الغابة أو الصحراء

بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com

مشهد يكسّر أُطر الخيال إذ يتعطّل الدماغ والعين تغالب الواقع حينما تبدو غابة الخرطوم صحراء بلقعا .كأنما عنتها الشاعرة السعودية هند النزاري حين قالت (طار النورس عن شاطئها. وانكسرت أمواج الشجن)فكيف جرى احتطاب دغل مساحته ألف وخمسمائة هكتار ؟ من هم هؤلا الكفرة الفجرة اللصوص الحطبة؟ بل كيف نامت أعين الحراس عن هذه الجريمة النكراء ؟ثم لِم لَم تهددهم البنادق (والأيام مهدية)؟ حتى أنجزوا خرابا يستنزف الكثير من التدبير ومثله من الجهد وضعفهما من الزمن؟ يا لهذا التواطؤ والتآمر .هذا ليس اعتداء على الوطن فقط بل شاهدٌ على سطحية الانتماء .بل غياب هذا الشعور الفطري.بما أن احتطاب الغابة جرى ارتكابها أيام الحرب القذرة فهو شاهد على اننا نتقاتل على السلطة ولا نقاتل من أجل الوطن .إنها خطيئتنا الكبرى بل جريمتنا العظمى زمن السلم والحرب. إذ شاغلنا السياسي العام الدولة وليس الوطن . غاياتنا جني الأموال ليس إنماء الموار د .من أجل ذلك لا نأبه بما نهدر !!!
هؤلاء القتلة أعداء الحياة لا يعنيهم تدمير ألف وخمسمائة هكتار من الغطاء الأخضر . غابة تشكل وسماً ربانيا يزيد ملتقى النيلين البهي فتنة وجمالا . مأوى للعصافير والطيور المستوطِنة -منها أسراب نادرة – متباينة المناقير والريش المزوّق . محطةٌ للطيور المهاجرة عابرة القارات في رحلاتها الموسمية. لذلك ضُمِّنت قاموس المحميات الطبيعية العالمي في العام 1939 . هم لا يدركون معنى(رئة الخرطوم) لأنهم لا يعرفون إيقاع الحياة في العاصمة . المنظمة الدولية فقدت هيبة الانصياع إليها ،بما في ذلك برنامج الأمم المتحدة للبيئة . رغم أنه حقق تقدما في الإبقاء على الغابات ضمن أولوياته حفاظا على التوازن البيئ و التنوع البيولوجي . هم بالطبع لا يهتمون لعلاقة المد و الانحسار بين النهر والشجر . ما بينهم من يعلم أبعاد ووقع الحكمة القائلة (بحر أبيض لا موج لا عرق)مع انها تطابقهم تمامًا. لذلك تحولت غابة الجمال إلى بلقع من الحزن جافاها الفرح و أرهق مشهدها البصر !!!
من ضمن ما عرّت هذه الحرب الرعناء من سوأتنا المخزية حد البكاء غياب مفهوم الوطن مع طغيان حضور الدولة . فالاصطراع الأعمى بالسلاح والنار كله على الدولة واهبة المناصب ، الامتيازات والثراء .لكن مفهوم ،الوطن، بما ينطوي عليه من انتماء يبث الفخار و رومانسية تفتّق الروح وتلهم الغناء ليس وارداً . على النقيض ففي خضم الافتتان بحب الدولة تلتهم الحرب كنوز الوطن ومكتنزاته . من أجل غنائم الدولة يقدم المتقاتلون السفلة الوطن بخيراته غنيمة للنار و الآخرين . الحافز في الحالتين حلف مدنّس بالخيانة من أجل أحتكار السلطة .قبل الحرب وفي ظل دخانها يغلب على الخطاب السياسي المتداول إصلاح الدولة حتى تصبح (مرآة يرى الجميع وجوههم عليها).كأنما سلسلة الامتيازات هي الحبل السري لشد أواصر الوحدة الوطنية . مامن خطاب يكرّس مفهوم الوطن صحناً يجمع الجميع أو يجتمعون في رحابه على نحو يموسق الفسيفساء القبلية .
محاولات منح الحرب شرعية سياسية بالارتكاز على الفجوة بين المركز والهامش لا تخرج عن نفق الصراع على السلطة .فالحرب لم تدمر فقط المركز ،بل زادت بؤس الهامش اتساعا وعمقًا. قبل ذلك فإن رافعي السخط على دعة المركز هربوا من مجرد التواجد في هامش الشقاء إلى المركز الملعون . لهذا لامعنى لانتقادهم على عجزهم لطرح بدائل انعاش أهل الهامش دون هجاء جماعة المركز . فامتيازات الدولة تظل محور (نضالهم ) ولو بلغ رفع السلاح و اشعال النار في قلب الوطن و جنباته . عندما يستشري الجهل في غياب الروح الوطنية تتأجج نوازع الشر الأعمى .هكذا لم يخسر الوطن فقط مقار مؤسسات الدولة.بل جرى حرق ونهب مراكز ذاكرته التاريخية والثقافية و التنويرية.لهذا قد لا يبدو احتطاب الغابة مصدرا للدهشة. لكن تركها بلقعاً مسألة فوق الاحتمال مثلما هي فوق الخيال. إلقاء وزر الجريمة على الميليشيا هروب من مسؤولية حماية الغابة مثلما تم التنصل عن حماية الوطن مجسداً في منازل العائلات .كلهم يريدون التهام امتيازات الدولة رغدا حيث شاءوا أو فليصبح الوطن كله صحراء بلقع .
الخروج من الأزمة لن يتم دون حفر البعد الوطني مسارا لتحرير العقل السياسي من قصور الرؤى و الأنانية الراهنة . تلك هي الخطوات الأولية على درب استبدال الصراع على مصالح الوطن العليا بالاصطراع على امتازات الدولة .هذا هو دربٌ شدِ عصب الوحدة الوطنية بقناعات العيش المشترك .هو طريق يستوجب تقديم تنازلات ودفع اقساط واجبة السداد .التجربة القاسية الماثلة المعيشة تثبت فشل العنف مهما تعاظم في تحقيق استقرار الدولة . فأي الأطراف انتصر في هذه الحرب الخاسرة سيخوض حتما معركة سياسيه لاحقا لن يربحها بالسلاح . الدولة المرتقبة لن تُبنى في فراغ مثلما لن تخرج من بين الانقاض . العمق الوطني هو وحده قاعدة استقرار الدولة. لا استقرار لا يستند إلى السلام .لا سلام لا يقوم على العدل .تلك أبجديات تكريس الروح الوطنية .تلك مداميك بناء الدولة في وطن التعايش السلمي بعيدا عن الخراب ، الدمار والاحتطاب .فمن أجل الدولة يحتطب هولاء الشجر والحجر و الغابة .شعارهم إما احتكار بالدولة أو نجعل الوطن غابة صحراء بلقع .

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

لعنة الجيل الثاني السوداني

بقلم عمر العمرنقلا عن العربي الجديدaloomar@gmail.com الجيل الثاني إن صح التصنيف – من قيادات التيار …