عندما يعجز الإنسان ان يضع نفسه في مأمن عن ما هو فيه بفعل خارج عن ارادته ، يرضى بواقعه منكسراً ولسان حاله يردد ( بجبرك على المر الأمر منه ) .
اغلب المواطنون الذين عادوا إلى الخرطوم عادوا اليها مكرهين لا راغبين ، ( مكره اخاك فلساً ،لا بطل ) .
لم تخدعهم دعوات العودة المغشوشة ، ولا حفلات شواء اهل النفاق التي يعرضونها على منابر الوسائط، ولا تجول وزير ( اللايفات ) في اسواق بيع خراف الأضاحي يسب ويتحدى المدنيين ، ولا رحلة نساء المسؤولين والمنتفعين التي غُلفت بادعاء اللهفة والشوق لارض النيلين، ولا ترميمات لجنة إبراهيم جابر لبعض مقار مؤسسات الدولة الشائهة رغم ( التجيير ).
الذين عادوا للخرطوم لم تخدعهم جولات البرهان المصنوعة ، ولا جلبة غوغائين الميديا الهايفين، ولا بكاء النائحات المستأجرات امام سياج يحوي رفاة جثث تعفنت ثم دفنت تحت مسمى راية حرب الكرامة، في يوم ندامة كل السودان .
عاد بعض المواطنين للخرطوم رغم عين يقينهم ان الخرطوم التي يعرفوها خرجت ولم تعد بعد ، عادوا اليها وهم يعلمون ان امان الخرطوم اثر بعد عين ، ومعيشة الخرطوم سراب بقيعة لم يفكر فيه الظمآن أصلا ، عادوا اليها وهم يعلمون كيف مات الطبيب في عيادته ، وكيف يسلب الناس على قارعة الطريق وفي وضح النهار .
لم يكن الذين عادوا للخرطوم قد عادوا بمحض ارادتهم ، ولكن جبرتهم على جحيم الخرطوم فاقة المسغبة والعدم بعد ان نضب معين ما كان معهم في بلدان لا ترحم ، وعوالم لا مكان فيها لمن لا يملك .
عاد البعض إلى الخرطوم لان مرهم جبرهم على مرارة وقساوة الخرطوم ولسان حالهم يقول ( موت لموت اخير نموت في بيوتنا )
الخرطوم بوضعها الحالي لا تصلح للسكن الادمي ، ولكن هل للآدمي خيار ثان ٍ حتى يبتغيه.
الموت بفعل فاعل في الخرطوم اقرب للعائد المغلوب على امره من شراك نعله ، والجوع بسبب الغلاء الطاحن يطوقه تطويق الخاتم للمعصم ، والمرض المشاع في ظل انحسار وغلاء المشافي والتطبيب امر لا يسع الحديث عنه المكان ، والحكومة ساهية ولاهية تمارس الخداع وتتوسد الفشل ،( هو في حكومة أصلا).
من عاد للخرطوم كاذب ان قال قد حمله اليها الشوق ، لقد جبرته على العودة الظروف ، والظروف هنا لم تكن حلوة حتى تصل بصاحبها لعيون الخرطوم ، لان الخرطوم الان بلا عيون ، وبلا ملامح سوى الدموع والموت والخذلان .
من يملكون قوت عامهم من حق الايجار لن يعودوا للخرطوم ، فقط عاد اليها المعدمين وتجار الازمات ، واصحاب المصالح من اهل اللصوصية وسرق عافية الوطن .
كاذب من يقول عاد إلى الخرطوم لان دعايات دعوات العودة الكذوبة خدعته ، دعوات العودة الكذوبة واظهار المحسنات وحفلات الشواء ، وجلسات مطاعم السمك، لم تخدع احد، ووجوه الناس الشاحبة، البارزة العظام وعيونهم الناصلة الأهداب، المتساقطة الرموش ، التي تلتقطها كاميرات المصورين على طرقات الخرطوم تهزم مصداقية عافية الخرطوم .
كل الذين عادوا إلى الخرطوم كانوا يعلمون ان الخرطوم ما زالت مفجوعة ، والمظاهر التحسينية فيها مصنوعة ، وان الحياة فيها مُرة ولكنهم مجبورين على مرها لعدمهم وزمان هجرتهم مسغبة .
ستعود الخرطوم عندما تعود البنادق إلى مخازنها ، والعساكر إلى ثكناتها ، والظلاميين إلى أوكارهم ، وليت ذلك يحدث قبل سقوط الأبيض .
جمال الصديق الامام
المحامي ،،،
elseddig49@gmail.com
