العربية: حرص العرب على فصاحتها – السودان نموذجًا .. بقلم: محمد أحمد عبد الرحيم الحيدرابي

فالسودان جغرافياً قطر أفريقي الموقع، و عربي و إسلامي الانتماء ، وهو موطن لعشائر و عناصر قبلية متباينة شكلا و سحنة و لونا و لغة. وتشير الإحصائيات إلى أن عدد لغاتهم يزيد على المائة و العشرين لغة، ولكن الواقع يؤكد هيمنة العربية الفصيحة على ألسنتهم بطريقة مباشرة على الغالبية العظمى منهم في جميع أرجائه شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وأما البعض الآخر التزم بلغته المحلية وكثيرا ما يفزع إلى العربية ليستر عَوَرَ لغته وقصورها فنشأت لغة عرفت ب ( عربي جوبا ) وهي متماثلة مع لغة ( ما في معلوم ) الموجودة في السعودية الآن. و إن كان الحديث عن القبائل إلا أن اهتمامنا ينصب على ألسنتهم لتأثرها بالعربية. فواضح من ذلك أن العربية لها مكانة راسخة في السودان لأنه القنطرة التي عبرت بها الثقافة العربية إلى غياهب أفريقيا لنشر الدين و اللغة.
و من الملاحظ تعدد صور تغلغل العربية فيه نلخصها فيما يلي :
أولا : الرباط الثقافي الوثيق الذي كان يربط السودان بمصر، كالبعوث الدراسية التي كانت تذهب إلى مصر للدراسة في معاهدها العليا، و الذين لم تُسنح لهم فرص الدراسة نالوا شطرا لا بأس به من الثقافة من خلال الصحف و المجلات و المؤلفات المصرية التي كانت ترد إليهم تباعا.
ثانيا : اشتراك العديد من اللغويين السودانيين في مجمع اللغة العربية بالقاهرة ( 1932 م ) نذكر هنا – للتمثيل لا الحصر – سرَّاج الطيب و د. عبد الله الطيب. فأولهما : كانت له رؤيته الخاصة لنشر العربية الفصيحة في محيط بيته و أقام في ذلك المحيط منتدىً ليليا يجتمع فيه مع الشعراء والأدباء من أصحابه، فنتج من هذا الجهد الطيب أن برز إبنه  ( فرَّاج ) الطيب بإنشاء البرنامج الإذاعي ( لسان العرب 1961 م ) فأثبت هذا الشبل انتماءه إلى ذاك الأسد اللغوي.
أما الآخر فهو البروفيسور عبد الله الطيب( 1923 – 2003 م ) إلتحق بمجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1960 م، بدأ بحفظ القرآن في خلاوي المجاذيب بالدامر منذ نعومة أظافره ثم اشتهر بتفسيره للقرآن باللغة السودانية الدارجة فساهم مساهمة فعالة في نشر الدين و اللغة نشرا متسع المجال. و فوق هذا و ذاك كانت له مشاركات دائبة في المنتديات العربية و الإقليمية المتعلقة بهذا المجال.
و علاوة على ذلك كانت هناك جهود معتبرة في مواقع التجمعات من دور السينما والأندية الرياضية و المسرح السوداني القومي الذي  أنشاء فرقاً لإلقاء المعلقات والقصائد العربية أمام حشود مرتادي المسرح، ليس هذا فحسب بل اتخذوا من دور السينما مسرحا لنشاطاتهم أثناء فترة الاستراحة و أصبح نشاطهم يستهدف كل التجمعات البشرية حيثما كانت. أما الإذاعة السودانية أشهر برامجها برنامج ( لسان العرب ) الذي أسسه فرِاج الطيب عام 1961 م، ولنجاحه منقطع النظير سمي البرنامج الذهبي وكان على رأس البرامج التي يتبادل بها مع الإذاعات الأخرى. هذا بالإضافة إلى (  يقولون ) و ( مِحْرَاب الشعر ) و هي برامج كانت تهدف لتصحيح الأخطاء اللغوية المنتشرة في الحياة اليومية.   
ثالثا : البعوث السنوية لعلماء الأزهر الشريف إلى غرب السودان لتحفيظ القرآن و المساعدة على تأسيس مدارس تحفيظ القرآن ( الخلاوي ) وفق مقتضى الحاجة، ونتيجة لذلك فهم الآن لا يدينون بدين غير الإسلام 
رابعاً : نشأت أول دولة إسلامية في السودان منذ خمسة قرون ( السلطنة الزرقاء ) و عبر خلاويها المنتشرة كان لها السبق في نشر الدين واللغة.
خامساً : العلاقات التجارية التي كانت تتم عبر درب الأربعين في أقصى الغرب كان لها دورًا لا بأس به لنشر الدين و  اللغة.
سادساً : في الفترة الواقعة بين الحربين العالمتين ( 1914 – 1945 م ) قام الأستاذ عباس محمود العقاد بتوجيه نقد لاذع – في الصحافة المصرية لهتلر زعيم  النازية، فنصحه الناصحون على إثرها الارتحال جنوباً إلى السودان لأنه قد تحدثه نفسه بالانتقام منه فكان ذلك. و قوبل بالحفاوة و التقدير، و عقدت المنتديات الثقافية وسمع قصائد الثناء والمدح فخاطبهم شاكرا لهم ذلك الصنيع. ولم يمكث طويىلا حتى ذهب إلى قبيلة الكبابيش في شمال كردفان وعاد ليقول هم أفصح القبائل السودانية لأنهم لا يزالون يستعملون نفس المفردات التي كان يستعملها العرب في جاهليتهم، و لا شك أن هذه شهادة يُعْتَد بها لتأكيد تغلغل العربية في السودان. 
سابعاً : الفتوح الإسلامية قادها عبد الله بن أبي السرح حتى دنقلا العجوز في شمال السودان و حول كنيستها إلى مسجد فكانت منطلقا لقيام الثورة المهدية بقيادة محمد أحمد المهدي فكان تحت رايتها هدف نشر الدين و اللغة و مناهضة ظلم الحكم التركي. 
ثامناً : هجرات القبائل العربية عبر البحر الأحمر كان لها دورًا بارزا في نشر الدين و اللغة، فكانت المصاهرة و اختلاط الأعراق و الشعوب و القبائل، و مرجعنا لذلك كتاب البروفيسور يوسف فضل ( بالإنجليزية ) دخول الإسلام إلى السودان عبر البحر الأحمر. 
و أخيراً : هذا غيض من فيض مما كان يحدث في ربوع السودان لنشر الدين و اللغة، ونحن لعلى ثقة تامة من أن مثل ذلك كان يحدث في مختلف البقاع العربية و الإسلامية بصورة أو بأخرى كدليل قاطع على حرص العرب والمسلمين على فصاحتها و نشرها بين الأمم. 
محمد أحمد عبد الرحيم الحيدرابي
الرياض -السعودية 
جوال 0508243556
abutahir99@live.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً