العدالة الدولية بين العقاب وجبر الضرر: قراءة في قضية علي كوشيب وتعويضات ضحايا دارفور

تُعدّ العدالة الجنائية الدولية إحدى الركائز الأساسية لضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الجسيمة من العقاب، خصوصاً تلك التي تمس جوهر الكرامة الإنسانية وتخلّف آثارًا عميقة على الأفراد والمجتمعات. ومن بين المبادئ التي أرستها المحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها، أن العدالة لا تُختزل في معاقبة الجناة فحسب، بل تشمل أيضًا تعويض الضحايا ورد الاعتبار لهم. فالعقوبة وجبر الضرر عنصران متكاملان في تحقيق عدالة شاملة ومستدامة، خاصة في النزاعات التي تتداخل فيها الأبعاد السياسية والعرقية والاجتماعية كما هو الحال في إقليم دارفور.

التعويض كأحد أعمدة العدالة الجنائية الدولية:
يكرّس نظام روما الأساسي، المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، حق الضحايا في التعويض وإعادة التأهيل ورد الاعتبار. ويتيح للمحكمة إصدار أوامر بالتعويض إما مباشرة ضد المدانين إذا كانت لهم القدرة المالية، أو عبر صندوق الضحايا التابع للمحكمة الذي يمكّن من تنفيذ مشاريع جماعية لتنمية المجتمعات المتضررة، خصوصاً عندما يكون المدانون غير قادرين على دفع تعويضات فردية.
وقد رسخت المحكمة هذا المبدأ عمليًا في عدد من القضايا، أبرزها قضية توماس لوبانغا في الكونغو الديمقراطية، حيث أمرت المحكمة بتعويضات فردية وجماعية شملت إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للضحايا وتنفيذ برامج مجتمعية لصالح أسر الأطفال المجندين. وقد أثبتت تلك السابقة أنّ التعويض ليس مجرد إجراء تابع للحكم، بل عنصر جوهري يضفي على العدالة معناها الإنساني والاجتماعي.

قضية علي كوشيب: بين الإدانة ومسؤولية جبر الضرر:
في السياق السوداني، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في العام 2025 حكمًا بإدانة علي كوشيب في 27 تهمة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية على خلفية الأحداث التي شهدها إقليم دارفور في الفترة ما بين 2003 و2004. ورغم خطورة التهم والفظاعات التي ارتُكبت بحق المدنيين، فإن مرحلة التعويضات تظل جزءًا أصيلاً من مسار العدالة في هذه القضية.
وقد لفتت هيئة الدفاع عن كوشيب الأنظار بإعلانها بدء حملة دولية لجمع تبرعات موجّهة لصندوق التعويضات الخاص بضحايا دارفور. وبحسب ما ذكرته هيئة الدفاع، فإن المتهم لا يملك موارد مالية، إلا أن المبادرة تهدف إلى تمويل مشروعات مجتمعية وتنموية يستفيد منها الضحايا وذووهم ومجتمعاتهم المحلية. ورغم أن هذه المبادرة لا تعني بالضرورة تخفيف العقوبة أو التأثير على قرار المحكمة، إلا أنها تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية جبر الضرر في مسار العدالة الانتقالية، وتسلّط الضوء على الحاجة إلى دعم دولي أكبر لمشروعات التعويض التي تُعدّ الأكثر قدرة على إعادة بناء الثقة وإحياء حياة المجتمعات التي طالها الدمار.

العدالة الناقصة: المطلوبون الآخرون الذين لم يُسلَّموا بعد:
ورغم التقدم الذي مثّله تسليم ومحاكمة كوشيب، يبقى ملف العدالة في دارفور غير مكتمل. فلا يزال ثلاثة من أبرز المطلوبين لدى المحكمة في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية طُلقاء حتى اليوم، وهم:

  1. عمر حسن أحمد البشير – الرئيس السوداني السابق، والمتهم بارتكاب إبادة جماعية وجرائم واسعة بحق مجموعات الفور والمساليت والزغاوة.
  2. عبد الرحيم محمد حسين – وزير الدفاع ووزير الداخلية الأسبق، المتهم بالإسهام في التخطيط للهجمات وعمليات القمع الواسع.
  3. أحمد محمد هارون – الوالي السابق ووزير الدولة للداخلية سابقًا، وأحد أبرز المتهمين بتنسيق الهجمات على القرى وعمليات التهجير والقصف.
    إن استمرار الإفلات من العقاب لهذه الشخصيات، رغم صدور أوامر قبض دولية بحقهم منذ سنوات، يشكل ثغرة كبيرة في مسار العدالة، ويقوّض ثقة الضحايا في إمكانية تحقيق إنصاف كامل وشامل. كما يعيق جهود المصالحة الوطنية واستعادة دولة القانون، ويترك جراح دارفور مفتوحة دون معالجة حقيقية.

الحاجة إلى فتح تحقيقات شاملة في الجرائم اللاحقة:
وإلى جانب ملفات دارفور خلال الفترة 2003–2004، تبرز اليوم حاجة ملحّة إلى أن تباشر المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاتها في الجرائم اللاحقة التي ارتُكبت في دارفور وفي مختلف أنحاء السودان، ولا سيما تلك المرتكبة خلال الحرب الأهلية المستمرة منذ 15 أبريل 2023. فقد شهدت البلاد منذ اندلاع النزاع الأخير انتهاكات واسعة النطاق، شملت القتل خارج القانون، والعنف الجنسي، والتهجير القسري، وجرائم ضد المدنيين في ولايات دارفور والخرطوم والجزيرة وكردفان وغيرها. إن خطورة هذه الجرائم واتساع نطاقها يفرضان ضرورة أن تتعامل معها المحكمة بوصفها امتدادًا للملف الذي بدأته قبل سنوات، وأن تُفعِّل ولايتها بما يضمن عدم إفلات مرتكبي هذه الفظائع من المساءلة، وبما يُعيد الثقة في إمكانية تحقيق عدالة حقيقية ومستدامة للسودانيين كافة.
بين العقوبة والتعويض: الطريق نحو عدالة مكتملة
تكشف تطورات قضية كوشيب، وخاصة ما يتعلق بالتعويضات وجبر الضرر، عن حقيقة مفادها أن العدالة الناجزة لا تتحقق إلا من خلال مقاربة مزدوجة تجمع بين:
• المساءلة الجنائية الصارمة عن الجرائم الجسيمة،
• و تعويض الضحايا وإعادة بناء مجتمعاتهم عبر مشاريع تنموية وإنسانية طويلة الأمد.
ومع أن محاكمة كوشيب خطوة مهمة، إلا أن تحقيق العدالة الكاملة لدارفور لن يكتمل ما لم يتم تسليم جميع المطلوبين للمحكمة، وما لم تُنفّذ برامج جادة وواسعة لجبر الضرر، تعترف بإنسانية الضحايا وحقهم في حياة كريمة بعد عقود من العنف.

salahabusarah@gmail.com

صلاح الدين أحمد عيسى أبوسارة

عن صلاح الدين أبوسارة

صلاح الدين أبوسارة

شاهد أيضاً

من السويدي إلى العالم: ملاحظات على موسيقى العولمة

كنتُ هناك، جوار حديقة السويدي العامة في الرياض السعودية، ليلة السبت الماضي. لم يكن الأمر …