العالم كما رآه أينشتاين… والعالم كما نعيشه نحن:

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
العالم كما رآه أينشتاين… والعالم كما نعيشه نحن:
قراءة في فكر العبقرية الإنسانية

منبر بنيان — مقالات من بطون كتب ونبض الميدان

مقدمه
ليس هناك اسمٌ في القرن العشرين لامس الخيال الإنساني كما فعل ألبرت أينشتاين. عبقري الفيزياء الذي حطّم قوانين نيوتن، لم يكن مجرّد عالم في المعمل، بل كان مفكّراً، إنساناً، وعقلاً قلقًا يبحث عن الحقيقة وسط ضجيج السياسة والحرب والأيديولوجيا.

. وفي كتابه «العالم كما أراه» تتجمّع ملاحظاته ومقالاته ورسائله الفكرية لتشكّل صورة نادرة لعقل يرى العالم بعيون العلم… وقلبٍ يمتلئ بعواطف الإنسانية.

هذا الكتاب، رغم أن مقالاته كُتبت قبل قرن من الزمان، يفتح لنا اليوم نافذة واسعة لقراءة واقع السودان والعالم الثالث، خصوصاً في زمن الحروب والانكسارات. لأنه كتاب لا يقدّم العلم كمعادلات، بل كقيمة أخلاقية، وكوسيلة لفهم الإنسان قبل فهم الطبيعة.

من خلال هذه النافذة، نحاول في هذا المقال أن نعيد قراءة كتاب أينشتاين كما لو أنه يكتب اليوم، وسط عالمٍ مضطرب، ووسط شعبٍ يبحث عن الأمل داخل ركام الحرب.

أولاً: من هو أينشتاين؟ ولماذا ما زال صوته مسموعاً؟

ولد أينشتاين عام 1879، عاش متنقّلاً بين ألمانيا وسويسرا وأمريكا. عاش زمن حربين عالميتين،، وانحراف العلم نحو صناعة الأسلحة. كان بإمكانه أن يعيش حياة أكاديمية هادئة، لكنه اختار أن يتكلّم، أن ينتقد، أن يقف مع السلام، وأن يحذّر من خطر القوة العسكرية بلا عقل.
ليست عبقريته في المعادلات فقط؛ عبقريته أنه جعل العلم أخلاقياً، وجعل الفلسفة إنسانية، ورفض أن يكون العالم خادماً لسلطة أو حزب.
هذا ما يجعل قراءة أينشتاين اليوم ليست قراءة في الفيزياء… بل في معنى الإنسان ذاته.

ثانياً: كتاب «العالم كما أراه» — أفكار قصيرة ولكن وزنها ثقيل

الكتاب يتكوّن من مجموعة مقالات وخطب كتبها بين 1922 و1930. لكن ما يجمعها ليس الزمن، بل روح واحدة: إنسان يرى العالم كما لو كان مرآةً لضميره.

  1. العلم مسؤولية وليست سلطة

كان أينشتاين يصرّ أن العالم ليس “ساحراً”، بل موظف لدى الحقيقة. دوره أن يكتشف، لا أن يتكبّر؛ أن يخدم البشرية، لا أن يخدم ذاته.

  1. الإنسان هو المركز، لا الدولة

في كل مقالاته، يرفض التقديس الأعمى للدولة ويرى أن كرامة الفرد أهم من مطامع السلطة.

  1. الأخلاق فوق السياسة

يشير أينشتاين بوضوح إلى أن أخطر ما يصيب المجتمع أن تتقدّم المصالح على المبادئ.

  1. البحث العلمي طريق إلى التحرّر، وليس إلى التفوّق

العلم عنده ليس وسيلة لتفوق دولة على أخرى، بل وسيلة لتحرير العقل من الخرافة والخوف.

هذه الأفكار، رغم بساطتها، تحمل في داخلها “دستوراً أخلاقياً” للعالم الحديث.

ثالثاً: قراءة موضوعيه — لماذا نحتاج هذا الكتاب اليوم؟

حين نقرأ كتاب “العالم كما أراه”،،،، في زمن الحرب السودانية، نجد عجباً:
كأن أينشتاين يكتب للأوطان التي احترق فيها العلم، وضاعت فيها العدالة، وغاب فيها صوت العقل.

  1. العالم بحاجة لفلسفة العلم… لا للعلم وحده

الجامعات ليست قاعات محاضرات فقط، بل مصانع للضمير. لكن في زمن الحرب، هاجر الأساتذة، تشتت الطلاب، وتحوّل العلم إلى رفاهية.
أينشتاين يذكّرنا بأن المجتمع الذي لا يحمي عقله… لا يستطيع أن يحمي جسده.

  1. الأخلاق في زمن الانهيار

الفصل الأشهر في الكتاب هو عن “الإنسان والأخلاق”.
وهنا يصبح السؤال :
كيف نعيد بناء مجتمعٍ مأزوم، إذا فقد حسّه الأخلاقي أثناء الحرب؟

  1. العلم كأمل… وليس كترف أينشتاين ، لم يتخلّ عن العلم، بل جعله قارب النجاة.
    هكذا يمكن أن نري العلم في زمننا
    ليس ترفاً نخبوياً، بل وسيلة للبقاء، للسلام، ولإعادة تشييد الدولة على أسس جديدة.
  2. صوت الفرد في مواجهة الدولة

في بيئة عربية وأفريقية تمجّد الدولة فوق الفرد، يأتي أينشتاين ليذكّر بأن الفرد هو الأصل.
وأن الدولة القوية هي التي تصون حقوق الأفراد…

رابعاً: نقد استشاري — قوة الكتاب ومحدوديّته

أولاً: قوته

الكتاب بسيط، لكنه عميق.

يصلح لكل الأعمار الفكرية.

يعرض العلم كقيمة إنسانية وليس كأرقام ومعادلات.

يقدم فلسفة سياسية وإنسانية واسعة.

ثانياً: محدوديّاته

بعض أفكاره مثالية أكثر من اللازم.

يبالغ في التفاؤل بدور العلم.

يرفض العنف بالمطلق، وهذا غير واقعي في عالم تحكمه القوى المسلحة.

يتحدّث من موقع الغرب، ولا يرى معاناة المستعمرات إلا من بعيد.

ومع ذلك… يبقى الكتاب من أصدق ما كُتب عن العلاقة بين العلم والإنسان.

خامساً: مقارنة تدعم — أينشتاين وزويل وهوكينغ وزكي نجيب محمود

لإعطاء المقال ثقله الأكاديمي، نشير إلى تقاطعات مع كتّاب آخرين:

  1. أحمد زويل — بالعلم نصنع المستقبل

يقدّم زويل رؤية عملية، بعكس رؤية أينشتاين الفلسفية.
كلاهما يؤمن أن العلم أمل الشعوب، خاصة الشعوب الممزقة.

  1. ستيفن هوكينغ — العلم من أجل البقاء

هوكينغ يرى العلم كضرورة حضارية لإنقاذ البشرية من الفناء.
هذا يتقاطع مع رؤية أينشتاين للعلم كقيمة أخلاقية.

  1. زكي نجيب محمود — العقل هو المعيار

الفيلسوف العربي الذي حاول أن يجعل العلم لغة الثقافة العربية، يلتقي مع أينشتاين في مركزية العقل.

هذه المقارنات تجعل الموضوع أكثر عمقاً وتمنحه بعداً بحثياً.

سادساً: العالم كما يراه أينشتاين… والعالم كما نراه نحن اليوم

إذا كان أينشتاين يرى العالم كرقصة بين العقل والضمير، فنحن نرى العالم اليوم كصراع بين القوة والنجاة.
لكن رسالة الكتاب تبقى صالحة:
أن الإنسان يمكن أن ينهض مهما كان الدمار، إذا حافظ على عقله وأخلاقه.

في السودان، بعد هذه الحرب القاسية، سيكون إعادة بناء الإنسان أصعب من إعادة بناء الحجر.
ولذلك فإن قراءة كتاب مثل «العالم كما أراه» ليست ترفاً فكرياً… بل ضرورة لإعادة تركيب الوعي الجمعي.

خاتمة: لماذا نكتب عن هذا الكتاب اليوم؟

لأننا نؤمن أن الأدب والفكر ليسا هروباً من الواقع، بل طريقة لفهمه.
ولأن منبر “بنيان” لا يكتب من أجل الإخبار، بل من أجل الإضاءة.
وكتاب أينشتاين يضيء شيئاً مهماً:
أن العلم بلا أخلاق كارثة،
وأن الأخلاق بلا عقل ضعف،
وأن الأمة التي تريد أن تعيش بعد الحرب يجب أن تبني عقلها قبل عمرانها.

هكذا نبدأ سلسلة جديدة من “بطون الأدب الخالد”…
نبحث فيها عن الحكمة وسط الركام،
وعن الأمل وسط الألم.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …