك طويلة، وأنت لا تكتبها، فكيف تحفظها؟
- والله يعني أنا ربنا نقّص لي من نواح كثيرة جدا، لكن هذه ربما ترك لي فيها قليلا. وأنا أتذكر أن ذاكرتي كانت قوية جدا، لدرجة أنه كانت تقال لي القصيدة العربية الفصيحة، ثم أُعطى الورقة، فأرد إليهم الورقة بعدما أكتبها لهم (القصيدة) وألقيها عليهم، لكن بكل أسف أنساها أيضا. لكن الكلام الذي أقوله أنا، ولأن له أثر في نفسي، فأنا لا أنساه. ربما كل كلمة قلتها (أنا لا أنساها). ولو تود (يمكنني أن) أرجع بك إلى سنة 14، أنا قلت (شعرا) في حوادث معلومة وذات تاريخ، وأذكرها حتى الآن.
…………………..
• أنت أظنك (في) سنة 14 يعني بالمناسبة هذه، قلت قصيدة في احتفال بعرس واحد من أصدقائك. هل تتذكرها؟ - لا، ذلك كان في سنة 19. وفي الأصل أننا كان لنا قيمة. (الآن) يقولون لك إن الغناء لم يكن له قيمة كما الآن. لكن الحقيقة (أنه) كان له قيمة أكبر من هذا الوقت. لماذا؟ (لأننا) كنا نحاط بهالة من العظمة والتقدير، (إضافة إلى أنه) كان هناك دافع نفسي كذلك. فالمسألتين هاتين تتزاوجان مع بعضهما لتولدا في الانسان شهية تدفعه أن يقول (الشعر). مثال ذلك أننا نجيء إلى بيت الرقيص، فتُخصص لنا ليلة بعد أن ينتهي الزواج. فنحضر لنشوف فيها، فنجد الاحترام الكامل في مجلسنا وفي معاملاتنا (وفي) تحياتنا وأشياء من مثل ذلك. ثم بعدها نشوف نفس الحفل ونصفه على حسب قاعدته. فالقيمة والإحاطة بهالة العظمة هذه، (تمنحنا الرضا) أكثر من الماديات، فهذه لها مسرى في النفس. وأذكر أنه في حفل ابراهيم صالح جبريل، وهي الأولى، كانت هناك سيرة خارجة من بيت ناس إبراهيم صالح جبريل. وكان فيها صنفين من الخيول؛ خيول عربية- يعني أقصد أن سروجها عربية، وهيئتها عربية، ويركبها عرب. (والصنف الثاني من الخيول عليها) سروج إفرنجية وركابها أفندية. وكانت السيرة تمضي والبنات في الوسط، وصف الخيل من هنا، وصف الخيل (الآخر) من هناك، بينما العريس في الوسط، والموسيقى تعزف. مشينا من بيتهم إلى بيت ناس السيد علي الميرغني- هم طبعا ختمية أو عندهم عقيدة في المراغنة، فذهبوا إلى هناك للزيارة، ثم بعدها عدنا. فلما جئنا راجعين استقبلنا في خشم الباب، أو في خشم الدار، استقبلنا توفيق صالح جبريل، وهو صديق لي أنا، رحمه الله ورحم الله إبراهيم أخيه، توفوا جميعهم. استقبلنا، وأدخلنا في البيت، وجلسنا. وأقيم الحفل في نفس هذا اليوم. فالحفل هذا أنا وصفته، ووصفته من البداية. فالقصيدة تقول:
كانت سيرة في غاية الكمال والصَولة
كرّات العريس طرّتنا سيف الدولة
يبشِّر والحواري يزغردن لاااحولَ
يات من كان فقد لشعورو من باب أولي
صنفين الخيول تسحب كتيبة كتيبة
جبريل قايدا وحافظ كيان ترتيبا
مبسوطة الوجوه زال باتفاق تقطيبا
والموسِيقِي يصدح بالتهاني خطيبا
تختروان مَشِينا مع وقار وسكينة
والأحزان طردناها وبِقت مسكينة
كوننا في جنان الخلد ما شكينا
تلك الساعة ما تلومو إن عليها بكينا
الجو في الطرب شاركنا راق واتجلي
راح من النسيم يرسل مجلة مجلة
لا شك الكريم اليوم علينا اتجلي
يختص من يشاء برضاه عز وجلّ
نور إيه دا السطع جهر العيون بي شعاعو
ونغم إيه دا الرخيم خفض الموسِيقِي اسماعو
طِيب الجنة مين دا الفي الشوارع ضاعو
يبقي حواري من رضوان تسلقو ضاعو
حوش السادة كان يا صاحي قصد الرحلة
نمشي بقينا من فرط السرور في وحلة
مهما العين تشوف تتملى في عين كاحلة
والعجب اللهيج زي السكاكر وأحلي
زرنا المرغني وباعتابه اتبرّكنا
بي روقة وسكون للعودة اتحركنا
شوف حُسن الصدف لا عرقلة ولا لكنة
لما وصلنا في حوش العريس برّكنا
توفيق ربي بي طالع السعود وافانا
من كدر الهموم والموبقات صفانا
في روضةَ نِعم لطفه الكريم حفانا
صحنا من السرور مولاي كفانا كفانا
هاك يا صاحي بعد السيرة وصف الحفلة
أيام فزنا بيها والدهر في غفلة
كم طرفا تمتع في محاسن طفلة
والعجب العجيب يا صاحي يوم القفلة
جن متقصدات كل واحدة حادّة سَنَانا
معلنة حربنا بدواعجا الوسنانة
ترسل للقلوب كشّاف بروق اسنانا
لكن بالضفاير للأسير رسنانا
جلسن وبهرجن صار الجمع في حيرة
والنور انبهر فد كلمة غلبُه يحيرا
ليهن جبرة أشبه بي ملوك الحِيرة
من العين حوى الآمنبو قبله بَحيرة
الجو اجتلى وايضا تجلى النادي
بي نغمات رخيمة لطيفة غنى الشادي
الطنبارة زامو وشال برق عبادي
أمطر دره في قالب غصين النادي
واقف على الحريكة تشوفه لمن مالت
انظر للكتوف في اردافا كيف انهالت
سبايك فضة لي ساق المعاصم سالت
شوف قعدت تحاكينا العقود كيف جالت
رجعت شي في شي يا الله بالضالين
أمّا دا ديس تقول لحظاتا وأما دا لين
ما عارفانا نحن بجمره متقلين وحايرين
في غياهبه المنبرع ضالين
آخ انا من سهام دعجات فواتره طعنت
من صحن الجمال الصافي خاتي القنتة
العارض برز قايد فيالق ستة
كل فيلق يقول للكان قبيل مين انت
اخدَت في التقيل دورين في غاية الخفة
ونوّه بالخفيف الشادي القلب الدفة
بي نغمة سرور راح الحزن واتخفى
خفابنا الطرب والهم تولى وقفى.
هذه هي القصيدة إلى آخرها.
……………………….
• يا سلام. وهذه القصيدة أنت قلتها ارتجالا؟
- لا، ثاني يوم. كان الواحد منا ينظر للوضع، ثم بعدها يتخمر الأمر في رأسه.
………………..
• أنت حفلات الأعراس أوحت لك بشعر كثير قطعا. - كثير للغاية. فكل احتفال أنا حضرته قلت فيه قصيدة. وأقول لك- وليس من باب كوني أنا أفتخر (بذلك)، أقول لك، إن كل واحد يصف الحفل لم يكن يتتبع الحفلات كلها أو المسجلة لديكم هنا والمسجلة خارجا أيضا، كذلك الواحد (منهم) عندما يحضر فهو لا يصف الحفل لذاته، بل يصف واحدة من (حاضرات) الحفل، أو يصف البنات في الإجمال، ثم بعدها يفرد واحدة (منهن) بالوصف. أنا الوحيد الذي يصف الأشاء كما هي وكما كانت موجودة. مثال ذلك شوف في حفل خدر.
• خدر من هو؟
- جارنا هنا كذلك، وكان حفله في نفس تلك السنة. أقول فيها:
جيبولي بس قلبي الودر يا خوانّا من حفلة خدر
أزهار ربيع كان بُسطها والنور يبق من وسطها
أرواحنا نالت قِسطها وبلغت نهاية بَسطها
بي روقة ما متهَبلين وعلي سُرر متقابلين
ألفاظ ضرورية وبلين
حركات أسارى مكبلين
الله رب العالمين هذا السرور أين الأمين / وأذكر أمين برهان!
قال للحزن دور قال أمين
اليقرا لي فرماني مين
جلسن سكينة وبي وقار طفح السرور والهم غار
ما بين كُبارن والصغار ميمون وعارضا ذوالفقار
شالت قُناعا واسبغت بعد النشر اتطبقت
الحافلة طيب اتعبّقت
وأرواحنا في الطقّاق بقت
الحافلة كانت حاجة بون
شيكات ألوفات مش كبون
أشياء عزيزة على الجبون
بي روحك اقرب يا زبون.
……………………..
• وفي سنة 19 كذلك أنت قلت (شعرا) في عرس بشير الشيخ. - أي نعم في عرس بشير الشيخ. والمسألة هذه (كانت) ذات قيمة في عالم الغناء لدينا. فالغناء (في ذلك الوقت) كان يقال بالحنجرة، (ويؤديه) الطنابرة. (وكان أن) حصل اضراب بينهم وبين سرور، لأنه كان يشاركهم في اللحن. فهم كانوا ينفردون عندما يغني الأغنية الثقيلة ويبتدئ في الخفيفة، فكانوا يقومون بتقليد القصائد بحنجرتهم، أي يقولونها بحنجرتهم. فسرور زاحمهم في ذلك، فقاموا بالإضراب. فالقصيدة هذه أتذكر (أنها كانت) في عرس بشير الشيخ، (عندما) حضر سرور وغني (فوجد أن) الطنابرة أضربوا. حتى (أن) هناك في القصيدة بيت أنا قلته بهذه المناسبة، قلت:
جزاهم الله خير كل الحساب حسبولنا
جابولنا الكراسي وفي الوساع نصبولنا
من جيهة التكرم كادوا أن يحبولنا
ما خلولنا شي الا الطنابرة أبولنا
وهذا من الارتجاليات. بعد ذلك القصيدة نفسها، سرور قال خلّوه (أي اتركوني أفعل). وابتدأ يغني الأغنية الثقيلة. فقامت إحدى البنات من وسط (الحضور)، بلا طمبور (يعزف)، قامت ورقصت. وكانت هذه هي العادة التي سرت إلى غاية يومنا هذا. فتُرك الطمبور منذ ذلك اليوم. فأنا أعد ذلك تطويراً للحال عندنا.
• إذن صارت هذه سنة. - أي نعم، الحافلة تقول:
حافلة بشير يا ما أعجبا
بسرورنا أسفر حاجبا
لو نَوْهِب الأرواح جبا
ما أظن نقوم بي واجبا
الساحة أزهار نُوّعت
أغصانا حين تضوع الطيب
والقلوب اتلوعت
مما رأته وما وعت
كم فيها بانت رنعت
عن روح طبع ما اتصنعت
ماذا عسى يحكي النعت
في دي الغصون الأينعت
ليلة قدر يا ما حوت
خيرات وفي سراع انزوت
عاقلنا ما أتمنى اتخوت
وقلوبنا في الروع استوت
سُرّت قلوبنا اذ انبرت
صيدة القرى الما اتغبرت
بلحاظها كم لرقاب برت
من تيها عنية اتجبرت
بدر الكمال كان مطلعا
ما كهربا حسين ولعها/ وحسين هذا كان يضيء كهارب الرتاين ذي.
• أيوة
بدر الكمال كان مطلعا
ما كهربا حسين ولعا
تهبع تجيك متقلعة
وفي التوب كِفيلا يقالعا
ياخي العجب توب الزراق
الكالوضيب في صباغو راق
فوق صيدة لكن بت فراق
حويتا لي سيد البراق
تبرِ البراتي صفاها راق
عالية صدر وضميرا راق
غير حِفله بي توب الزراق
حرقت قلوب الناس حراق
يا صاحي الله ينصرك
بي تايهتن ما أبصرك
عالية صدر زي عنصرك
وضمير أرق من خنصرك.
………………………..
• ما شاء الله. أنت في الحقيقة من الغريب أنه ما كان لديك واحدة مختارة تقول فيها الشعر، فأنت تقوله كذا جملةً. مع أن الشعراء الغزليين كل واحد كان لديه واحدة (هي من) تلهمه الشعر! - ذلك أصله يا مولاي أن هناك شيء في الداخل. وخبيئة النفس طبعا الواحد لا يسعه التصريح بها مرة واحدة. فهذه (الملهمة) التي في ضميرك قد يكون لها حكم الأُمية (يعني محطة الكهرباء)، الأمية التي تخرج منها الخطوط كلها لتضيء. والمناظر هذه كأنما تمنحك التشاكل في الشيء الذي أنت تحبه.
• لكن هناك واحدة حقيقية يعني. - ما من شك أن لكل انسان شيئا كذلك.
• يعني الشعراء مثل عمر بن أبي ربيعة مثلا كانوا يتنقلون (بين الملهمات، فماذا عنك)؟ - هذا (شاعر) متعدد الأهواء.
• وأنت متمسك بهواء واحد. - والله ربما كان ذلك غريبا بعض الشيء.
…………………..
• طيب، ما قصة القفة؟ - لا هذه من ضمن الفكاهات. أتذكر في سنة 25، 26، أنا كنت أعمل في محل بدران في الخرطوم بحري. وكنا نعبر في الساعة ستة بمعدية أب روف، أنا ومعي آخرون. منهم رجال كبار، أعمامنا. فكنا نضحك معهم ونهذر وإياهم. منهم العم عبد المجيد رفعت، وناس السراج هذا، وعمنا حمد عبد النور، ومصطفى علي حسين، وإبراهيم أفندي سليمان نورين. فكنا نعبر كلنا في دور واحد، وذلك في معدية الساعة ستة صباحا. وكل واحد منا بعدها يذهب لمحل عمله. وهم كانوا موظفين في الوابورات، وكانت أشغالهم هناك. وفي ذات يوم نزلنا من المعدية، فإذا امرأة خرجت وهي تجر خلفها حِميلاً صغيرا، وسيدة كبيرة أيضا، وهذه كانت تحمل معها وُليْداً. بعد ذلك كانت هناك بنت، حاجة جبّارة خالص خالص خالص. وكانت تحمل فوق راسها قُفة، ومن فوق القفة كانت هناك بُقجَة. ووقتها كان الوابور والمعدية يتوقفان بعيدا، والطرماي على مسافة منهما، فكنا نمشي مسافة والرمال كثيرة. فالرمال هذه عاثرت للبنت في السير. فكانت كل مرة تتوقف لأن صلبها (يعني ردفها) كان يلتف بالثوب. فتتوقف لتسحبه وتنزله. عند ذلك أنا جئت قربها وأخذت البقجة التي كانت في الأعلى وحملتها عنها، وقلت لها:
الشارع رُمال
ومسافته جبدة ولفّة
والردف الثقيل للتوب يجابد ولفّ
يا شبه الجِدَيّ البالنتايج قفا
أخوك شال الردف
مين اليشيل القفة
وبعد ذلك واحد من هؤلاء الشياب، عم مصطفى، قال: حمد يشيل القفة، وبعده (فلان) يشيل القفة، وأنا ما أشيل القفة، وصارت ضحكة. فهناك الكثير من مثل هذه الأشياء، وهذه مثلا من الأبيات الارتجالية.
…………………
• طيب نرجع لمؤتمر الخريجين، أنت قلت فيه قصيدتك “تحية الشباب”، صحيح؟ - “تحية الشباب” هذه لم تكن مؤتمر الخريجين. “تحية للشباب” أنا قلتها أولا في الحقيقة في مدرسة المؤتمر.
• أها، وليست في مؤتمر الخريجين إذن. - أي نعم. وكان الناظر في هذه المدرسة شخصيه قيّمة جدا؛ وهو الشيخ الطيب شبيكة. دعانا في أحد الأيام لنلتقي بالتلامذة وكذا، فأنا قمت بتحية الشباب في ذلك اليوم. وأول أمس بالمناسبة، كنت مدعوا في الجامعة فاضطررت لقول نفس القصيدة هذه، لأن فيها تحية للشباب. أقول فيها:
هيا يا شباب انهض بنا
وأسس على الشرف البُنا
حكم زوايا(هـ) وصبِّنا
على ضوء تعاليم ربنا
لحيوطه علِّي ومَوِّنا
حكمة ونشاط ومُعاونة
غلطة زميل ما تدونا
والقاسية الله بهونا
الأمة طوفوا مواطنا
وبثوا العلوم في معاطنا
غير شك سعيكم يفطِّنا
ظاهر الأمور وبواطنا
أوعوا النزاع يفشو البنا
ويبذر شكوك في قلبنا
يذهب حماسنا وحبنا
لوطنا ويسيء غِبَّنا
نحنُ الفضايل معدنا
ومرجع أُصولا وديدنا
مين العوالم مدّنا
مين قبلنا ومين بعدنا
نحنُ العرب أكرم بِنا
موضع عناية ربنا
في سلمنا وفي حربنا
نحسن جوارنا وضربنا
فبالمناسبة هي تحية للشباب، وهذا ما أرجوه، أن يكون الشباب كله منصرفا إلى هذه الناحية في خطواته. لئلا يكون هناك نزاع وخلاف وحب ذات وعدم مبدأ. المبدأ هو خير مبدأ؛ وهو ما نحن نعتنقه، أي هو ديننا الذي ترتبت عليه قواعدنا وكل شيء.
……………………………. - أي نعم. ولكنك لم تقل قصائد مؤخرا في مناسبات من هذا النوع، يعني في الفترة السابقة القريبة، صحيح؟
- والله أتذكر مرة (فعلت ذلك). طيب، وأحدثك أيضا عن الشعر الارتجالي. في ذات مرة ذهبت زرت وزيرا في الحكومة السابقة لغرض ما، ودارت بيني وبينه محادثة أقولها لك. بعد التحية (والسلام) والجلوس، قال لي يا عم فلان أنت شيطان الشعر طار من رأسك؟ قلت له والله أنا عمري الطويل هذا كله، لا لاقاني شيطان قال لي أنا شيطان، ولا لاقاني ملكٌ قال لي أنا ملك. ولكن في نظري أن الشاعر يولد شاعراً ويموت شاعراً. فقال لي طيب قل لنا بيتا. قلت له عاد (أقوله لك) في السقف أم في البلاط أم في الفرش أم في الطرابيزة؟ ما هو الدافع أعني؟ في الأثناء هذه جاءت داخلة (علينا) السكرتيرة. والحقيقة (أقول لك) إن السكرتيرة كانت حاجة رايعة لأبعد حد، (حتى أنها) أنستني شيخوختي بالمرة. فأنا انصرفت أعاين لها. جاءت البنت هذه تمشي في ثلاث قطع؛ صدرها يسوي الحي ووب، الوسط (كأنك) تقول (أن به) يايات، ثم رجّة عنيفة في الخلف، ثم أيضا كذلك لديها شعرتان أطلقتهما هكذا على البهل (في المعاجم تعني على السجية أو بلا ضابط أو بإهمال – تحرير). وبينما هي تقف قدامه وهو يقلب الورق وكذا، رفع رأسه وقال لي: طيب قل بيتا في الست فتحية هذه. فإذا بالشعر يأتي وحده، فقلت لها:
شاكر لو تجاملي وتقبليها تحيّة
من شهمٍ يُقدّر للشعور الحيّة
لو كان القلوب عُملت لها فتحيّة
يلقوك جالسة في سُويداها يا فتحيّة
• يا سلام - فالتفتت، وأنا شعرت إني طلعت من محيطي. الله! أين الشيخوخة وأنا (الآن) جد.
• ولكن الشاعر يظل شاباً، أم ماذا؟ - والله هو أصلا هناك طي وفي. يعني لابد من كون (أن يكون) للتقاليد شكلٌ (ومظهر). ولكن النزعة هي النزعة. الضمير لا يشيب أبدا، بل على العكس تتخمر فيه الأشياء، وتُوجِد فيه تفاعيل ربما أكثر مما تُوجده في الشباب، ولكن نتغلب عليها بأن الواحد (منا) ينظر إلى محيطه، و(يتذكر أنه صار) جداً وكذا، وأشياء من مثل ذلك، فينسحب من هذا الميدان، احتراما للمثل القائل: شيئان عجيبان أبرد من أخ؛ شيخٌ يتصابى، وصبي يتمشيخ. (في الأصل يخ، وهو الثلج- المحرر).
…………………
• ولكن أنت تحول ذلك إلى شعر، يعني هذا هو العذر. ثم أنه في هذا الزمن فمظاهر التصابي أكثر، صحيح؟ - أي نعم. لكن هناك مسألة لا تنسى. أنا ذات مرة كان لدي قصيدة كنت قلتها في حفل كان في أيام الصبا. وحدث أنني دعيت لأجتمع بأوانس، فقعدنا وقُدم لنا ليموناتي برتكان محلول، وبرتكان آخر فصوص. والمجموعة كانت ربما نحو عشر بنات، وكنا جالسين حذاء طاولة واحدة كانت وسطنا. فكنت وصفت الحكاية هذه، وتجد فيها جواب لسؤالك هذا، قلت:
أبى من جَلود قط ما بَكِّلْ
وعلى الصبر كُتْ مُتَّكِلْ
عرضن لي من واحد شَكِلْ
النُص شراب والنص أكِلْ
شاهدت في أشرف مَكانْ
حوراً نواعم ما مُكانْ
قلبي الأصَم كالصخرة كانْ
سَوّنُه موية بُرتكانْ
• يا سلام
اتراشا من بعد الكمد
وهبتله أرياح انجمد
صار شي فصوص ماكول عمد
والباقي لي صدورهن عمد
نونينا مقرونات قصاد بعضن
وكل نون تحته صاد
آخ رمشهن لي قلبي صاد
ما بدري كاف هاء يا عين وصاد
• يا سلام
قالن لها أدي الضمان
بسمت برق أو عن جُمان
لو يرضى يديني الأمان
بوريه رمانتين كمان
قلت ليها بس حسبي وكفا
الشُفتُه وصلني الوفا
هذي الثمار فيها الشفا
لو كان يباح لي أقطفا
نظرَت إليهم بي جزل
قالت لهن هو لم يزل؟
الشي العزيز لو يبتذل
يصبح كأبخس شي وأذل
• عظيم
قُتْ ليها هذا قول غَبِيْ
لا عن حكيم لا عن نبيْ
أنا في اعتقادي ومذهبيْ
رطب الثمار ما بنأبي
جلسة أدب كانت خصوص
محروسة خالية من اللصوص
بارد شرابا الما قصوص
منظومة زي عقد الفصوص
حوراً حراير كلهن
ومنزهات لي ضلهن
متمني تاني أطُلَّهِن
ويعظمنِّي وأجلّهن
………………
• يا سلام. طيب نرجع مرة ثانية لشعرك الهزلي. يومها تكلمنا قليلا عن أن لديك مطارحات وأهاجي هزلية، مثل تلك التي مع الصرماتي. - آها، الصرماتي هذا حكايته طريفة. تقدم أني قلت لك أني كنت أعمل في محل بدران في الخرطوم بحري. كنت أعمل عندهم كاتبا. وكنت أنا كاتب دوبيا (وجدتها بمعنى كاتب الدوام، أي المسئول عن تسجيل الحضور والانصراف-تحرير)، بينما كان هناك كاتب آخر يقوم بعمل يومية خرطوش (وجدتها بمعنى دفتر صغير يسجل فيه الحساب اليومي، والخرطوش هنا يقصد به الورق الرخيص أو الدفتر البسيط- تحرير). أنا كنت آخذ هذه اليومية وأصفيها وأجعلها جورنال (وجدتها بمعنى دفتر تسجل فيه العمليات اليومية من المصروفات والديون وحسابات العمال وكذا -تحرير)، وآخذها إلى الدفاتر. فمسألتي معهم أنه كان بيني وبينهم (حاجز من) شيش في الدكان من هذه الجهة. في الجهة الثانية كان هناك صرماتي، واحد اسمه أحمد. وأحمد هذا كان يملك صوتا جميلا. أجمل صوت أنا سمعته إلى غاية هذا الوقت. وما كان هناك شخص يستطيع التحكم في صوته مثله أبدا. فإن أراد أن يسمعك أنت فقط صوته ويطربك فعل ذلك، وحتى إن كان هناك شخص على بعد خمسة أمتار فلن يسمعه. وإن أراد أن يمط صوته له فيسمعه، فعل. يعني أنا ما شفت واحداً يحكم صوته مثل هذا الولد. ولكنه كذوب. فأنا أجيء وأجلس قربه عندما يرتج علي شيء ما، أو عندما لا تنضبط لي الميزانية وكذا، فأجلس للونس معه. وكانت هناك خادم اسمها “قلوبة”، خاصة بناس خدرالنحاس، زوجوا ستها من هنا، ورحلوها مع ستها. الخادم هذه كان شكلها جميييل. ومعروفة هنا في أمدرمان. وكانت قد حضرت للصرماتي هذا لبعض شأنها، ومنحته ثلاثة قروش. فهو زعل جدا، وقال لها: أنا سأسوي لك سيرة (يعني يقول فيها شعرا في الذم ينتشر في المدينة- تحرير). وأنا عندما كنت أحضر هنا كل يوم ويكون هناك حوار بيني وبين جقود، كان (أحمد الصرماتي) يقول لي أنا قلت كذا والعبادي قال كذا، فهو لم يكن يعرفني. وأنا كنت أقول مالي (وله)، أسمع الطرب (منه وكفى). فكانت الحكاية معه تمضي بالطريقة هذه حتى حصل الإشكال بينه وبين الخادم وهددها، وقال لها أنا سأعمل لك سيرة لا تستطيعين بعدها أن تمري في المدينة. فالخادم جاءتني وقالت لي يا سيدي ذلك (الصرماتي) قال لي كذا كذا. قلت لها امشي واتركيه. ذهبت إليه بعدها وقلت له يا أحمد (الخادم) هذه تتبع لنا، وخذ (هذا المبلغ)، ماذا تعني الفلوس؟ خذ الأجر، وإذا كان غير كاف فأنا أزيدك. قال لي لا لا، أنت فقط لا تتدخل في موضوع مثل هذا. وأنا وقع مني حلفٌ لازماً (علي أن) أعمل لها سيرة. بعدها أنا احتددت معه، وقلت له اسمع، والله تعمل لها سيرة أو ما تعمل لها سيرة؛ أنا أعمل لك عديلة، وإذا عملت لها سيرة أنا اشتغل معك (يعني قصادك) بقية السنة هذه كلها. قال هُوهُو، ذا ما هو عارف! قلت له عارف أم ما هو عارف (أنا حذرتك). على كل حال الذي حصل هو أنه ما كان يعرفني في الحقيقة. ووقتها كان سرور هنا في محطة ود أرو عنده دكان مكوة. وعادة في آخر الرقيص كان لدينا هزليات كذا نعطيها إياه يؤديها، كعلامة على ختام الحفل. فأنا نزّلت القصيده هذه كأنما أرسلها له إبليس. أنا نزلت من الخرطوم بحري، ولما وصلت ود أرو كان لدي من هذه القصيدة 20 بيتاً. والله فقط ما بين المعدية والطرماي. جئت بعد ذلك للعديل والزين، فأنا كنت قلت له (سأكتب فيك) عديلة، قلت على لسان أخته:
أحمد يا العيال ولدا نشيط بالحيل
ينبِّت من ضحى ولا من يكابسه الليل
لا بيصرف ولا بودر قروش بالميل
يصُر الخمسة فوق الخمسة في المنديل
غنِّي وشكريه يا أخته كل ليلة
وسيد رسمية أخوي ماليته ما قليلة
إن قلت الغزِل قدامه بالشيلة
وكمان 50 نصُل في الحلة لليله
وإن قلت الإبار عددن كتير بالحيل
وبدل اللشفة خمسة من الحديد وأصيل
وانشق الفريق في القدلة ساري الليل
يبزغن البنات لا دوب عليك لا حليل
طلعتله الشمس ما ودره نهاره
وفوق كرسي النِباتة أخوي لوح كاره
الجود والكرم ما حِرفْتهُ ما كارُه
وفي الإنداية أخوي رفعوله نقارة
شدوله وركب فوق بمبره أب لِبدة
واتحكر جلس خت السفنجة حداه
لولح راسه وناد ود اللِبار جبدة
في أقل من دقيقه ينَبِّت الفردة
وحين جاو الزبون عاد علّى بالعوّة
ودي نْبَاتَةَ شنو الخيط برا خيط جوة
نتعبر جميع من فِعلو هو السوا(هـ)
عمرا يكمله والفايدة في القوة
مما تَبَّ قام معروف أخوي مُعنادي
ونحلاً في الجدود حاشاه ما هو البادي
ما بيمشي الجوامع وما مشى النادي
ومن السوق غشى الإنداية بي غادي
وفي الإنداية رَوّح والخدم ذلو
واتحكر جلس قال يا عيال سِلَْو
وقت الحسبة ترّت والعيال ضلوا
اتنبى وقال عليّ حق الفجل كله
القصيده طويلة. ثم إن النكتة والطريف فيها، انه ثاني يوم عرف بالضبط (ما حصل). فقال لي (أطلب منك أن) تعاهدني على ألا تقول هذه القصيدة. فأنا قلت له ولكن هذا شيء سبق السيف (فيه) العذل. قال لي لا، أنت فقط لا تقل أن أحمد هو أنا، والبقية (من الموضوع) عليّ أنا. قلت له طيب، لن أقول أنك أنت أحمد. فصار أول ما يبدأ سرور بالغناء يجيء إليه: يا سرور يا سرور، بالله قل ود صنعتنا، الله يقطع ذراعه؛ أذانا (أي سبب لنا الأذى)، وهكذا. إلى أن مات رحمه الله ما كان هناك شخص يعرف أن القصيدة فيه. فهو كان شيطانا درأ عن نفسه (القصيدة) بطريقة غريبة.
• طيب، نحن نختتم الحديث هذا المساء، ونواصل الحديث إن شاء الله في الاسبوع القادم. شكرا.
wmelamin@hotmail.com
