العقل المؤسسي في زمن السلاح

زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
في السودان، لم تكن المشكلة يومًا في غياب الأفكار أو ضعف الرؤية حول الدولة التي يُراد بناؤها، بل في هيمنة القوة على السياسة وانحسار القدرة على تحويل المعرفة إلى واقع. فالعقل المؤسسي الذي حاولت منظمات مثل IDEA International دعمه وتوسيعه كان يعمل في بيئة لا تُدار فيها السلطة بالقانون، بل بموازين القوة المسلحة. وهنا تتضح المفارقة: بينما تُنتج النخب المدنية الوثائق والدساتير وخطط إعادة بناء الدولة، تظل مراكز النفوذ الحقيقية عند من يحتكر السلاح ويتحكم في القرار الأمني. إنها لحظة انتقالية يتصارع فيها مشروعان: مشروع العقل الذي يرسم صورة الدولة الحديثة، ومشروع القوة الذي يحكم قواعد اللعبة على الأرض. وفي غياب التوازن بين الاثنين، تصبح الديمقراطية نصًا جميلًا يُقرأ، لا واقعًا يُعاش.

دور IDEA International في الانتقال الديمقراطي بالسودان

منذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، دخل السودان مرحلة انتقال سياسي حملت آمالًا واسعة في بناء دولة مدنية. وبينما انشغلت القوى السياسية بالصراع على مواقع النفوذ، ظهرت منظمة IDEA International (المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية) كلاعب هادئ يعمل في الخلفية، بعيدًا عن الميكروفونات والمفاوضات.
لم تكن المنظمة جهة ضغط سياسي، ولا طرفًا في ميزان القوة، ولم تسع لتوجيه خيارات الفاعلين. لكنها لعبت دورًا حاسمًا في صناعة المعرفة المؤسسية: تلك التي تُبنى عليها الدول المستقرة.
أولًا: إنتاج المعرفة وصياغة نماذج الحكم
تركز دور المنظمة على تقديم خبرات متعمقة في المجالات التالية:
تصميم الدساتير.
نظم الحكم والفصل بين السلطات.
إدارة الفترات الانتقالية.
العدالة الانتقالية وإصلاح الخدمة العامة.

قدمت المنظمة دراسات مقارنة وتجارب عملية من دول خاضت انتقالات مشابهة مثل:
جنوب أفريقيا، نيبال، وتونس.

هذه المعرفة كانت تُناقش في ورش عمل شارك فيها- خبراء قانونيون.
كوادر في وزارتي العدل والحكم الاتحادي.
ممثلون عن قوى الحرية والتغيير.
كان الهدف تحويل الثورة من هتاف سياسي إلى هندسة مؤسسية.

ثانيًا: تدريب كوادر مدنية جديدة
بعد عقود من حكم العسكر والدولة الأمنية، كان السودان يفتقر لطبقة سياسية حديثة.
هنا لعبت IDEA دورًا لافتًا في:
تدريب سياسيين شباب على إدارة الحكم.
تأهيل كوادر للعمل في اللامركزية والحكم المحلي.
دعم مبادرات المجتمع المدني والمنصات التحليلية.

تكوّن تدريجيًا جيل يمتلك لغة الدولة الحديثة، لكن تأثيره بقي محدودًا جغرافيًا في الخرطوم، ولم يستطع اختراق شبكات السلطة التقليدية القائمة على القبيلة والسلاح.
ثالثًا: العدالة الانتقالية وإصلاح الدولة
قدمت المنظمة تصورات حول-إعادة بناء القضاء.
تجديد الشرطة والأمن.
إنشاء لجان الحقيقة والمصالحة.
لكن هذه الخطوات اصطدمت بواقع بسيط:
من يملك السلاح يملك القرار.
جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليعيد السلطة للعسكر، ثم اندلعت حرب 2023 التي دمّرت مؤسسات الدولة. وتحوّل الانتقال من مشروع دولة إلى مشروع إنقاذ يومي للبقاء.
النتيجة- نجاح المعرفة.. وخسارة السلطة
يمكن تلخيص التجربة في معادلة واضحة:
ما نجحت فيه IDEA ما لم تستطع تجاوزه
رفع الوعي المؤسسي سيطرة القوة المسلحة على القرار
توفير بدائل دستورية واضحة غياب نفاذ عملي للمجتمع الأوسع
تدريب قيادات مدنية جديدة غياب الدولة الحاضنة للمشروع المؤسسي
لم تفشل المنظمة — بل فشل السياق السياسي.
الديمقراطية لا تُكتب فقط.. بل تُحمى
أنتجت الثورة السودانية عقلًا سياسيًا جديدًا، ونماذجًا فكرية متقدمة لبناء دولة حديثة.
لكن هذه الثمار واجهت واقعًا تحكمه القوة وتعيد صياغته الحرب.

ما قدمته IDEA سيظل أرشيفًا مؤسسًا يمكن العودة إليه يوم تعود الدولة.
لكن الدرس الأكبر يبقى -لا ديمقراطية بلا احتكار شرعي للسلاح.
ولا دولة بلا مؤسسات تتقدم على الأفراد.

وفي السودان اليوم، لا يزال الصراع قائمًا بين الفكرة والسلاح — بين عقل يريد بناء الدولة، وقوة تريد امتلاكها.

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

سجالات الفشل المدني- هل سقطت التجربة في السودان أم تم إعدامها؟

زهير عثمان واقعية سياسية أم شعبوية ثأرية؟ثمة مقولة جاهزة تُلقى اليوم في وجه أي محاولة …