العقد الاجتماعي فيه الحل الشامل للقضايا الجذرية والحديثة (1-2)
قراءة «صراع الرؤى» للواثق كمير
عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com
في ورقته الرصينة «حرب الرؤى» يقول المفكر د. الواثق كمير إن الانقسامات الحادة بين القوى السياسية والمجتمعية السودانية تعود إلى تباين في تفسير طبيعة الحرب وأسبابها، وهو تباين أفضى إلى تصدعات بنيوية في الرؤى حول الدولة، ومصادر الشرعية، ودور المؤسسة العسكرية، وحدود التدخل الإقليمي والدولي، وانعكس بدوره على المواقف وتصور الحلول الممكنة، بما أسهم في تعميق صراع الرؤى بين الفاعلين.
ويتجسّد هذا الانقسام، وفق طرحه، في خمس قضايا رئيسية، هي: مستقبل قوات الدعم السريع، ودور القوات المسلحة في المرحلة الانتقالية، ومستقبل قيادتها الحالية، وموقع الإسلاميين في المشهد السياسي، وحدود وأدوار الفاعلين الخارجيين.
ويضيف أن الإشكال لا يكمن في غياب الرؤى، بل في العجز عن مواجهة نقاط الخلاف الحقيقية، بما يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام، ولذلك ينادي بضرورة فتح حوار جاد وصريح حول هذه القضايا لبلورة رؤية وطنية مشتركة.
لا يمكن قراءة مقالات د. الواثق دون التوقف عند دقته وحسه التحليلي العميق في مقاربة المشهد السوداني. غير أن توصيفه لطبيعة الخلافات في هذه الورقة يستدعي قدرًا من التفكيك والمراجعة، لا سيما في لحظة نحن أحوج ما نكون فيها إلى تضييق دوائر الخلاف وحلحلة معوقات الحوار، لا تعقيدها.
فطريقة العرض هنا تُوحي وكأننا أمام نزاع فكري أو موضوعي متكافئ حول شكل الدولة ومصادر الشرعية، بينما نحن في الواقع أمام مسارين غير متكافئين؛ مسار يسعى إلى إعادة إنتاج الدولة السلطوية بأدوات القوة وفرض الأمر الواقع، ومسار آخر ينشد دولة مدنية رفعت ثورة ديسمبر راياتها، بحراكها السلمي وتضحياتها المشهودة، ولا تزال.
إشكالية هذا العرض أنه قد يُخفف، من حيث لا يقصد، من الطابع الاستبدادي للمسار الأول، ويبدو كدعوة للمقاربة بين من يطالب بدولة مدنية عبر الفعل السلمي، ومن يختار العنف كوسيلة لإدارة الخلاف السياسي، ويقوّض مسار الانتقال مستفيدًا من ضعف الفترة الانتقالية وبعض إخفاقاتها. ومهما يكن تقييم تلك الفترة، فإن الفارق بين الدولة الشمولية والدولة المدنية لا يصح أن يكون محل مقارنة أو مقاربة.
إن تصوير الصراع الراهن وكأنه خلاف موضوعي متكافئ حول شكل الدولة، يُسقط حقيقة أن الخيار الشمولي، بوصفه نموذجًا للحكم، قد سقط تاريخيًا وأخلاقيًا، بشهادة تجربة الإنقاذ الفاشلة، لا بوصفه رأيًا سياسيًا منافسًا، بل مسارًا ثبت عجزه عن بناء دولة مستقرة وعادلة.
وعليه، فإن قدرًا كبيرًا من الجدل الدائر حول القضايا الخمس ليس سوى امتداد لمحاولات قوى الأمر الواقع تعطيل التحول المدني، وإعادة تدوير نفسها، والإفلات من استحقاقات المحاسبة. ومن ثم، فالمشكلة ليست في “غياب الحوار” في ذاته، بل حول ماذا يكون الحوار؟.
ومهما يكن الأمر، يظل العقد الاجتماعي الإطار الأجدر بحسم أي خلافات موضوعية حقيقية
تهدف إلى إنهاء الأزمة وفتح المسار نحو التحول المدني، وهذا ما سنحاول توضيحه في الجزء الثاني من المقال. مع التأكيد على تفهمنا وتقديرنا لنبل دوافع د. الواثق كمير وحرصه الصادق على الخروج من مأزق الانقسام الوطني.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم