lualdengchol72@gmail.com
العام الدراسي في جنوب السودان: خطأ تقويمي أم محاكاة غير واعية؟ بقلم: لوال كوال لوال لا يمكن النظر إلى التعليم بوصفه عملية تقنية محايدة تُدار بالجداول والتقويمات فقط، بل هو مشروع وطني شامل تتقاطع فيه السياسة مع الصحة والبيئة والاقتصاد والثقافة. ومن هذا المنطلق، فإن تحديد موعد بداية العام الدراسي ليس إجراءً إداريًا عابرًا، وإنما قرار استراتيجي تتحدد على أساسه فرص التعلم، واستمرارية الدراسة، وعدالة الوصول إلى التعليم. في جنوب السودان، يظل اعتماد بداية العام الدراسي في شهر فبراير من كل عام موضع تساؤل عميق، ليس من باب الجدل الزمني، وإنما من باب مدى انسجام هذا القرار مع واقع البلاد الصحي والبيئي والاجتماعي. بعد الاستقلال، وجد جنوب السودان نفسه أمام تحدي بناء مؤسساته من الصفر تقريبًا، وكان قطاع التعليم من أكثر القطاعات استعجالًا في استيراد النماذج الجاهزة. في هذا السياق، تم تبني تقويم دراسي يتشابه مع ما هو معمول به في بعض دول شرق أفريقيا، في محاولة لإثبات الانتماء الإقليمي وتحقيق نوع من المواءمة الشكلية مع المحيط. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها الرمزية، أغفلت حقيقة جوهرية مفادها أن تشابه التوقيت لا يعني تشابه الظروف، وأن استنساخ النماذج دون استنساخ مقومات نجاحها يؤدي غالبًا إلى نتائج عكسية. يتزامن شهر فبراير في أجزاء واسعة من جنوب السودان مع فترات حرجة صحيًا، حيث تبدأ أو تتصاعد معدلات الإصابة بالأمراض الموسمية، وعلى رأسها الملاريا، في ظل نظام صحي هش وخدمات وقائية محدودة. وفي الوقت الذي تعتمد فيه دول أخرى على برامج صحة مدرسية، وتغذية منتظمة، وحملات وقائية مرافقة لبداية العام الدراسي، يذهب الطفل في جنوب السودان إلى المدرسة محملًا بالمخاطر الصحية أكثر من كونه محاطًا بالحماية. وبدل أن تكون المدرسة فضاءً آمنًا للتعلم، تتحول في كثير من الأحيان إلى عبء إضافي على صحة الطفل والأسرة معًا. ولا يقف الأمر عند الجانب الصحي، بل يتجاوز ذلك إلى العامل البيئي الذي لا يمكن تجاهله أو القفز عليه. فالعام الدراسي الذي يبدأ في فبراير يمتد سريعًا إلى موسم الأمطار والفيضانات، وهي ظواهر طبيعية متكررة ومعروفة مسبقًا. ومع ضعف البنية التحتية، وتهالك الطرق، واعتماد عدد كبير من المدارس على فصول مؤقتة مبنية من مواد هشة، تصبح استمرارية التعليم شبه مستحيلة في كثير من المناطق. ومع كل موسم أمطار، تتكرر القصة ذاتها: انقطاع عن الدراسة، توقف للمعلمين، وفقدان تدريجي لقيمة الزمن المدرسي. هذا الواقع البيئي والصحي ينعكس مباشرة على المجتمع والأسرة. ففي بلد يعتمد فيه قطاع واسع من السكان على الزراعة والرعي والاقتصاد الموسمي، يصبح توقيت الدراسة عاملًا حاسمًا في قرار إرسال الأطفال إلى المدرسة أو إبقائهم ضمن دورة العمل الأسري. وعندما تفشل المدرسة في تقديم تعليم منتظم ومستقر، تفقد الأسرة الدافع للتضحية بجهد الطفل ووقته، فتزداد معدلات التسرب، وتتوسع ظاهرة عمالة الأطفال، ويترسخ الشعور بأن التعليم الرسمي غير قادر على تغيير الواقع المعيشي. أما من الناحية التربوية، فإن تكرار الانقطاعات وضغط المناهج في فترات زمنية قصيرة يؤديان إلى ضعف التحصيل الأكاديمي، وإنهاك المعلمين، وتحويل العملية التعليمية إلى سباق لإنهاء المقرر بدلًا من بناء الفهم والمهارات. في ظل هذه الظروف، يصبح الحديث عن جودة التعليم أو مخرجاته حديثًا نظريًا لا يستند إلى واقع مستقر أو بيئة تعليمية سليمة. من المهم هنا التأكيد على أن الإشكال لا يكمن في شهر فبراير بوصفه تاريخًا زمنيًا، بل في غياب الرؤية الشاملة التي تراعي خصوصية جنوب السودان. فالتقويم الدراسي الحالي لم يُبنَ على دراسات بيئية أو صحية معمقة، ولم يُصمم بمرونة تسمح باختلاف الأقاليم، كما لم تُشرك المجتمعات المحلية والخبراء الوطنيين في صياغته. وبهذا المعنى، فإن المشكلة هي مشكلة منهج في اتخاذ القرار، لا مجرد اختيار تاريخ خاطئ. إن الإصلاح الحقيقي للتعليم في جنوب السودان يبدأ بالاعتراف بأن البلاد لا تحتاج إلى تقليد التوقيت، بل إلى فهم السياق. تحتاج إلى تقويم دراسي مرن، منسجم مع الدورة المناخية، ومتكامل مع برامج الصحة والتغذية المدرسية، وقابل للتكيف مع خصوصيات الأقاليم المختلفة. فالتعليم لا يمكن أن ينجح في بيئة تتجاهل صحة الطفل، ولا يمكن أن يستمر في ظل جداول زمنية تصطدم كل عام بالطبيعة نفسها. في المحصلة، يمكن القول إن اعتماد بداية العام الدراسي في فبراير، بصيغته الحالية، يمثل محاكاة زمنية معزولة عن الواقع، أقرب إلى الخطأ التقويمي منه إلى الإصلاح التعليمي. وإذا كان الهدف هو بناء إنسان قادر على المشاركة في مستقبل بلاده، فإن أول خطوة في هذا الطريق هي احترام الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسان، لا فرض جداول لا تعترف به. فالتعليم لا يُبنى بالنسخ، بل بالفهم، ولا ينجح بالتقليد، بل بالانسجام مع الأرض والإنسان معًا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم