دكتور هشام عثمان
hishamosman315@gmail.com
لم تكن الفاشر يومًا مجرّد مدينة في غرب السودان، بل كانت دائمًا رمزية المدى الذي تبلغه الدولة حين تكون حاضرة، والحدّ الذي تتعرّى عنده حين تتآكل مؤسساتها. واليوم، بعد تداول أنباءٍ متسارعة عن سقوطها في يد قوات الدعم السريع، يجد السودان نفسه أمام مفصلٍ تاريخيٍّ جديد، لا يقتصر على تبدّل السيطرة الميدانية، بل يعلن ولادة معادلة سياسية وأمنية واجتماعية جديدة، قد تُعيد رسم خريطة الدولة السودانية نفسها.
الفاشر ليست مدينة هامشية في الصراع؛ هي قلب دارفور الإداري والتاريخي، ورمز توازن القوى في الغرب. وإذا صحّت الأنباء عن انتقال السيطرة، فإن ذلك لا يعني فقط انهيار خط دفاع عسكري، بل انهيار رمزي لما تبقّى من حضور الدولة المركزية في الإقليم. إذ لا تعني السيطرة العسكرية هنا انتصاراً تكتيكياً، بل تعني بدايةَ تشكّل شرعيةٍ موازية على الأرض. فالذي يستطيع أن يفرض الأمن — ولو بشروطه — يصبح بحكم الواقع طرفاً سياسياً لا يمكن تجاوزه، مهما كانت ماضيه مثقلاً بالاتهامات والانتهاكات.
الحدث إذن أكبر من المعركة؛ هو انتقال في منطق السلطة. فبينما يواصل تحالف بورتسودان الدفاع عن مركزية الدولة وشكلها القديم، تفتح الفاشر باباً لسؤالٍ أخطر: ماذا لو لم تعد هناك «دولة» تُدار من مركز واحد؟ وماذا لو أصبح الواقع نفسه هو المفاوض الأوحد؟
في المدى الإنساني، تبدو الكارثة وشيكة. فالفاشر محاطة بمخيمات نزوح هي الأكبر في غرب السودان، ومع كل ساعة حرب جديدة تتراجع فرص الإغاثة ويزداد الخوف من تكرار مآسٍ شبيهة بتلك التي حفرت ذاكرة دارفور في مطلع الألفية. لكن البعد الإنساني هنا ليس مجرد مأساة، بل هو ساحة صراع سياسي جديدة. فمن يُمسك بملف حماية المدنيين وبخطوط المساعدات سيحوز ورقة نفوذ تفاوضية تفوق أي مكسب عسكري. لذلك، حماية المدنيين لم تعد شأناً أخلاقياً أو إنسانياً فقط، بل تحوّلت إلى جوهر اللعبة السياسية.
أما داخلياً، فإن الفاشر تُربك معسكر بورتسودان وتفجّر تناقضاته. بين من يرى أن الخلاص في المزيد من التصعيد العسكري، ومن يدرك أن الحرب فقدت بوصلتها، وأن منطق القوة وحده لم يعد قادراً على إنتاج استقرار. في المقابل، يجد الدعم السريع نفسه وقد انتقل من موقع المتمرّد إلى موقع «المسيطر» في إقليم كامل، وهو موقع قد يغريه بالحديث عن شرعية جديدة، وربما عن صيغة حكم ذاتي غير معلنة. هكذا يتحوّل ميزان الشرعية في السودان: ليس بين جيش ومليشيا فحسب، بل بين مركز فقدَ قدرته على الفعل، وأطراف تبني شرعيتها من فراغ الدولة.
هذا التبدّل يُلقي بظلاله الثقيلة على مسار التفاوض الذي ترعاه الرباعية الدولية. فكل مبادرة تفاوض كانت تقوم على فرضية توازن القوى، وعلى إمكانية إعادة إنتاج وحدة الدولة بعد وقف الحرب. أمّا اليوم، فالمعادلة مختلفة: الرباعية تواجه واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه بالبيانات الدبلوماسية. الاعتراف بالأمر الواقع يعني عملياً القبول بتقسيمٍ سياسي فعلي، بينما الإصرار على استعادة ما فُقد بالقوة يعني العودة إلى حربٍ مفتوحةٍ بلا أفق. وهنا تبرز الحاجة إلى مقاربة ثالثة: أن تُدار المفاوضات حول ضمانات عملية — ممرات إنسانية، رقابة دولية، وربط أي دعم لإعادة الإعمار بالتزام حقوق الإنسان — بدلاً من شعارات السيادة الجوفاء.
تحالف بورتسودان بدوره يجد نفسه أمام معادلة وجودية. فإما أن يختار طريق العسكرة الكاملة، فيغلق الميناء في وجه التسوية ويستدعي الحلفاء الإقليميين تحت ذريعة «الدفاع عن الدولة»، وهو خيار يضاعف عزلة السودان ويفتح الباب لتفككها. أو أن يتحول إلى منصة سياسية أكثر عقلانية، تُعيد تعريف الدولة من منظورٍ مدني، وتقدّم مشروعاً لإدارة الأزمات بالشرعية لا بالقوة. المسافة بين الخيارين هي المسافة بين مستقبلٍ للسودان الموحد، وماضٍ يتكرر إلى ما لا نهاية.
في المحصلة، الفاشر ليست مجرد موقع سقط في حربٍ طويلة؛ إنها مرآة لسقوط فكرةٍ كانت تُسمّى «المركز». فحيث تفشل السلطة في حماية الناس، تولد سلطة أخرى — حتى لو كانت على أنقاضهم. وحين يغيب مشروع وطني جامع، تصبح كل مدينة عاصمة لنفسها، وكل قوة جيشاً لدولتها الصغيرة. لهذا، فإن ما بعد الفاشر لن يشبه ما قبلها. إنها لحظة إعادة تعريف السودان بين من يريد استعادة الدولة لتكون للجميع، ومن يراها غنيمة لمن يملك السلاح.
قد تكون الفاشر بداية النهاية لهذه الحرب، أو بداية تشكّل نظام جديد من الفوضى المنظَّمة. لكن المؤكد أن كل شيء بعد اليوم سيُقاس بمعيارٍ واحد: من يحفظ حياة الناس، هو وحده من يملك شرعية الغد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم