العلاقة بين الراوي وحكاياته

هل فكرت يومًا، وأنت تقرأ قصة أو رواية، في نوعية العلاقة بين الكاتب وشخصيات عمله؟ كيف تبدو تلك العلاقة؟ وكيف تعيش أنت في حلقة تلك الشخصيات، فتصبح واحدًا منها، وتفعل ما تفعل، خيرًا كان أم شرًا؟ وهنا تكمن عبقرية الكاتب الذي يجبرك على أن تعيش هذا الدور.

تأملات كاتب قصة قصيرة:
ما شجعني على كتابة هذا النص هو مشاركتي في حوار جاد على إحدى المنصات الاجتماعية، حيث أُثير سؤال مهم عن الراوي وموقعه داخل العمل السردي الذي ينتجه: هل الراوي مجرد أداة فنية؟ أم هو امتداد مباشر للكاتب نفسه؟ وهل من الممكن للكاتب أن يختفي فعلًا خلف نصه، أم أن حضوره يظل قائمًا مهما حاول الابتعاد؟

في اعتقادي، أن هذا السؤال ليس نظريًا فقط، بل يلامس جوهر تجربة كل من يكتب الحكاية. وأنا هنا أكتب من تجربتي ككاتب قصة قصيرة، ومن رؤيتي الخاصة أرى أن الكاتب يجب أن يكون موجودًا في كل عمل يكتبه، حتى وإن حاول أن يختبئ. فحين أشرع في الكتابة، لا أكون مجرد مراقب للأحداث، بل لا بد أن أدخل إلى ذلك العالم السردي بالكامل، وعندها أنفصل عن الواقع الخارجي، وأصبح جزءًا أساسيًا من القصة نفسها. وعليَّ أن أقود كل الأحداث، وبعبارة أخرى يصبح هذا هو عالمي. في تلك اللحظة، لا أعود شخصًا يصف ما يحدث، بل أتحول إلى صانع للمشهد، ومالك لنبض الحكاية. لكن هذا الحضور – وهو شرط أساسي في العمل الروائي – لا يسمح للكاتب أن يظهر باسمه أو بصوته المباشر؛ بل يظهر من خلال الراوي.

الراوي… صوت النص لا صوت الكاتب:

يجب علينا أن ندرك أن الراوي ليس هو الكاتب، لكنه أيضًا ليس كائنًا مستقلاً عنه تمامًا. إنه ذلك الصوت الذي يختاره الكاتب ليحكي من خلاله، إنه الزاوية التي يرى منها العالم، والعدسة التي يمر عبرها السرد. وقد يكون ذلك الراوي عالمًا بكل شيء، أو محدود المعرفة، أو شاهدًا على الأحداث، أو جزءًا منها. لكن في كل الحالات، يبقى الراوي بناءً فنيًا صنعه الكاتب بوعي، واختار حدوده بعناية. لذلك، حتى حين يبدو الراوي حياديًا، يظل الكاتب حاضرًا في اختياراته: في ما يُقال، وفي ما يُحذف، وفي اللحظات التي يسلط عليها الضوء أو يتركها في الظل.

الكاتب بين السيطرة والإنصات:

في تصوري، أن القاص أو الروائي هو المحرك الأساسي لكل الشخصيات. هو الذي يبني العالم المحكي ويهدمه، وعليه أن يفتح الأبواب ويغلقها، ويحدد مصائر الأبطال. لكنه في الوقت نفسه ليس حاكمًا مطلقًا. وهناك أمر مهم لابد من الإشارة إليه، وهو أن الكتابة الحقيقية تفرض على الكاتب نوعًا من الإنصات.

فالشخصية الجيدة، حين تُبنى بإخلاص، تبدأ في امتلاك منطقها الخاص، وتدفع الكاتب أحيانًا إلى مسارات لم يكن قد خطط لها بالكامل. هنا تظهر مهارة القاص: أن يوازن بين سيطرته على النص واحترامه للمنطق الداخلي للشخصيات. الكاتب في حقيقة الأمر لا يجُرّ شخصياته قسرًا، بل يقودها ضمن حدود العالم الذي خلقه.

الانفصال الذي يخلق القرب:

قد يبدو غريبًا أن الكاتب يحتاج إلى الانفصال عن العالم ليصبح أقرب إلى قصته، لكن هذه هي مفارقة الكتابة. فحين يكتب القاص، ينسحب من ضجيج الواقع ليصنع واقعًا آخر، يعيش فيه داخله مؤقتًا.

هذا الانفصال لا يعني الهروب، بل التركيز الكامل. هو اللحظة التي يصبح فيها الكاتب هو الراوي، والشخصيات، والمشهد، والزمن، في آنٍ واحد. لكن رغم هذا الاندماج، يبقى هناك جزء صغير من الكاتب يقف خارج النص، يراقب البناء، يضبط الإيقاع، ويحافظ على تماسك الحكاية.

أصول الكتابة المحكية:
مهما كانت حرية الكاتب واسعة، فإنها تظل محكومة بأصول السرد. فالكتابة المحكية ليست فوضى عاطفية، بل بناء دقيق يجب أن يقوم على الآتي:

· وضوح موقع الراوي وزاوية الرؤية.
· اتساق الصوت السردي.
· احترام منطق الزمن والأحداث.
· صدق الحوار.
· الانسجام الداخلي للشخصيات.

فعندما يختل أحد هذه العناصر، يفقد النص توازنه، ويشعر القارئ بأن الراوي لم يعد يعرف من أين يتكلم.

في القصة القصيرة تحديدًا، ربما يكون حضور الكاتب أكثر كثافة من غيرها، لأن هذا الفن لا يحتمل الثرثرة. كل جملة فيه يجب أن تؤدي وظيفة، وكل حركة للراوي تُحدث أثرًا مباشرًا. ولهذا، فإن بصمة الكاتب تظهر بوضوح: في الإيقاع، وفي الصمت بين الجمل، وفي النهاية التي تترك القارئ أمام سؤال مفتوح. فالقارئ شريك فعلي للكاتب، ومن حقه أن يشارك فيما يقرأ.

خلاصة:
الكاتب موجود في كل عمل يكتبه، لكنه لا يظهر بصورته المباشرة، بل يتجلّى عبر الراوي الذي يصنعه. هو المحرك الأساسي للعالم السردي، لكنه يظل ملتزمًا بمنطق الفن، وبأصول الكتابة المحكية التي تمنح النص صدقه وحياته. فالراوي، في النهاية، ليس سوى قناع جميل… لكن اليد التي تحرّكه تظل يد الكاتب.

عثمان يوسف خليل

osmanyousif1@icloud.com

عن عثمان يوسف خليل

عثمان يوسف خليل

شاهد أيضاً

أهمية الكتابة باليد (2)

في الجزء الاول هذه السلسلة كنا قد تحدثنا عن الفرق بين الكتابة باليد والكتابة على …