أصداء الوعي
آدم أبكر عيسى
في اللحظة السودانية الراهنة، حين يُستدعى اسم الزعيم، لا يُستدعى معه مشروع. يُستدعى الشخص، لا الرؤية. الحضور، لا البرنامج. وهذه ليست مصادفة عابرة في تاريخ طويل من الممارسة السياسية، بل بنية راسخة في العقل السياسي السوداني، تتكرر وتتجدد بوجوه جديدة وأسماء جديدة، لكنها تحتفظ بالجوهر نفسه: الزعيم هو الحزب، هو المفوّض، هو المخطط، هو المشرّع. حين يغيب، يغيب معه كل شيء، لأن لا شيء كان قائماً بمعزل عنه.
هذه البنية ليست وليدة اللحظة. إنها نتاج تراكم طويل من محددات ثلاثة رصدها محمد عابد الجابري في مشروعه النقدي للعقل السياسي العربي: القبيلة، والغنيمة، والعقيدة. وهي محددات لم تكن يوماً مفاهيم مجردة، بل قوى فاعلة في تشكيل الوعي والممارسة. القبيلة التي تنقل الولاء من الدولة إلى العائلة والعصبية. والغنيمة التي تحوّل السلطة إلى وسيلة استحواذ لا مسؤولية. والعقيدة التي تمنح الحاكم شرعية القول والعمل حين تعوزه شرعية الإنجاز.
غير أن الجابري، وهو يفكك بنية العقل السياسي العربي، لم يكن يقترح قدراً محتوماً. كان يرى أن هذه المحددات قابلة للتجاوز، وأن الانتقال ممكن من القبيلة إلى الدولة، ومن الغنيمة إلى الاقتصاد الوطني، ومن العقيدة إلى الرأي. لكن هذا الانتقال لا يحدث تلقائياً. يحتاج إلى إرادة، إلى وعي، إلى مشروع.
وهنا تكمن المفارقة السودانية. ففي السودان، كما يقول محمد سعيد القدال في دراسته عن الإمام محمد أحمد المهدي، “حيث تضعف القاعدة المادية والثقافية، وينحصر الوعي، حيث يلعب الزعيم، والحاكم، والفقيه دوراً في حياة الناس، يبرز دور الفرد في الأحداث الأكثر سطوعاً”. القدال لم يكن يتحدث عن لحظة بعينها، بل عن بنية تتكرر. الزعيم يملأ الفراغ الذي يتركه غياب المؤسسة، والمؤسسة تغيب لأن الزعيم لا يريدها، أو لأن المجتمع لا ينتجها.
في تحليل لبنية العقل السياسي السوداني، يُقسَّم الفاعلون داخل الأحزاب إلى ثلاثة مستويات: “الملاك” الذين يمسكون بمفاتيح القرار كافة وتربط بينهم صلة دم أو قرابة، و“المستأجرون” الذين لهم صلاحيات محدودة لكنهم يدورون في فلك الملاك لتجميل صورتهم، و“الهتيفة” الذين يمتلكون القدرة على الحشد والدفاع دون أن يسألوا عن منهجية القرار أو الأصول المالية أو آلية الاختيار. هذا التوصيف ليس تهكماً، بل تشريح. الزعيم في هذا النموذج ليس قائداً بالمعنى المؤسسي، بل مركز ثقل لا يتجزأ، تتحول حوله كل العلاقات السياسية إلى علاقات شخصية، وكل البرامج إلى ولاءات.
ويُضاف إلى هذه المستويات الثلاثة مستوى رابع لا يقل خطورة عن سابقه، وهو “المنظرون” أو “صنّاع الشرعية الرمزية”. وهؤلاء لا يمسكون بالقرار ولا ينفذونه، لكنهم يشتغلون على إنتاج اللغة التي تبرّره. يصوغون للزعيم خطابه، ويمنحون ممارسته غلافاً فكرياً أو دينياً أو ثورياً، فيتحول الولاء الشخصي إلى “ضرورة تاريخية”، والاستحواذ على السلطة إلى “حكمة سياسية”، وتكميم الأفواه إلى “حماية للتجربة”. وهم في الغالب نخبة مثقفة أو شبه مثقفة، تمتلك أدوات التعبير لا أدوات التخطيط، فتبيع قلمها لمركز الثقل، وتصبح جزءاً من بنية التكرار لا جزءاً من مشروع التجاوز.
منصور خالد، في كتابه “النخبة السودانية وإدمان الفشل”، يذهب أبعد من ذلك. يرى أن النخبة السودانية بكل أطيافها تعاني من نمط متكرر من الممارسات التي تكرّس الإخفاق بدلاً من تجاوزه. ويصف فئة “دراويش السياسة” بأنهم “أهل الفعل بلا نظر”، الذين يرددون الشعارات وكأنها طقوس، معتقدين أن الصياح بها كافٍ لتغيير الواقع. هذا ليس نقداً أخلاقياً، بل وصف لبنية ذهنية تفضّل الحركة على التخطيط، والصوت على المشروع.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يتكرر هذا النمط؟ لماذا يعود الزعيم دائماً ليأكل المشروع؟
جزء من الإجابة يكمن في غياب “العقل الجمعي” الذي يمكن أن يتحول إلى مؤسسة. العقل السياسي السوداني، كما يوصف، يظل “مشدوداً بين نوايا الطائفية وبروز الشعبوية، بين عسكرة السياسة وتأسيس المؤسسة العسكرية، بين التدين السياسي وانهيار المشروع الإسلامي نفسه”. هذه الشدائد ليست مجرد معطيات ظرفية، بل سمات بنيوية لعقل لم ينجح في الانتقال من سياسة الملاك والمستأجرين والهتيفة إلى سياسة المواطنة والعقل الجمعي والمؤسسة.
الزعيم في هذا السياق ليس مجرد شخص. إنه استعارة لغياب المشروع. حين يغيب المشروع، يحتاج الناس إلى من يجسد لهم المعنى. وحين يغيب المشروع، يصبح الزعيم هو المعنى. وهذا هو الفخ. لأن الزعيم يموت، أو يُقصى، أو ينقلب على نفسه، فيسقط معه كل شيء. المشروع، لو كان موجوداً، لكان قادراً على البقاء. لكن المشروع الغائب لا يترك إلا الفراغ، والفراغ لا يملؤه إلا زعيم آخر، أو حرب.
في النهاية، ليست المسألة مسألة أسماء. ليست مسألة من يقود، بل مسألة ما يُبنى. العقل السياسي السوداني، إن أراد الخروج من دورته المفرغة، يحتاج إلى انتقال جذري: من الولاء الشخصي إلى الانتماء المؤسسي، ومن الغنيمة إلى الاقتصاد، ومن العقيدة الموظفة إلى الرأي الحر. هذا ليس شعاراً، بل شرط بقاء. لأن الزعيم، في نهاية المطاف، يأكل المشروع، ثم يأكل نفسه. وما يبقى هو السودان، ينتظر من يبنيه لا من يحكمه.
