بقلم : محمد شرف الدين
ليست كل هدية بريئة، وليست كل الشعارات التي تُرفع في زمن الحرب خالية من الحسابات. وقصة حصان طروادة، التي تروي كيف استعصت مدينة على أعدائها، قبل أن يدخلوا إليها من الباب الذي فتحته لهم هدية بدت بريئة، ظلت عبر التاريخ مثالاً على أن الخطر قد يأتي أحياناً في ثوب الخلاص.
وفي الحرب السودانية، تبدو بعض التصريحات والمواقف والشعارات بحاجة إلى قراءة تتجاوز ظاهرها؛ فليس كل خطاب يُقدَّم باعتباره دفاعاً عن الوطن بالضرورة منفصلاً عن الحسابات السياسية أو المصالح التي قد تتجاوز اللحظة الراهنة.
ومن بين الأصوات الأكثر إثارة للجدل في هذا السياق، يبرز خطاب الفريق أول ياسر العطا، الذي اتسم في مناسبات عديدة بنبرة شديدة التصعيد، خصوصاً كلما ظهرت بوادر للحديث عن وقف الحرب أو البحث عن تسوية سياسية. فكلما خفت صوت المدافع، عاد الخطاب المتشدد إلى الواجهة، وكأن الحرب لا ينبغي أن تتوقف قبل تحقيق أهداف عسكرية قصوى.
ومنذ توليه رئاسة هيئة الأركان، تصاعدت حدة خطابه العسكري والسياسي بالتزامن مع استمرار المعارك واتساع دائرة المعاناة. وفي مناسبات مختلفة، دعا العطا إلى مواصلة القتال، وحث قوى وشخصيات مسلحة على الانخراط بصورة أكبر في الحرب، بما في ذلك شخصيات وقادة من مكونات مسلحة متعددة.
واللافت أن ارتفاع أصوات السلام، سواء داخل السودان أو عبر المبادرات الإقليمية والدولية، غالباً ما يقابله خطاب أكثر تشدداً، يرفض أي تسوية لا تستند، في جوهرها، إلى الحسم العسكري.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يعكس هذا الخطاب مجرد تقدير عسكري لطبيعة المعركة، أم أنه يحمل في داخله رؤية سياسية أوسع لمستقبل السودان؟
إن التعويل الكامل على الخيار العسكري، والحديث عن إنهاء الحرب عبر القضاء العسكري على الخصم، يفتحان الباب أمام أسئلة لا يمكن تجاهلها: هل يمتلك الجيش فعلاً القدرة على تحقيق هذا الهدف؟ وما الكلفة البشرية والاجتماعية والسياسية لمواصلة الحرب حتى نهايتها العسكرية؟ ومن سيدفع ثمن هذه الحسابات في بلد أنهكته الحرب، وأصبح الملايين من مواطنيه بين نازح ولاجئ وجائع ومفقود؟
فالحرب ليست أرقاماً على خرائط العمليات العسكرية؛ إنها أطفال في معسكرات النزوح، وأسر فقدت أبناءها، ونساء يواجهن ظروفاً قاسية، وشباب ضاعت سنوات من أعمارهم بين الخنادق والجبهات، ومواطنون اضطروا إلى مغادرة بلادهم بحثاً عن الأمان، ليواجهوا بدورهم ظروفاً بالغة القسوة في دول الجوار.
والأكثر إثارة للقلق هو انتقال الخطاب، في بعض الأحيان، من الحديث عن المعركة إلى الحديث عن الهوية والانتماء والجنسية، والتعامل مع بعض القبائل والمكونات السودانية بمنطق التصنيف والانتقاء. فالدولة، خصوصاً في أوقات الحرب، تحتاج إلى خطاب يجمع مواطنيها ويعيد بناء الثقة بينهم، لا إلى خطاب يوسع دائرة الشك ويعمق الانقسامات.
ومن هنا يصبح عنوان «حصان طروادة» سؤالاً سياسياً أكثر منه حكماً مسبقاً: هل يمكن أن يتحول خطاب الحرب، الذي يُقدَّم باعتباره الطريق الوحيد لإنقاذ الدولة، إلى مدخل لإعادة تشكيل السودان وفق حسابات سياسية لا يعرف المواطن البسيط تفاصيلها؟
إن أخطر ما في الحروب ليس الرصاص الذي يحصد الأرواح في الميدان فحسب، وإنما الأفكار التي تجعل استمرار الحرب غاية في حد ذاته؛ والخطابات التي تجعل السلام خيانة، والتسوية ضعفاً، والاختلاف في الرأي خروجاً على الوطن.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من النيران، بل إلى مشروع ينقذ الدولة ويحفظ وحدتها ويعيد الاعتبار لمواطنيها جميعاً، دون تمييز قبلي أو جهوي أو سياسي.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مطروحاً ليس فقط: من سينتصر في الحرب؟
بل: أي سودان سيبقى بعد أن تنتهي الحرب؟
فربما لا يكمن الخطر الحقيقي في «حصان طروادة» فيما يبدو عليه من الخارج، وإنما فيما قد يكون مخبأً في داخله
msharafadin1990@gmail.com
