بقلم : هشام الحلو
تتجلى تجربة محمد مفتاح الفيتوري كزلزال شعري لم يكتفِ بهز أركان القصيدة العربية التقليدية، بل أعاد صياغة الوجدان الأفريقي والعربي في بوتقة جمالية واحدة، ليكون بذلك “الحالة الخاصة” التي استعصت على التصنيف المدرسي الضيق. إن الفيتوري لم يكن يكتب الشعر بترف المثقف المنعزل، بل كان ينحته من صخر المعاناة ومن سمرة الوجوه التي أقصاها التاريخ طويلاً، فجاء صوته في ديوانه “أقوال شاهد إثبات” -الصادر عن دار العودة ببيروت عام 1973- وفي مجمل إرثه الشعري، كصرخة كونية تتجاوز حدود الجغرافيا لتستقر في جوهر الحرية. لقد أحدث الفيتوري اختراقاً بنيوياً في فضاء القصيدة من خلال “أنسنة” القارة السمراء وتجريدها من قيود التبعية، محولاً إياها من مجرد “مكان” إلى “قضية” وجودية وجمالية؛ حيث صار “الأسود” عنده رمزاً للسيادة والجمال والبصيرة، وليس مجرد لون أو عرق.
وفي رثائه الخالد لعبد الخالق محجوب، الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني، الذي أعدمه نظام جعفر نميري في أعقاب أحداث يوليو 1971، نجد الفيتوري في قصيدته الشهيرة “قلبي على وطني” -والتي ضُمّنت في ديوان “أقوال شاهد إثبات”- قد ارتفع بالحدث السياسي من رتابة التقرير إلى رحابة الأسطورة. إن هذه المرثية التي أهداها لروح محجوب لا تقف عند حدود الحزن، بل تتجاوزها لتصيغ بياناً فلسفياً عن “الحلول والاتحاد” بين المناضل والأرض، حين يهتف بلسان الشهيد: “لا تحفروا لي قبراً.. سأرقد في كل شبر من الأرض.. أرقد كالماء في جسد النيل.. أرقد كالشمس فوق حقول بلادي.. مثلي أنا ليس يسكن قبراً”.
لقد رفض الفيتوري في هذا النص أن يحدّ الشهيد في حيز ضيق كالقبر، بل جعله عنصراً طبيعياً سائلاً كالماء، ومنتشراً كالشمس، وأبدياً كالنهر، محولاً المشنقة من أداة للموت إلى منبر للخلود الرمزي. هذا الانتقال من “الفناء البيولوجي” إلى “الانتشار الوجودي” هو الذي ميز تجربة الفيتوري، حيث جعل من دماء الشهداء وقوداً لا ينطفئ، وجسّد الصراع الأزلي بين الروح الحرة والمادة الصماء؛ فالمناضل عند الفيتوري لا يموت لأن موته ليس موت القضية، بل هو ميلاد جديد لها في كل ذرة تراب.
لقد ظل الفيتوري استثناءً شعرياً بامتياز؛ لأنه استطاع أن يزاوج بين لغة المتصوفة في تجلياتها الروحية العميقة، وبين لغة الثائر في اندفاعاتها الجسورة، موثقاً في “أقوال شاهد إثبات” لحظة تاريخية فارقة من عمر السودان. فموسيقاه الشعرية ليست مجرد تفعيلات، بل هي نبض إيقاعي يتردد صداه بين ترانيم الدراويش وقرع طبول الأدغال، مما منح قصيدته طاقة سحرية قادرة على اختراق الوجدان. إن إرث الفيتوري هو إرث “الاختراق العظيم” الذي جعل من السودان صوتاً جهورياً في سماء العروبة، ومن العروبة أفقاً منفتحاً على أفريقيا، ليبقى هو ذلك الشاعر “الرائي” الذي خط بمداد من نور مسيرة إنسان لا يقبل القيد، تماماً كما لا يقبل النيل أن يُحبس في قبر.
hishamissa.issa50@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم