بقلم: إدوارد كورنيليو
في السادس من أكتوبر 2025، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حكمًا تاريخيًا بإدانة علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف بعلي كوشيب، أحد أبرز قادة ميليشيا الجنجويد، في 27 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في دارفور بين عامي 2003 و2004. هذه الإدانة، الأولى من نوعها في ملف دارفور، جاءت بعد محاكمة امتدت لسنوات،واستندت إلى شهادات 74 شاهدًا، ومشاركة قانونية من أكثر من 1500 ضحية.
لكن هذه اللحظة القانونية، رغم رمزيتها، لا يمكن قراءتها بوصفها انتصارًا خالصًا للعدالة. بل هي لحظة مشحونة بالتناقضات البنيوية، تكشف كيف تُدار الجرائم الكبرى ضمن منظومة قانونية دولية تُدين الأفراد وتُحصّن البنى. فميليشيا الجنجويد لم تكن مجرد جماعة مسلحة، بل تجسيدًا لعنف الدولة في شكله النيوليبرالي: خصخصة القتل، وتفويض الإبادة. ظهرت هذه الميليشيا في سياق الحرب الأهلية في دارفور، بوصفها ذراعًا غير رسمية للنظام السوداني في قمع التمردات المسلحة التي طالبت بإعادة توزيع السلطة والثروة. هذه التمردات، رغم تنوعها الإثني والسياسي، كانت في جوهرها تعبيرًا عن صراع بين المركز العربي الإسلامي في الخرطوم والهامش الإفريقي غير العربي في غرب السودان.
النظام، الذي يمثل مصالح الطبقة الحاكمة في المركز، استخدم الجنجويد كأداة لتأديب الهامش، عبر سياسات الأرض المحروقة، الاغتصاب الجماعي، والتهجير القسري. كوشيب، رغم انتمائه الإثني للهامش، تم استقطابه ضمن جهاز القمع، مما يعكس كيف تُستخدم أدوات التهميش لإعادة إنتاج السيطرة. لم يكن مجرد قائد ميداني، بل ترسًا في آلة أكبر، آلة لا تزال تعمل حتى بعد إدانته.
منذ تأسيسها، لم تكن المحكمة الجنائية الدولية كيانًا محايدًا، بل نشأت ضمن منظومة قانونية دولية تشكلت في ظل هيمنة القوى الكبرى. ورغم خطابها الحقوقي، فإن سجلها يُظهر انحيازًا واضحًا نحو محاكمة قادة دول الجنوب، بينما تظل جرائم القوى الكبرى خارج نطاق المساءلة. لم تُدن المحكمة أي مسؤول أمريكي عن جرائم العراق أو أفغانستان، ولم تُحاسب إسرائيل على جرائمها في غزة والضفة الغربية، حتى صدور مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت في نوفمبر 2024، بتهم تتعلق باستخدام التجويع كسلاح حرب، القتل العمد، والاضطهاد. هذه الخطوة، رغم أهميتها الرمزية، لا تزال معلقة في فضاء قانوني وسياسي معقد، إذ رفضت إسرائيل اختصاص المحكمة، وبدأت حملة دبلوماسية واسعة للطعن في شرعية القرار. ومع ذلك، فإن إدراج قادة من دول حليفة للغرب ضمن دائرة الاتهام يفتح بابًا جديدًا في مساءلة القوى الكبرى، ويطرح سؤالًا جوهريًا: هل العدالة الدولية بدأت تتجاوز مركزيتها الغربية، أم أن هذه لحظة استثنائية ستُفرغ لاحقًا من مضمونها؟
في هذا السياق، تصبح إدانة كوشيب لحظة رمزية تُعيد تأكيد سلطة المحكمة، لا سلطة الضحايا. العدالة هنا لا تُفكك البنية التي أنتجت الجريمة، بل تُدين أحد منفذيها، مما يُحول الجريمة من فعل بنيوي إلى فعل فردي، ويُفرغها من بعدها التحرري.
العدالة، في تصورها الجذري، ليست مجرد محاكمة، بل فعل جماعي يُعيد توزيع السلطة ويُعيد كتابة التاريخ من منظور المهمشين. لكن المحكمة الجنائية الدولية، في بنيتها، تُحول الضحايا إلى متلقين للعدالة، لا فاعلين سياسيين فيها. لا تُمنح المجتمعات المتضررة حق المشاركة في صياغة سردية الجريمة، ولا تُعوض القرى التي دُمرت، أو النساء اللواتي اغتُصبن، أو الأطفال الذين نُزحوا. لا تُفتح ملفات النظام السياسي الذي صنع كوشيب، بل يُعامل كوشيب كاستثناء، لا كنتاج. بهذا الشكل، تُصبح العدالة شكلية، تُرضي الضمير العالمي، لكنها لا تُعيد بناء دارفور، ولا تُعيد الاعتبار للضحايا بوصفهم فاعلين تاريخيين.
تُستخدم العدالة أحيانًا لإدارة التناقضات البنيوية، لا لتفكيكها. إدانة كوشيب، رغم رمزيتها، تُعيد إنتاج سردية أن “العدالة تتحقق من فوق”، عبر مؤسسات دولية، لا من أسفل، عبر التنظيم الشعبي. تُعزز سردية أن المحكمة الجنائية الدولية هي الأمل الوحيد للضحايا، مما يُضعف إمكانات التنظيم الذاتي في دارفور. تُعيد تأكيد مركزية القانون الدولي، الذي يُدار من لاهاي، لا من الفاشر أو نيالا. تُحول الجريمة إلى ملف قانوني، لا إلى لحظة ثورية تُعيد تشكيل العلاقة بين المركز والهامش. بهذا الشكل، تُصبح العدالة أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، لا لتفكيكها.
كوشيب، رغم مسؤوليته المباشرة، لم يكن سوى واجهة لآلة أكبر. النظام السوداني، بتحالفاته العسكرية والاقتصادية، هو من صنع الجنجويد، ومولهم، وغطى جرائمهم. لكن المحكمة لم تُدن أي مسؤول سياسي أو عسكري من النظام، ولم تُفتح ملفات التمويل، أو التحالفات الإقليمية، أو التواطؤ الدولي. لم يُحاسب عمر البشير، رغم صدور مذكرة توقيف بحقه. لم تُفتح ملفات الدعم الليبي أو التشادي للجنجويد. لم تُناقش دور الشركات النفطية أو شبكات السلاح في تأجيج الصراع. بهذا الشكل، تُصبح الإدانة انتقائية، تُدين الفرد وتُحصن البنية، مما يُفرغها من بعدها التحرري.
الرد على هذه الإدانة لا يكون بالاحتفاء بها فقط، بل بتوظيفها كأداة لكشف تناقضات النظام العالمي، وتحفيز التنظيم الشعبي في دارفور. يجب تحويل لحظة الإدانة إلى منصة للمطالبة بمحاكمة النظام بأكمله، لا فقط أدواته. يجب دعم تنظيم الضحايا في دارفور كقوة سياسية تطالب بإعادة توزيع السلطة والثروة، لا فقط التعويض الرمزي. يجب فضح ازدواجية المحكمة الجنائية الدولية، التي تُدين الجنوب وتُحصن الشمال، مما يُعيد إنتاج الاستعمار القانوني. يجب إعادة كتابة سردية الجريمة من منظور الضحايا، لا من منظور القانون الدولي، عبر الشعر، الأرشفة، والمقاومة الثقافية. العدالة الحقيقية لا تأتي من لاهاي، بل من دارفور نفسها، حين تُستعاد الأرض، وتُعاد كتابة التاريخ، وتُعاد صياغة العلاقة بين المركز والهامش.
إدانة كوشيب، رغم رمزيتها، تظل لحظة مشحونة بالتناقضات. فهي تُدين الجريمة، لكنها تُحصن البنية. تُرضي الضحايا، لكنها تُحولهم إلى متلقين. تُعيد تأكيد سلطة المحكمة، لكنها تُفرغ العدالة من بعدها التحرري. من هنا، فإن العدالة لا تكون فعلًا قانونيًا فقط، بل فعلًا أرشيفيًا ومقاومًا، يُعيد كتابة التاريخ من الهامش، ويُعيد بناء دارفور لا بوصفها ضحية، بل بوصفها فاعلًا تاريخيًا. العدالة ليست حكمًا، بل فعلًا جماعيًا، يُعيد توزيع السلطة، ويُعيد بناء الذاكرة، ويُعيد تشكيل العالم.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم