مختار العوض موسى
mokhtaralawad@gmail.com
ماذا تعني موافقة مجلس الأمن والدفاع على عودة السودان إلى الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» بعد عامين من تعليق عضويته؟
هل تمثل هذه الخطوة تحولًا في السياسة الرسمية للخرطوم؟ وإلى أي مدى يمكن أن تسهم في إعادة البلاد إلى طاولة التنسيق الإقليمي في شرق أفريقيا؟ وهل ستكون لها انعكاسات إيجابية على إنهاء التوترات السياسية والدبلوماسية التي أفرزتها الحرب؟
عودة في توقيت حساس
لا تبدو هذه الخطوة بروتوكولية فحسب، بل تحمل أبعادًا مفصلية؛ إذ جاءت في توقيت دقيق، متزامنة مع اقتراب انفراج العمليات العسكرية، وتحمل في طياتها معاني عملية ودلالات سياسية ودبلوماسية متعددة، خاصة في ظل تعقيدات المشهد السوداني الراهن.
ويمكن النظر إليها كتحرك يعزّز فتح قنوات التواصل مع دول الجوار بعد فترة من القطيعة والتوتر.
الإيغاد: منظمة لا يمكن تجاوزها
ورغم الانتقادات التي وُجهت إلى الإيغاد خلال السنوات الماضية، فإن العودة إليها تمثل إقرارًا ضمنيًا باستحالة تجاوزها في القضايا المتعلقة بالسودان، بوصفها حلقة وصل بين الإقليم والمجتمع الدولي.
تسهم العودة إلى المنظمة في تحسين صورة السودان كطرف «متعاون»، ما قد يخفّف من حدة الضغوط السياسية والعقوبات غير المعلنة، ويبعث برسائل تطمين للإقليم حول التزام الخرطوم بالتنسيق الأمني ومنع تمدد الصراع إلى دول الجوار، خاصة جنوب السودان وتشاد وإثيوبيا.
تكتيك دبلوماسي لا يمس المسار العسكري
ويمكن تفسير هذا التوجه باعتباره تكتيكًا دبلوماسيًا يهدف إلى تخفيف حدة الخطاب المتشنج، والتحول من لغة المواجهة إلى خطاب أكثر عقلانية وبراغماتية، يتماشى مع الحراك الإقليمي والدولي الساعي لإنهاء الأزمة، دون أن يكون لذلك أي تأثير مباشر على سير العمليات العسكرية على الأرض.
منصة للتأثير بدل العزلة
لعل أبرز المكاسب المحتملة من العودة إلى الإيغاد هو إتاحة الفرصة أمام الدبلوماسية السودانية للتأثير في توجهات المنظمة، بدل ترك الساحة خالية لمبادرات قد لا تتوافق مع المصالح الوطنية.
فالبقاء داخل المنظمة يمنح السودان منبرًا للتعبير عن مواقفه والدفاع عن رؤاه، بدل أن يُتخذ القرار بشأنه في غيابه، كما يعزز حضوره في ملفات تمس أمنه القومي مباشرة.
التنسيق الأمني والملفات العابرة للحدود
كما يتيح هذا الانخراط آليات للتنسيق الأمني والاستخباراتي في قضايا الجماعات العابرة للحدود، وانتشار السلاح، والنزوح، وأمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فضلًا عن التأثير في أجندة الوساطة الإقليمية، بما يمنع تمرير مبادرات أو تسويات لا تصب في مصلحة السودان السياسية والأمنية.
بين تقليص العزلة وحسن توظيف الفرصة
وفي حين يرى بعض المراقبين أن هذه الخطوة تقلل من عزلة البلاد وتحد من خسائرها الإقليمية والدولية، يعتقد آخرون أن فائدتها الحقيقية مرهونة بقدرة الخرطوم على توظيفها بذكاء، لاستعادة هامش المناورة في لحظة حرجة، مع توجيه رسالة إيجابية للمجتمع الدولي بأن شؤون السودان ينبغي أن تُدار داخل الإقليم، لا من خارجه.
البعد الإنساني والاقتصادي
ولا يمكن إغفال الدور الذي يمكن أن تلعبه الإيغاد في تسهيل انسياب المساعدات الإنسانية للنازحين.
اقتصاديًا، فإن ملفات الربط الكهربائي، والتجارة البينية العابرة للحدود، ومشروعات التكامل الإقليمي، تمر عبر الإيغاد أو تُنسق من خلالها.
لكن تبقى العودة بحاجة إلى حسابات دقيقة، لا عاطفية، ولا قائمة على التنازل، إذ إن الانخراط غير المشروط قد يشرعن مسارات تفاوض غير متوازنة تُضعف القرار السيادي.
إشكالية الحياد الإقليمي
ولا بد من التذكير بأن بعض دول الإيغاد ليست أطرافًا محايدة في الأزمة السودانية، ولديها أجندات مباشرة أو غير مباشرة تسهم في إطالة أمد الصراع، وهنا تبرز أهمية الحنكة الدبلوماسية السودانية في تفويت فرص الأطماع الإقليمية.
هل تشرعن العودة وضع الدعم السريع؟
ويظل السؤال الأكثر حساسية: إلى أي مدى يمكن أن تُفهم هذه العودة باعتبارها تشريعًا لبقاء قوات الدعم السريع كقوة عسكرية مستقلة؟
سياسيًا، قد يُستغل الأمر أو يُفسر بهذه الطريقة، لكن من الناحية القانونية، فإن الإيغاد منظمة إقليمية للوساطة وحل النزاعات، ولا تمتلك سلطة تمنح «شرعية عسكرية» لأي طرف داخل دولة عضو.
التعامل مع الدعم السريع في إطار وساطة لا يعني الاعتراف بشرعيته، بل هو تعامل واقعي مع قوة موجودة على الأرض بهدف إيقاف الحرب. غير أن الخطر يكمن في غياب موقف سوداني صارم يحدد خطوطًا حمراء واضحة، تؤكد أن أي عملية سياسية يجب أن تنتهي بتفكيك كل المليشيات ودمجها في جيش وطني واحد، وفق جداول زمنية ملزمة.
بين الجسر والقيد
في المحصلة، ليست الإيغاد في حد ذاتها خطرًا أو ضمانة، بل أداة.
فقد تكون جسرًا للخروج من الأزمة، كما قد تتحول إلى قيد جديد إذا غابت الرؤية الوطنية الواضحة.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستكون هذه العودة شكلية أم مصحوبة بانخراط فعلي مشروط؟ وهل تعكس تحولًا استراتيجيًا في الدبلوماسية السودانية، أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي؟
الإجابة ستكشفها ممارسات الخرطوم الدبلوماسية في الأيام المقبلة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم