lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
منذ استقلال السودان في عام 1956 ظلّت العلاقة بين المركز والهامش قضية مركزية تحدّد شكل الدولة، وتفسّر الكثير من الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفها السودان. هذه العلاقة لم تكن مجرد تفاوت جغرافي أو اقتصادي بل هي نتاج لتاريخ طويل من التهميش السياسي والثقافي، حيث ظل المركز – المتمثل في العاصمة والمناطق الحضرية الكبرى – يحتكر السلطة والثروة، بينما بقيت أطراف البلاد محرومة من التنمية والخدمات والتمثيل السياسي العادل. هذا الواقع جعل سؤال العلاقة بين المركز والهامش سؤالاً دائماً في النقاش العام السوداني، وأدى إلى بروز العديد من الحركات الاحتجاجية والمسلحة التي تحاول كسر احتكار المركز للسلطة والثروة. تكوّنت الدولة السودانية الحديثة في ظل الاستعمار الإنجليزي–المصري على أسس إدارية وإقليمية زرعت بذور التفاوت بين الشمال والجنوب، وبين المناطق الحضرية والأرياف. بعد الاستقلال ورثت الحكومات الوطنية نفس البنية الإدارية والاقتصادية، بل أحياناً زادت من حدة التهميش من خلال تركيز التنمية والخدمات في الخرطوم والولايات الشمالية. ومع مرور العقود، تحولت هذه التفاوتات إلى شعور جماعي بالظلم وعدم المساواة، ما غذّى النزاعات المسلحة والتمردات الإقليمية. في التصور التقليدي، يُنظر إلى المركز باعتباره الجهة التي تحتكر السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية. فالقوانين والقرارات تصدر من الخرطوم، والوظائف العليا في الدولة غالباً يشغلها أشخاص من مناطق بعينها، فيما يتم توجيه الاستثمارات العامة إلى العاصمة على حساب الأطراف. هذا التمركز الشديد للسلطة أدّى إلى غياب صوت الأطراف في رسم السياسات الوطنية، وإلى شعور عميق بالاغتراب داخل الدولة نفسها. في المقابل، لم يكن الهامش مجرد موقع جغرافي، بل هو فضاء اجتماعي وثقافي يعكس التعدد العرقي واللغوي والديني. هذا التعدد تم التعامل معه تاريخياً بمنطق الإقصاء بدلاً من الشراكة. ومع تراكم المظالم، تحوّل الهامش إلى مجال مقاومة، حيث نشأت حركات مسلحة وحركات مطلبية تطالب بالعدالة وتقاسم السلطة والثروة. هذه الحركات، رغم اختلاف شعاراتها، تتفق على أن المشكلة الأساسية تكمن في شكل الدولة المركزية الموروثة. تغيّرت الحكومات في السودان بين مدنية وعسكرية، لكن القاسم المشترك بينها هو استمرار نموذج الدولة المركزية الأحادية. لم تنجح النخب الحاكمة في صياغة مشروع وطني جامع يراعي التعدد الإقليمي والثقافي. بل أحياناً تم استخدام خطاب ديني أو قومي لإقصاء الآخرين، ما أدى إلى تفاقم الصراع الأهلي. هذا الفشل البنيوي يطرح سؤالاً عن جدوى استمرار نموذج الدولة الحالي دون إصلاح جذري. إعادة تعريف الدولة السودانية يعني الانتقال من نموذج الدولة المركزية الأحادية إلى دولة لا مركزية أو فيدرالية حقيقية تقوم على توزيع السلطة والثروة بشكل عادل. هذا لا يعني بالضرورة تفكيك السودان بل إعادة صياغته على أسس جديدة عبر الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي في الدستور والقوانين، وتوزيع عادل للموارد والثروات بين الأقاليم وفق احتياجات السكان، وتمكين الحكم المحلي بمنح سلطات تنفيذية وتشريعية حقيقية للولايات والأقاليم، وتوسيع المشاركة السياسية بحيث تمثل الأطراف في مؤسسات الدولة بفعالية. مع ذلك هناك عدة عقبات أمام هذا التحول مثل مقاومة النخب المستفيدة من المركزية، وهشاشة المؤسسات الإدارية وضعف البنية التحتية في الأقاليم، وانعدام الثقة بين المكونات السودانية بسبب تاريخ طويل من الحروب والصراعات، والخوف من أن تؤدي الفيدرالية أو الحكم الذاتي إلى تفكك الدولة بدلاً من إصلاحها. رغم هذه التحديات يبقى الأمل قائماً في أن تؤدي عملية السلام الشامل والتحولات الديمقراطية إلى فتح نقاش وطني واسع حول إعادة تعريف الدولة السودانية. هذا النقاش ينبغي أن يشارك فيه الجميع: قوى سياسية، حركات مسلحة، منظمات مجتمع مدني، ومثقفون، حتى يتم الوصول إلى صيغة عادلة تضمن وحدة السودان على أسس جديدة من العدالة والمواطنة المتساوية. إن العلاقة بين المركز والهامش في السودان ليست قدراً محتوماً بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية يمكن مراجعتها. والسؤال “هل حان وقت إعادة تعريف الدولة السودانية؟” ليس سؤالاً نظرياً، بل هو سؤال عملي يتوقف عليه مستقبل البلاد ووحدتها واستقرارها. إعادة تعريف الدولة السودانية وفق رؤية لا مركزية عادلة قد يكون هو الطريق الوحيد لتجاوز الحروب وبناء وطن يسع الجميع.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم