العقد الاجتماعي… الطريق الأقصر لإنهاء الحرب وبناء السلام والوحدة

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

تلقيت رسالة من الأخ العزيز، ورفيق الشتات، مولانا عمر خيري، تعليقًا على مقالي: «العقد الاجتماعي: المخرج الواقعي لإنهاء الحرب». أنشرها وأعقِّب عليها لأنها محاورها تثري النقاش وروحها تمثل ما نحتاجه من حوارٍ يرى في الاختلاف فرصةً للمزيد من الحوار. فالخروج من أزمتنا لن يكون إلا بالحوار، وتواضعِ القول، وسعةِ الصدر، والمحبةِ والإيمان بأن السودان يستحق أن نتحاور من أجله لا ان نتصارع عليه.

الرسالة: (.. طرحك موضوعى لكنه مثالى بدوافع طيبة ونبيله لكنك غفلت عن أستصحاب التاريخ القريب والبعيد للوطن وشعبه. أن العقد الاجتماعى يستلزم ب الضرورة وجود وشائج وروابط مشتركة بين مختلف الطوائف والقبائل والاثنيات العرقية والدينية والإقليمية وهو ما لا يتوافر فى حال السودان. إذ تغلب عوامل الفرقة والانقسام عوامل الوحدة الوطنية الجامعة. وتاريخ السودان القريب ل قرون يثبت ذلك .. ب وجود سلطنات وممالك إقليمية عرقية استمرت تحكم السودان .. كل جزء مستقل برقعة من الأرض استمر ذلك حتى ١٨٤١.

الحكم الانجليزى ك عهده لا يغادر إحدى مستعمراته الا وترك فيها ألغامآ يسهل تفجيرها. أن السودان ومنذ ١٩٥٦ بحوجة قبل العقد الاجتماعى ل أستفتاءات دولية ل اقاليمه بؤر الحرب ليقرر أهلها :–
أما وحدة تحت حكم فدرالى أو انفصال بسلام. من بعد ذلك يتم دراسة ونقاش ترتيبات عقد اجتماعى يوحد هذا الشتات وأشك أن يفلح ذلك اخى الحبيب عبد القادر وأحسن الناس تكسب الزمن وتحقن الدماء وتوقف الخراب والأحقاد وتنفرز الكيمان حتى يقتنع الجميع ب فوائد الوحدة برضاهم وعن تجربة..) انتهى .

شكرًا أخي عمر. تعليقاتك المتتابعة تعكس عمق همّك بالوطن رغم أثقال الجسد والذهن.
وأتفهم حرصك على إنهاء الحرب أولًا، لكنّي أرى أن العقد الاجتماعي هو الطريق الأقصر لتحقيق ذلك؛ لأن التهميش هو أصل الأزمة، والعقد يضع قواعد عادلة تُنهي التهميش والحروب. ويُحوّل الخلاف من عسكري إلى سياسي، بإدارته داخل مؤسسات خاضعة للمحاسبة، وبذلك يفقد العنف جدواه.

يبدو أن مفارقات الحرب وخطاب الكراهية دفعتك للقول بان عوامل الانقسام تغلب عوامل الوحدة. لكن لا يفوت عليك أن العقد أصلًا يعالج غياب الروابط الاجتماعية. وحتى الدول التي خرجت من انقسامات عميقة، مثل رواندا، لم تكن مجتمعات متجانسة، ومع ذلك استطاعت أن تبني عقدًا وطنيًا نقلها من العنف إلى التعايش.

صحيح السودان عرف سلطَنات وممالك كانت تحكم مناطقها بشكل مستقل وكانت عوامل الانقسام قائمة، لكن خلال القرنين الماضيين حدث تداخل بشري وثقافي واقتصادي واسع جعل الأقاليم أقرب إلى بعضها. فنشأ نسيجٌ مشترك يمكن البناء عليه، يتجلّى في اللغة المشتركة بدرجاتها المختلفة، وتشابك المصالح، ووحدة الذاكرة الوطنية، وتقارب القيم الاجتماعية.

إن تجربة التداخل بين المجموعات المختلفة جسدتها مدينة أُم درمان، كبوتقة انصهرت فيها الطوائف والقبائل والإثنيات، وتحولت أحياؤها إلى تشكيلة بشرية موحَّدة تتشابك فيها العادات والثقافات. فأصبحت مهدًا للحركة الوطنية ومرتكزًا للثقافة والفنون والرياضة، وصاغت الوجدان السوداني بلهجته وإيقاعاته، مؤكدة قدرة المجتمع على التعايش وصناعة الإبداع.

لقد تشكّل وترسخ الوجدان السوداني المشترك من عدة مصادر؛ منها برامج أطفال ماما آمال، ومجلة الصبيان وشرحبيل، وصور شعبية للطيب محمد الطيب، وأغاني ربوع السودان للرباطابي، والنعام، وبِلاص وغيرهم، وأغاني التراث مثل «فنجان جبنة»، و«شنقلي طوباي»، و«أب كريق في اللجج»، و«سمسم القضارف»، و«أسمر اللونا»، وعبد القادر سالم.

كما أسهم منهجُ جغرافيا بخت الرضا في تشكيل هذا الوجدان وترسيخه؛ فقد أخذنا في رحلات خيالية جعلتنا نرى السودان الواسع كبيتٍ واحد، حيث تعرفنا على أصدقاء في مختلف أقاليم السودان؛ منهم: صديق في القولد، ومحمد القرشي في ريرة، وسليمان في الجفيل، وود الفضل في بابنوسة، وحاج طاهر في محمد قول، وأحمد محمد صالح في ود سلفاب.

ثم تواصل هذا الوجدان المشترك في تجربةُ اعتصام القيادة العامة؛ فرغم نهايتها المؤلمة، فقد جسَّدت أعلى درجات التعايش الوطني والاجتماعي والثقافي والوجداني بين ملايين الشباب الذين تجمعوا من مختلف أنحاء السودان، ليهتفوا بشعارات الحرية والسلام والعدالة.

لذلك، فإن توافر الروابط الاجتماعية هو الغالب، وتبقى المشكلة في فشل الحكومات في حسن إدارة هذا التنوع واستثماره في بناء دولة موحَّدة. ومهما كان من أمر الاستعمار، لا ينبغي لنا الركون إلى تبريرات تاريخية.

أما المفارقة المتمثلة في موقف قادة الحركات الذين رفعوا السلاح منادين بدولة المواطنة، ثم ركوبوا موجة الانقلاب بمنطقٍ انتهازي مصلحي؛ فلا يجوز اتخاذه معيارًا للحكم على فكرة العقد الاجتماعي؛ لأنه لا يُقاس بحال هؤلاء، وإنما يُبنى على مصلحة الدولة والشعب.

وأما خطاب الكراهية، فأتفق معك في أنه يمثل عقبة كبرى أمام بناء عقدٍ اجتماعي يمهّد للوحدة؛ خاصة أنه انتشر بشكل مكثف في ظل الحرب، وأصبح موجَّهًا نحو جهات وقبائل بعينها، تحت ذريعة أنها امتداد لما يُسمى بدولة 56.

إن التفاف السودانيين حول ميثاقٍ موحد يتطلب نبذَ خطاب الكراهية؛ فقضية التهميش عامة لا تخص قبيلة أو إقليمًا بعينه. ورغم أن أهل الشمال كانوا يبدون في وضع أفضل نسبيًا، فذلك يعود لظروف تاريخية، منها انفتاحهم المبكر على الحضارة بحكم الجوار، وهجرة الآباء طلبًا للعيش، والتي أسهمت في تنمية الوعي بأهمية العلم والعمل، فبادروا إلى إنشاء المدارس والمستشفيات بجهود ذاتية.

اليوم بعض المناطق الأخرى أفضل نسبيًا، لكن الجميع ضحايا النخب الحاكمة التي تشكلت من مختلف المناطق، وجمع بينها حب السلطة والمصالح الخاصة، فأهملت المشروع الوطني والتنمية، الأمر الذي يجعل من الخطأ توجيه اللوم أو الكراهية إلى أي فئة أو منطقة بعينها.

شكرًا أخي عمر،
فقد أثريت النقاش بعمقٍ وصدقٍ، وتعقيبي ليس مُنتهى القول، فنحن في حاجة إلى المزيد من الحوار، وسنصل إلى المخرج بإذن الله، وبقدرتنا على الاستماع لبعضنا، طالما اتفقنا أن الحل يجب أن يكون وطنيًا.

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …