بقلم: أمين الجاك عامر المحامي
أتابع باهتمام المقالات الراتبة التي يكتبها الخبير الاقتصادي السوداني عبدالعظيم الريح السنهوري بصحيفة سودانايل، وقد لفت انتباهي مقاله الأخير الذي حمل عنوان: العدالة الاقتصادية: هل تعني المساواة أم تكافؤ الفرص؟واستهلّه بسؤال عميق: إذا كان الفقر في كثير من حالاته نتيجة خلل هيكلي لا مجرد تقصير فردي، فما الصورة العادلة لتوزيع الثروة والفرص في المجتمع؟ هل العدالة تعني أن يتساوى الناس في النتائج؟ أم يكفي أن تتساوى نقطة الانطلاق وتُترك المسارات بعد ذلك للجهد والاختيار؟
أعتقد بأن مثل هذا السؤال، في الحالة السودانية بعد الحرب، لا يُطرح في سياق فلسفي مجرد، بل في واقع مثقل بالخسارات والانقسامات والاختلالات البنيوية. نحن أمام دولة خرجت من حرب أنهكت بنيتها التحتية، وأضعفت مؤسساتها، ومزّقت نسيجها الاجتماعي، وعمّقت فجواتها الاقتصادية. لذلك فإن الإجابة النموذجية عن هذا السؤال يجب أن تنطلق من طبيعة هذه المرحلة، لا من تصورات نظرية معزولة.
أولاً، لا يمكن للعدالة الاقتصادية في السودان اليوم أن تعني المساواة في النتائج. فالمساواة الكاملة في المخرجات، في اقتصاد يعاني من شح الموارد وضعف الإنتاج، قد تتحول إلى توزيع منظم للفقر بدلًا من أن تكون مدخلًا لصناعة الثروة. كما أن محاسبة الناس على نتائج متساوية في بيئة غير متساوية في الأمان والتعليم ورأس المال الاجتماعي تفضي إلى ظلم مضاعف.
وفي المقابل، فإن الاكتفاء بشعار “تكافؤ الفرص” في صورته المجردة سيكون ضربًا من التجريد غير الواقعي. فكيف نتحدث عن نقطة انطلاق متساوية وهناك من فقد منزله ومصدر رزقه، ومن نزح من أرضه، ومن تعطلت دراسته، بينما لم تمس الحرب غيره بالقدر نفسه؟ إن تجاهل هذا التفاوت الفعلي يعيد إنتاج الظلم تحت لافتة الحياد.
من هنا، فإن السودان في مرحلته الانتقالية يحتاج إلى ما يمكن تسميته بـ“تكافؤ الفرص المُصحَّح”. وهو نموذج يقوم على مرحلتين مترابطتين: أولاهما عدالة إصلاحية تعيد ضبط نقطة البداية، وثانيتهما بناء نظام يضمن تكافؤًا حقيقيًا للفرص في المستقبل.
العدالة الإصلاحية تعني أن تُوجَّه جهود إعادة الإعمار والدعم نحو الفئات والمناطق الأكثر تضررًا، وأن تُصمَّم برامج تعويض وإعادة إدماج واقعية للأسر النازحة وصغار المزارعين والحرفيين والتجار الذين فقدوا أدوات إنتاجهم. هذا ليس تمييزًا سلبيًا، بل تصحيح لاختلال فرضته الحرب.
أما تكافؤ الفرص الحقيقي فيتطلب إصلاحًا مؤسسيًا عميقًا: تعليمًا عامًا نوعيًا ومتاحًا للجميع، نظام تمويل عادلًا يفتح المجال لصغار المنتجين، نظامًا اقتصاديًا يحمي العقود، وسياسات تكسر الاحتكار والاقتصاد الريعي. لقد عانى السودان طويلًا من اقتصاد يقوم على الامتيازات والوساطة والريع، وإذا لم يُفكك هذا النمط فلن يكون الحديث عن العدالة إلا ترديدًا لشعارات.
كذلك، فإن العدالة الاقتصادية لا تنفصل عن طبيعة الاقتصاد نفسه. فلا يمكن تحقيقها في اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الخام والأنشطة غير المنظمة والتهريب، بل في اقتصاد إنتاجي حديث يضيف قيمة إلى موارده الزراعية والمعدنية، ويفتح المجال للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ويعتمد على الشفافية والانضباط المالي.
ولا بد من شبكة حماية اجتماعية ذكية خلال المرحلة الانتقالية، تحمي الأضعف دون أن تخلق اعتمادًا دائمًا على الدعم. فالدعم ينبغي أن يكون مرحليًا ومشروطًا بالتدريب أو الاندماج في سوق العمل، حتى يتحول من إعانة استهلاكية إلى أداة تمكين.
يبقى شرط لا يقل أهمية عن كل ما سبق: استعادة الثقة. فبدون ثقة بين المواطن والدولة، وبين المستثمر المحلي والمؤسسات، وبين المغترب والنظام المصرفي، لن تنجح أي صيغة للعدالة الاقتصادية. العدالة ليست مجرد أرقام في الموازنة، بل إحساس عام بأن القواعد واضحة، وأن الفرص لا تُمنح بالولاء بل بالكفاءة.
خلاصة القول إن السودان لا يحتاج إلى مساواة قسرية في النتائج، ولا إلى خطاب سوق منفلت يتجاهل آثار الحرب، بل إلى عدالة انتقالية اقتصادية تعيد ضبط نقطة البداية، ثم تفتح المسارات أمام الجهد والإبداع في إطار قانون عادل ومؤسسات قوية. السؤال الذي يواجهنا ليس نظريًا فحسب: هل نريد دولة توزع الفقر بعدل، أم دولة تصنع الثروة بعدل؟
الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم طريق العبور من الهشاشة إلى الاستقرار، ومن اقتصاد الصدمة إلى اقتصاد الفرصة.
aminoo.1961@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم