الفئران تموت أولًا… حين تُرسل البيئة إنذارها الأخير

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
د. أحمد التيجاني سيد أحمد٢٧ يناير ٢٠٢٦ روما ايطاليا
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

ليس نفوق الفئران في ولايتي الجزيرة ونهر النيل حدثًا عابرًا، ولا تفصيلًا بيئيًا هامشيًا يمكن تجاوزه في زحمة الحرب والسياسة. ما نشهده اليوم هو إشارة إنذار كلاسيكية في علم الأوبئة البيئية، تلك الإشارات التي طالما سبقت كوارث صحية كبرى في تاريخ المجتمعات البشرية. حين تبدأ كائنات الهامش البيئي في الموت، فإن السؤال لا يكون عن سبب موتها فقط، بل عمّا أصاب النظام الذي كانت تعيش داخله.

في مقاله المنشور بصحيفة التنوير الإلكترونية بتاريخ ٢٦ يناير ٢٠٢٦، يقدّم بروفيسور سيف الدين عبد الرحمن قراءة علمية رصينة لظاهرة نفوق الفئران، واضعًا إياها في سياقها الصحيح. الفئران هنا ليست موضوع المقال بقدر ما هي لغة تحذير، ورسالة مبكرة عن اختلالات عميقة في البيئة، والصحة العامة، ووظائف الدولة.

١. الفئران ككائنات إنذار مبكر (Sentinel Species)

في علم الصحة العامة والوبائيات البيئية، تُصنّف بعض الكائنات الحية باعتبارها «كائنات إنذار مبكر». هذه الكائنات تتأثر بالسموم والأوبئة قبل الإنسان، ولذلك تُستخدم كمؤشر على الخطر القادم.

علميًا، يُعرف الطاعون بأنه مرض بكتيري تسببه بكتيريا Yersinia pestis، وتعيش هذه البكتيريا طبيعيًا في مستودعات حيوانية، على رأسها القوارض. وقد بيّنت التجارب التاريخية أن النفوق المفاجئ وغير المعتاد للفئران غالبًا ما يسبق تفشي الأوبئة، أو يدل على تلوث كيميائي، أو انهيار في منظومات المياه والصرف الصحي.

٢. من الذاكرة إلى الواقع: حلفا الجديدة مثالًا

ما يجعل النقاش اليوم أكثر خطورة ليس غياب المعرفة العلمية، بل غياب الدولة القادرة على تحويل المعرفة إلى فعل.

من تجربتي الشخصية في قرى الإسكان بحلفا الجديدة في ستينات القرن الماضي، أتذكّر كيف كانت إدارة الوقاية تنفّذ حملات منظمة لمكافحة الفئران، باستخدام الوارفارين ضمن برامج علمية دقيقة، وتحت إشراف صحي صارم. كنا نعمل طلابًا في العطلات الصيفية ضمن تلك الحملات، وكان هناك وعي بأن مكافحة القوارض ليست مسألة نظافة فقط، بل مسألة صحة عامة وأمن مجتمعي.

تلك الحملات نجحت لأنها كانت جزءًا من منظومة: إدارة وقاية، مختبرات، متابعة ميدانية، وتواصل مع المجتمع. وكانت النتيجة واضحة: السيطرة على الظاهرة قبل أن تتحول إلى وباء.

٣. الجزيرة ونهر النيل: البيئة حين تُترك بلا حارس

اليوم، في ولايتي الجزيرة ونهر النيل، وعلى ضفاف الأنهار والترع، نشهد بيئة مثالية لتكاثر القوارض: مياه راكدة، نفايات متراكمة، انهيار خدمات الصرف الصحي، وغياب شبه كامل لأجهزة الرقابة البيئية.

في مثل هذا السياق، يصبح نفوق الفئران حدثًا بالغ الدلالة. فهو لا يشير فقط إلى خطر محتمل، بل يكشف أن النظام البيئي نفسه دخل مرحلة اختلال حاد، في ظل حرب دمّرت البنية التحتية، ودولة غائبة أو مختطفة.

٤. السودان اليوم: حين يصبح الإنذار صامتًا

يشير بروفيسور سيف الدين عبد الرحمن بوضوح إلى أن نفوق الفئران وحده لا يثبت وجود الطاعون بين البشر، وأن الجزم العلمي لا يتم إلا عبر فحوصات مخبرية دقيقة. هذه نقطة علمية جوهرية، لكنها لا تقلّل من خطورة المؤشر.

الخطر الحقيقي ليس في التهويل، بل في التجاهل. فالتاريخ الصحي يعلّمنا أن كثيرًا من الكوارث بدأت بإشارات صغيرة لم يُلتفت إليها في وقتها.

٥. الفئران ليست المشكلة… غياب الدولة هو المشكلة

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: ماذا يعني أن تموت كائنات الإنذار في بلد بلا مؤسسات فاعلة؟

نفوق الفئران هنا ليس سبب الأزمة، بل عرضٌ لانهيار بيئي، ومؤشر على تفكك منظومة الصحة العامة، وتحذير مبكر من أن الإنسان قد يكون التالي إذا استمر الإنكار والتجاهل.

٦. بين العلم والدين: الوقاية مسؤولية

يذكّرنا هذا النقاش بأن مبدأ الوقاية والعزل ليس غريبًا عن تراثنا، إذ ورد في الحديث الشريف: «إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا منها».

وهو توجيه ينسجم تمامًا مع أسس الصحة العامة الحديثة، ويؤكد أن الأخذ بالأسباب واجب علمي وأخلاقي، لا ترفًا ولا خيارًا مؤجلًا.

خاتمة

الفئران تموت أولًا… وحين لا نقرأ الرسالة، قد يأتي الدور على الإنسان.

ما يحدث اليوم في الجزيرة ونهر النيل ليس شأنًا بيئيًا معزولًا، بل جرس إنذار صحي وسياسي في بلد أنهكته الحرب، وتركته بلا دولة، وبلا وقاية، وبلا ذاكرة مؤسسية.

والسؤال لم يعد: هل هناك خطر؟ بل: هل ما زال هناك وقت للاستجابة؟

٧. لقطات حية… الفيديو الذي يثير الأسئلة

في مقطع فيديو متداول على موقع فيسبوك، منشور عبر حسابٍ عام ومشارك على نطاق واسع، يظهر مشهد صادم لنفوق أعداد كبيرة من الفئران على ضفاف نهر عطبرة. الفيديو لا يتضمن تعليقًا علميًا مباشرًا، لكنه يوثق بالصورة واقعًا مقلقًا لا يمكن تجاهله، ويعزز ما ورد في التحليلات العلمية حول نفوق القوارض كمؤشر إنذار مبكر.

الفيديو منشور عبر الرابط التالي:
https://www.facebook.com/share/v/1AbQmcriSD/

ويُظهر بوضوح انتشار الفئران النافقة بمحاذاة مجرى المياه، وهو ما يفتح تساؤلات جدية حول أسباب النفوق، سواء كانت مرتبطة بتلوث المياه، أو استخدام عشوائي لمبيدات سامة، أو انهيار منظومات الرقابة البيئية والصحية.

إدراج هذا التوثيق البصري لا يهدف إلى التهويل، بل إلى ربط التحليل النظري بالواقع الميداني، وإلى التأكيد على أن ما يجري لم يعد مجرد نقاش نخبوي، بل ظاهرة ملموسة يراها المواطن بعينه، في ظل غياب بيانات رسمية أو تقارير مخبرية منشورة حتى لحظة كتابة هذا المقال.

إن خطورة هذه المشاهد لا تكمن في الفئران ذاتها، بل في ما تمثله من اختلال بيئي وصحي أوسع، وفي الصمت المؤسسي الذي يحيط بها، وهو صمت قد تكون كلفته باهظة إن لم يُكسر بالتحقيق العلمي والاستجابة الوقائية العاجلة.

تجدر الإشارة إلى أن مقطع الفيديو المشار إليه في هذا القسم تم توثيقه ونشره بواسطة د. هبة المكي محمدين عبر حسابها على موقع فيسبوك، وتم تداوله لاحقًا على نطاق واسع. ويُذكر هذا الإسناد احترامًا لحق التوثيق، وتأكيدًا على أن المادة البصرية صادرة عن مصدر مُسمّى، وليس مجهول الهوية.

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

أحفاد الإمام المهدي والكاريزما المروّضة. ردّ على مقال د. الوليد آدم مادبو

أحفاد الإمام المهدي والكاريزما المروّضةردّ على مقال د. الوليد آدم مادبو د. أحمد التيجاني سيد …