الفقر: هل هو نتيجة كسل أم خلل هيكلي؟
منبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
في النقاشات العامة، يُطرح الفقر غالبًا بصيغة أخلاقية
قبل أن يكون سؤالًا اقتصاديًا: هل الفقير ضحية ظروف خارجة عن إرادته،
أم أنه مسؤول عن حاله بسبب ضعف الاجتهاد أو سوء الاختيار؟
هذا السؤال يبدو بسيطًا،
لكنه يخفي خلفه قرونًا من الجدل الفلسفي والاقتصادي والسياسي.
في المقالات السابقة من هذه السلسلة تناولنا مفهوم الاقتصاد، والسوق، والدولة، والبنوك، والدين العام. وكلها مفاهيم تؤثر بصورة مباشرة في توزيع الفرص والثروة.
لكن عند نقطة الفقر تحديدًا، يتكثف الصراع بين رؤيتين:
رؤية فردية تفسر الفقر بوصفه نتيجة سلوك، ورؤية هيكلية تراه نتاج بنية اقتصادية واجتماعية أوسع.
الرؤية الفردية ليست جديدة.
في التقليد الليبرالي الكلاسيكي الذي مثّله آدم سميث، كان السوق يفترض وجود أفراد يسعون إلى مصلحتهم الخاصة، وأن تفاعلهم الحر ينتج ثروة عامة. في هذا الإطار، يُفهم الفقر أحيانًا بوصفه ضعفًا في الاندماج داخل السوق:
نقص مهارات،
أو قلة ادخار،
أو قرارات استهلاكية غير رشيدة.
وفي القرن العشرين، طوّر ميلتون فريدمان هذا الاتجاه حين دافع عن تقليص دور الدولة، معتبرًا أن الحرية الاقتصادية هي الطريق الأكثر فاعلية لتحسين أوضاع الفقراء على المدى الطويل.
الحل عنده لا يكون في تضخم برامج الرعاية، بل في تحرير المبادرة الفردية وتحفيز النمو.
لكن هذا المنظور تعرض لنقد عميق من مدارس أخرى. رأى كارل ماركس أن الفقر ليس خللًا فرديًا،
بل نتيجة بنية إنتاجية قائمة على تراكم رأس المال في يد قلة. في تحليله، لا يُنتج النظام الرأسمالي الثروة فحسب، بل يُنتج معها طبقة عاملة تعتمد على بيع عملها في سوق غير متكافئ.
الفقر هنا ليس استثناءً، بل جزء من آلية التراكم ذاتها.
وفي القرن العشرين، وسّع جون ماينارد كينز النقاش بإظهار أن البطالة والفقر يمكن أن يكونا نتيجة نقص في الطلب الكلي،
لا نتيجة كسل فردي.
الاقتصاد قد يدخل في ركود واسع يجعل العمل نادرًا، حتى لو كان الأفراد راغبين في العمل. بهذا المعنى، يصبح الفقر مرتبطًا بدورات اقتصادية وسياسات نقدية ومالية، لا بسمات شخصية.
غير أن التحول الأهم في فهم الفقر جاء مع أعمال أمارتيا سن. في كتابه “التنمية حرية”، رفض اختزال الفقر في انخفاض الدخل، وعرّفه بوصفه “حرمانًا من القدرات”.
الفقير ليس فقط من يملك مالًا أقل، بل من يُحرم من التعليم الجيد، والرعاية الصحية، والمشاركة السياسية، والقدرة على اختيار نمط حياته.
الفقر هنا شبكة قيود متداخلة، لا رقمًا في جدول.
وتشير دراسات التنمية المعاصرة إلى أن الفقر غالبًا ما يكون متوارثًا. الطفل المولود في أسرة فقيرة يبدأ حياته بفجوة تعليمية وصحية تجعله أقل قدرة على المنافسة لاحقًا. البنية التحتية الرديئة، وضعف المؤسسات، والفساد، والتمييز الاجتماعي، كلها عوامل تخلق ما يُسمى “فخ الفقر”. في هذه الحالة، يصبح الحديث عن الكسل تبسيطًا مخلًا.
لكن هل يعني ذلك أن السلوك الفردي بلا أثر؟ بالتأكيد لا. الاقتصاد السلوكي أظهر أن الفقر نفسه يضغط على القدرة الذهنية ويؤثر في اتخاذ القرار. الضغوط المالية المزمنة تقلل من “الحيز العقلي” المتاح للتخطيط طويل الأمد. وهنا يصبح السلوك نتيجة للظرف، لا سببًا وحيدًا له.
تجارب دول شرق آسيا، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة، أظهرت أن الاستثمار الكثيف في التعليم والبنية التحتية وسياسات التصنيع يمكن أن يرفع ملايين الناس من الفقر خلال جيل واحد.
بالمقابل، أظهرت أزمات الديون في بعض دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا أن السياسات الاقتصادية الخاطئة
أو الاعتماد المفرط على سلعة واحدة يمكن أن يعمّق الفقر حتى مع وجود موارد طبيعية وفيرة.
الواقع إذن أكثر تعقيدًا من ثنائية “كسل أم خلل”. الفقر يتشكل عند تقاطع ثلاثة مستويات:
أولًا:
مستوى فردي يتعلق بالمهارات والقرارات.
ثانيًا:
مستوى مؤسسي يتعلق بجودة التعليم، وسيادة القانون، وعدالة السوق.
ثالثًا:
مستوى هيكلي عالمي يتعلق بالعولمة، وسلاسل القيمة، وتدفقات رأس المال.
في عالم اليوم، قد يعمل الفرد بجدٍّ كامل، ومع ذلك يبقى دخله غير كافٍ بسبب انخفاض الأجور أو هشاشة العمل. اقتصاد المنصات، على سبيل المثال، وفر فرصًا جديدة لكنه خلق أيضًا وظائف بلا ضمانات اجتماعية.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل الفقير مذنب أم ضحية؟
بل: ما هي السياسات التي تُوسّع دائرة الفرص وتقلل من احتمال الوقوع في الفقر؟
العدالة الاقتصادية لا تعني المساواة المطلقة، لكنها تعني أن لا يكون الفقر قدرًا محتومًا بسبب ظروف الميلاد. هنا يلتقي الاقتصاد بالأخلاق مجددًا. فإذا كان السوق يخلق الثروة، فإن الدولة والمجتمع مسؤولان عن ضمان ألا تتحول الفجوة إلى هاوية.
الصحافة العالمية الجادة حين تناقش الفقر لا تبحث عن قصة فردية معزولة، بل عن بنية أوسع. فهي تربط بين أسعار الفائدة، وسوق العمل، ونظم الضرائب، والإنفاق الاجتماعي. وتدرك أن الفقر ليس فقط مشكلة دخل، بل مشكلة كرامة وفرصة وأمن مستقبلي.
ختامًا،
قد يكون الفقر في بعض حالاته نتيجة قرارات فردية، لكنه في الأغلب انعكاس لبنية اقتصادية لا توزع الفرص بعدالة. الاقتصادات القوية ليست تلك التي تنتج أكبر قدر من الثروة فحسب، بل تلك التي تقلل عدد من يقفون خارجها.
وفي المقال القادم يمكن أن ننتقل إلى سؤال مكمل:
هل العدالة الاقتصادية تعني المساواة، أم تعني تكافؤ الفرص فقط؟
المراجع
Adam Smith, The Wealth of Nations, 1776.
Karl Marx, Capital, 1867.
John Maynard Keynes, The General Theory of Employment, Interest and Money, 1936.
Milton Friedman, Capitalism and Freedom, 1962.
Amartya Sen, Development as Freedom, 1999.
Banerjee & Duflo, Poor Economics, 2011.
عبد العظيم الريح مدثر
sanhooryazeem@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم