بقلم: الدكتور عزيز سليمان أستاذ السياسية والسياسات العامة
quincysjones@hotmail.com
في زمن تتداخل فيه الحروب بالوكالة مع المصالح الجيوسياسية، وتُدار المعارك في الميدان بالسلاح وفي القاعات الدولية بالمال والتأثير، يقف السودان اليوم على مفترق طرق وجودي. ليس الموت وحده ما يهدد الشعب السوداني، بل تقسيمه وتفكيك دولته وإعادة رسم هويته بالقوة والخديعة معاً.
إن أخطر ما نواجهه ليس فقط الرصاصة التي تقتل الفرد، بل القرار الدولي المؤجَّل، والشجب الذي لا يتبعه فعل، والإدانة التي تُصاغ بعناية لتبقى حبراً على ورق، بينما تستمر قوافل السلاح والمرتزقة في التدفق نحو ميدان الجريمة.
أولاً: العدوان وليس الإبادة… اختيار قانوني وسياسي حاسم
كيف تقدم دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد دولة الإمارات العربية المتحدة بتهمة الإبادة الجماعية؟ ان لم تكن تحت تاثير المال الاماراتي ؟! اذا أردنا أن نربح المعركة القانونية فعلاً، وأن نحاصر الإمارات في الزاوية التي لا مهرب لها منها، فعلينا أن نختار العنوان الصحيح: العدوان المسلح على دولة ذات سيادة.
لماذا؟
لأن جريمة العدوان (Aggression) مكرّسة في القانون الدولي بصيغ أكثر وضوحاً وشمولية من جريمة الإبادة الجماعية:
• المادة 8 مكرر من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (تم إقرارها 2010 في كمبالا) تعرّف جريمة العدوان بأنها «تخطيط أو تنفيذ أو أمر أو تشجيع أو تسهيل فعل يشكل استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو استقلالها أو وحدة أراضيها».
• قرار الجمعية العامة 3314 (1974) يُدرج ضمن أفعال العدوان: «إرسال جماعات مسلحة أو مرتزقة تقوم بأعمال قتالية ضد دولة أخرى» وكذلك «السماح باستخدام أراضي الدولة لتنفيذ عمل عدواني ضد دولة ثالثة».
الإمارات لا تقصف السودان بطائراتها مباشرة، لكنها:
• تموّل وتسلّح وتدرّب قوات الدعم السريع عبر شبكة معقدة من الشركات الوهمية والموانئ والمطارات.
• تشرف على تجنيد عشرات الآلاف من المرتزقة (من مالي والنيجر وتشاد و كل مرتزقة الكون و كارتيلاتهم وتنقلهم إلى السودان عبر قواعدها في شرق تشاد وأم جرس.
• تستخدم مطار عمان في شرق تشاد كمركز لوجستي رئيسي لنقل الأسلحة والذخائر التي تُحمل على طائرات إليوشين تحمل أرقام تسجيل إماراتية أو تابعة لشركات مرتبطة بها.
• تُموّل عمليات الدعم السريع عبر تحويلات مالية ضخمة تُغسل عبر بيع الذهب السوداني المهرَّب.
كل ذلك يشكل استخداماً غير مباشر للقوة المسلحة يدخل تماماً في تعريف العدوان بموجب القانون الدولي. وهو اتهام يصعب على الإمارات نفيه، لأن الأدلة المادية (صور الأقمار الصناعية، وثائق الشحن، تقارير خبراء الأمم المتحدة، شهادات المرتزقة الأسرى) أصبحت دامغة.
أما اتهام الإبادة الجماعية فيتطلب إثبات القصد الخاص بإفناء جماعة قومية أو عرقية كلياً أو جزئياً، وهو عتبة قانونية عالية جداً قد تأخذ سنوات في الإثبات، وتعطي الإمارات فرصة للتملص بالقول إنها تدعم طرفاً في حرب أهلية وليست مسؤولة عن أفعاله.
ثانياً: المال سلاح أخطر من الرصاص
في عواصم القرار الدولي، لم يعُد المال وسيلة للتأثير فحسب، بل أصبح سلاحاً استراتيجياً لا يقل خطورة عن الصاروخ الباليستي. الإمارات (وإلى جانبها روسيا في حالة وودكوف) لا تشتري فقط ضباطاً سودانيين أو صحفيين أو ناشطين، بل تشتري صمت أفراد بعينهم داخل أمانة الأمم المتحدة، ومندوبين دائمين لبعض الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وموظفين في لجان العقوبات، وأحياناً باحثين في مراكز أبحاث غربية كبرى.
المال هنا لا يُدفع بالمليارات المعلنة، بل بمبالغ صغيرة نسبياً تُحوَّل إلى حسابات شخصية، أو بعقود استشارية وهمية، أو بمنح دراسية للأبناء، أو بتذاكر سفر فاخرة. هكذا تُشترى الذمة فرداً فرداً، لا فريقاً فريقاً، لأن الفرد أضعف وأيسر اختراقاً.
ثالثاً: الخلل ليس في الجيش… الخلل في الدبلوماسية
الجيش السوداني، كمؤسسة وطنية، هو اليوم العمود الفقري الوحيد الباقي للدولة. يُلوَّح له كل يوم بجرائم حرب وأسلحة محرمة وجرائم ضد الإنسانية، بينما الطرف الآخر يرتكب المجازر المصوَّرة ولا يتلقى سوى بيانات قلق ومخاوف و كذا دعوات لضبط النفس.
لكن المعركة الحقيقية اليوم ليست في النهود أو في جبل مون، بل في قاعات مجلس الأمن ودهاليز محكمة العدل الدولية ومكاتب لجان الخبراء. وهذه معركة لا يمكن أن يخوضها من فشل طوال ثلاث سنوات في تقديم ملف واحد محكم ضد الإمارات أو حتى ضد دولة واحدة ثبت تورطها.
إن وزارة الخارجية الحالية، بكل أسف، أصبحت عبئاً على القضية الوطنية أكثر منها سنداً. خطابات رنانة، وصور تذكارية، وتصريحات للاستهلاك المحلي، وفي النهاية لا شكوى واحدة في مجلس الأمن، ولا دعوى في لاهاي، ولا حتى تقرير قانوني محترم يوثّق العدوان الإماراتي.
الدواء المرّ… والوحيد
إذا أراد الفريق البرهان أن ينقذ السودان من مصير التقسيم والضياع، فعليه أن يتخذ قراراً تاريخياً اليوم ــ وليس غداً:
1 إعلان حالة طوارئ دبلوماسية.
2 إعفاء فوري لكل الطواقم الدبلوماسية الحالية التي عملت منذ 15 أبريل 2023، بلا استثناء.
3 تشكيل ثلاث فرق عمل متخصصة عالية الكفاءة والنزاهة:
◦ فريق لمجلس الأمن: مهمته تقديم شكاوى منفردة ضد كل دولة ثبت تورطها
◦ فريق لمحكمة العدل الدولية: مهمته إعداد دعوى العدوان ضد الإمارات خلال ثلاثة أشهر على الأكثر.
◦ فريق ثالث للتوثيق والإعلام القانوني الدولي: ينشئ قاعدة بيانات دامغة ويومية تُحدّث على موقع رسمي سوداني مفتوح.
هذه الفرق يجب أن تُختار بعناية أمنية وقانونية فائقة، وأن تُعطى صلاحيات مباشرة من قائد الجيش و مجلس السيادة، وأن تُحمى من عروض المال الإماراتي التي ستتدفق حتماً. وعندما تصبح الفرق مؤسسات وليست أفراداً، وعندما يُعرف أن أي تسريب أو خيانة سيُعاقب بأقسى العقوبات، حينها فقط سيصعب على الإمارات أن تشتري السودان كما اشترت غيره.
الجيش يقاتل في الميدان، والشعب يصمد رغم الجوع والتهجير، لكن المعركة الدولية إذا خُسرت، فلا جدوى من كل انتصار عسكري.
يا سيادة الفريق البرهان،
الشعب السوداني كله معك، لكن الشعب لن يغفر لك إذا بقيت الدبلوماسية السودانية رهينة لمن فشلوا ثلاث سنوات، أو لمن ينتظرون مكالمة من أبوظبي أو بيتاً في عاصمة ما .
الوقت ليس في صالحنا.المال يشتري الوقت، والوقت يشتري السلاح، والسلاح يشتري الأرض، والأرض إذا ذهبت… ذهب السودان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم