(خوفي من مطراً بشقّ
كل الأمان الفي البيوت
الشايلا حيلا تعب تعب
خوفي تتهدّم عزيمة
المتعبين الكادحين
الجرّو انفاسهم
وكِت شافوا السُحب
يا غيث أمان الله عليك
انزل علينا رُطَبْ رُطَبْ
أو صُبْ كما راد الله ليك
والجاية من ربّ العباد
نلقاها بي صدراً رحِبْ).
ــ محمد الحسن سالم حُمّيد
*
النيل… جدّ السودانيين العجوز الذي آخى ممالك تنهض وتنهار، قرّر مُجدّداً، أن يخلع جلباب الحكمة ويلبس عباءة الغضب. مياهه تدفقت، مناسيب السدود ارتفعت، والسيول غمرت أراضي ست ولايات.
بدا السودان كلّه مدينة واحدة، تستيقظ على إيقاع طبول خفية، طبول تقول: إن الغرق ليس بعيداً.. إنه يتهيأ عند الباب.
في الخرطوم، اجتمع المهندسون في غرف الطوارئ، يحدّقون في دروب المياه كمن يقرؤون طالعاً قاتماً. بدوا مثل محاربين أشدّاء يواجهون عدواً لا يطلق الرصاص ولا يزرع الألغام، بل يغمر الحقول ويفكك البيوت. الفنيون غير الحزبيين في وزارة الزراعة والري، رغم شُحّ الإمكانات، أدّوا عملهم بصمت وجدية، كجنود مجهولين في بلدٍ تبتلع ميزانياته آلة الحرب أو جيوب الكيزان اللصوص.
الأرصاد الجوية رفعت راية التحذير البرتقالية. الدفاع المدني نصب نقاط مراقبة على طول الشواطئ. الجميع ينتظر المطر القادم، كمن ينتظر قصفاً جوياً لا يعرف متى ولا أين سيسقط. المشهد بدا كمعركة بلا دخان، بين شعب أنهكته الحروب والنزوح، ونهرٍ يطالب بحصته من التضحية.
الوزارة تعد بأن المياه ستتراجع خلال أيام. لكن السودانيين، الذين يطالعون النيل بعين القلب، يعرفون أن «الماء إذا غضب صار سيفاً». وأن النيل حين يفيض لا يغيّر الجغرافيا فقط، بل يجرّح الذاكرة ويمتحن الصبر.
في الصورة الكبرى، يبدو المشهد سينمائياً للغاية: بيوت طينية تنهار كأنها من ورق، أطفال يتشبثون بأكتاف أمهاتهم، مزارع يغمرها الموج الأول فيغدو القطن حزناً والذرة ذكريات. وعند «سد مروي»، المهندسون يضبطون البوابات بأيدٍ مرتجفة، يخشون أن يفلت من أصابعهم خيط التوازن، فيتحول الانسياب إلى اجتياح.
وبينما البلد يغرق، كان رئيس الحكومة كامل إدريس يتراقص في شوارع بورتسودان الآمنة، عائداً من نيويورك كفاتحٍ من زمنٍ بئيس. احتفل بعودته، في ظنه وظنّ من أرسلوه أنّه عاد بانتصار، فيما وطنه يتفتّت تحت الطوفان. أما وزير إعلامه، الصبيّ المتهافت، الأعيسر، فلم يجد ما يستحق مؤتمراً صحافياً سوى الردّ على من سخروا منه لأنه انشغل بالتصوير بهاتفه الأرجواني خلال جلسة الأمم المتحدة! مشهد تافه وسط مأساة، يكشف خواء سلطة لا ترى في الغرق سوى مناسبة لمكابرة جديدة.
الفيضانات في السودان ليست حدثاً طارئاً أو جديدا. إنها امتحان متكرّر يعيد تذكير هذا البلد المنهك بأن حياته معلقة بين السماء والأرض. في الأعوام الماضية، قتلت السيول المئات وشرّدت الآلاف. واليوم، يتساءل الناس: ماذا لو تواصلت دورة «الغضب المناخي»؟ ماذا لو تحوّل النيل، رمز الهوية وبوابة الخلود، إلى سيفٍ مائي يقطع الشرايين ويغرق المدن؟
إنها لحظة مأساوية، لكنها أيضاً فلسفية. فالغرق هنا ليس مجرد ارتفاع في المنسوب، بل هو استعارة لوطنٍ يعيش منذ عقود بين الطوفان والجفاف، بين السدود التي تُبنى بلا تنسيق، والحكومات التي تستنفر دائماً متأخرة، وبين طبيعةٍ تتبدّل ملامحها بفعل التغير المناخي.
السودان، وهو يقف اليوم، كما وقف من قبل، مصادماً للفيضان، يواجه سؤالاً وجودياً: هل يمكن لشعبٍ أنهكه الصراع أن يجد في مقارعة الطبيعة فرصة لاستعادة عقده الممزق مع الأرض والنهر؟ أم أنّ الطوفان سيبقى الوجه الآخر لأزماته، وصورته الأصدق في مرآة العالم؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم