الفِيتٌوْ العَكْسِي: خُرَافَةُ إلغَاءِ مُؤتَمَر وَاشُنْطُن لِأسْبَابٍ بِيرُوقْرِاطِيَّة

الفِيتٌوْ العَكْسِي: خُرَافَةُ إلغَاءِ مُؤتَمَر وَاشُنْطُن لِأسْبَابٍ بِيرُوقْرِاطِيَّة
Reverse Veto: The Myth of US Bureaucracy Derailing Washington Conference
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
رغم أنّ البعض يختزل إلغاء مؤتمر واشنطن حول السودان في خلاف بيروقراطي داخل الإدارة الأميركية، إلا أن المعطيات تشير إلى مشهد أكثر عمقاً وتعقيداً، تقف خلفه قوى إقليمية تملك مفاتيح الضغط على الغرب، وفي مقدمتها مصر والإمارات.
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية رسمياً يوم 29 يوليو 2025 إلغاء المؤتمر الدولي بشأن السودان، الذي كان من المزمع عقده في واشنطن بمشاركة الأطراف المدنية والإقليمية والدولية. جاء هذا الإعلان مفاجئاً للبعض، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي أعقبت تشكيل تحالفات مدنية جديدة (تأسيس في نيروبي، وأمل في بورتسودان)، مما كان يوحي باقتراب لحظة سياسية جديدة للسودان. غير أن المفاجأة الأكبر كانت في تفسير سبب الإلغاء: حيث اختزل البعض الإلغاء في خلاف بيروقراطي بين موظفين صغار داخل البيت الأبيض: كبير مستشاري الرئيس ترامب لشؤون أفريقيا، أسعد بولس ونائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو.
لكن هذا التفسير الإداري السطحي لا يصمد أمام معادلة النفوذ الحقيقي التي تحكم الملف السوداني في الساحة الدولية، حيث بات واضحاً أن القاهرة وأبوظبي تمكّنتا – مرّة أخرى – من فرض إرادتهما على العواصم الغربية، مستخدمتين ما يمكن تسميته بـ”الفيتو العكسي”: قدرة الدول الإقليمية الأصغر على تعطيل المبادرات الغربية الصادرة حتى من لندن وواشنطن من الداخل عبر اختراق مؤسسات صنع القرار.
الفيتو العكسي – نمط لا استثناء:
ما حدث في واشنطن ليس معزولاً عن سياق سابق. ففي أبريل 2025، فشل مؤتمر لندن للأسباب نفسها تقريباً. وسبق ذلك تعطيل لمبادرة إيقاد في ديسمبر 2024 بعد حملة دبلوماسية شرسة قادتها مصر والإمارات. هذا النمط المتكرر يوضح أن الأمر ليس مجرد تعارض رؤى داخل الإدارة الأميركية، بل هو استجابة لمنظومة ضغط إقليمية منسقة، ترى في أي مسار لا يمر عبر وكلائها العسكريين تهديداً لمصالحها الجيوسياسية.
.لماذا يخضع الغرب للفيتو العكسي؟
لم يكن إلغاء مؤتمر واشنطن بشأن السودان نتيجة خلل بيروقراطي أو نتيجة خلافات داخل إدارة ترامب، كما زعم البعض، بل كان نتيجة منطقية لتحول ميزان القوى الإقليمي—الذي باتت تهيمن عليه بشكل متزايد كل من مصر والإمارات. فقد أصبحت هاتان العاصمتان لاعبتين لا غنى عنهما في حسابات الحرب والدبلوماسية في السودان، لما تمتلكانه من نفوذ أمني واقتصادي وجيوسياسي لم يعد بإمكان الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تجاهله.

  1. النفوذ الأمني – السيطرة على ساحة المعركة:
    نجحت مصر والإمارات في ترسيخ مواقف متعارضة ولكن متجذرة داخل الحرب السودانية. فالقاهرة هي الداعم الرئيسي للقوات المسلحة السودانية (الجيش)، في حين تمول أبو ظبي وتسلّح قوات الدعم السريع. ويعكس هذا الانقسام في الدعم الخارجي خطوط الجبهة داخل السودان، ويمنح العاصمتين حق “الفيتو الفعلي” على أي عملية سلام دولية.
    يعتمد النفوذ الأمني المصري على علاقات مؤسسية طويلة الأمد مع الجيش السوداني. إذ تستضيف مصر قادة الجيش، وتنسق تبادل المعلومات الاستخبارية، وتجري تدريبات عسكرية مشتركة مثل تمرين “حراس النيل” السنوي. كما زودت مصر الجيش السوداني بالسلاح وقطع غيار الطائرات، خاصة في شمال وشرق السودان، وهو ما يعكس نظرة القاهرة إلى السودان باعتباره عمقاً استراتيجياً لأمنها القومي—خصوصاً فيما يتعلق بسد النهضة، وتدفقات الهجرة عبر الحدود، والتطرف الإسلامي.
    أما الإمارات، فهي الراعي الأجنبي الرئيسي لقوات الدعم السريع. فقد أكدت تقارير استخباراتية أميركية مسرّبة وتقارير أممية وجود أكثر من 150 رحلة شحن إماراتية إلى شرق تشاد بين مايو وأكتوبر 2023، محمّلة بطائرات مسيّرة وأسلحة خفيفة ومركبات مدرعة. كما يزور قادة الدعم السريع الإمارات بانتظام، وتُستخدم الأنظمة المالية الإماراتية، حسب التقارير، في دفع الرواتب وشراء الإمدادات.
    ومعاً، تمتلك مصر والإمارات القدرة على إفشال أي وقف لإطلاق النار لا يشمل موافقتهما—سواء عبر تصعيد الدعم العسكري أو سحب التزاماتهما. وهذا بالضبط ما حدث في أوائل عام 2024، حين ضغطت مصر على منظمة الإيقاد لتخفيف مطالبها بشأن الانتقال المدني-العسكري المتوازن، ثم تكرر في منتصف 2025 حين دفعت الدولتان الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لسحب دعمهما لتحالفات مدنية مثل “تأسيس”.
  2. النفوذ الاقتصادي – الابتزاز الاستراتيجي:
    تتمتع مصر والإمارات أيضاً بتشابك اقتصادي كبير مع واشنطن ولندن، مما يجعل أي مواجهة معهما مكلفة سياسيًا للغرب. وتكمن قوة الإمارات الاقتصادية في ثروتها السيادية وعلاقاتها الدفاعية. إذ تستثمر صناديقها السيادية—مثل “مبادلة” وهيئة أبوظبي للاستثمار—أكثر من 300 مليار دولار في الولايات المتحدة وأكثر من 10 مليارات جنيه إسترليني في المملكة المتحدة، في قطاعات تشمل العقارات والطاقة والتكنولوجيا. كما أنها من كبار مشتري الأسلحة الأميركية، بما في ذلك أنظمة الصواريخ والطائرات المقاتلة من طراز F-35. وتوفر هذه الصفقات آلاف الوظائف الأميركية، وتشكل حجر الأساس للتعاون الاستراتيجي في الخليج.
    أما مصر، فتتلقى 1.3 مليار دولار سنوياً كمساعدات عسكرية أميركية—وهي ثاني أكبر حزمة بعد إسرائيل. كما يمنحها موقعها على قناة السويس، التي تمر عبرها 12% من التجارة العالمية، ثقلاً جيوسياسياً إضافياً. وتلعب دوراً محورياً في ضبط الهجرة (وهو هاجس أوروبي كبير)، وفي تنويع مصادر الطاقة في المنطقة عبر منتدى غاز شرق المتوسط.
    وفي هذا السياق، فإن ممارسة الضغط على أي من البلدين بشأن السودان تنطوي على أضرار جانبية محتملة: على أسواق الطاقة، وتدفقات الهجرة، والصناعات الدفاعية، أو التحالفات الاستراتيجية. ولهذا تتصرف إدارة ترامب ووزارة الخارجية البريطانية بحذر شديد—حتى عندما تتعارض تصرفات القاهرة أو أبو ظبي صراحة مع السياسات الغربية المعلنة.
  3. الهاجس الجيوسياسي – الانفتاح على الصين وروسيا:
    سعت كل من مصر والإمارات أيضاً إلى بناء علاقات استراتيجية مع الصين وروسيا، مما يمنحهما مزيداً من حرية الحركة في مواجهة الغرب.
    فمع الصين، تشارك الدولتان في مبادرة الحزام والطريق (BRI). وتلعب الإمارات دور مركز لوجستي رئيسي، من خلال موانئ دبي وأبو ظبي المتصلة بطريق الحرير البحري الصيني. وفي عام 2022، تجاوز حجم التجارة الثنائية 80 مليار دولار. أما مصر، فتستضيف مشاريع بنية تحتية صينية ضخمة، خاصة في منطقة قناة السويس الاقتصادية. وتشتري الدولتان طائرات مسيّرة صينية وأنظمة رادار، وتدعمان بكين في المحافل الدولية.
    أما مع روسيا، فالعلاقة تتركز على المجالات العسكرية والطاقة. فقد اشترت مصر طائرات ميغ-29، وأنظمة إس-300، ووقّعت عقوداً لإنشاء محطة نووية بقيمة 25 مليار دولار من تنفيذ شركة “روس آتوم”. كما سمحت للطائرات الروسية باستخدام مجالها الجوي، وأجرت تدريبات عسكرية مشتركة. أما الإمارات، فهي تتعاون مع روسيا بشكل أكثر تحفظاً، خاصة في ليبيا والسودان—غالباً عبر قنوات مرتبطة بمجموعة فاغنر—كما تتعاون معها في إطار أوبك+ والأمم المتحدة.
    وهذا التحوّل نحو الشرق يعني أن مصر والإمارات لا يمكن تهميشهما دون تعريض النفوذ الغربي في الشرق الأوسط والبحر الأحمر للخطر. لقد حولتا علاقاتهما مع موسكو وبكين إلى أدوات ردع ضد أي محاولة غربية لفرض حلول في السودان تتجاوز مصالحهما.

منطق الفيتو العكسي
تقدّم نظرية “الفيتو العكسي”—التي تسمح لقوى إقليمية أضعف بإعاقة القوى العالمية الأقوى—تفسيرًا مقنعًا لانهيار مؤتمر واشنطن. فالتفوق في ساحة المعركة، والاندماج الاقتصادي، والتنويع الجيوسياسي لكل من مصر والإمارات يشكل جدارًا من النفوذ يصعب حتى على واشنطن ولندن اختراقه.
في هذا العالم، لا تُقاس القوة بمجرد الناتج القومي أو حجم الجيش—بل تُقاس بمدى التغلغل في الواقع. فمصر والإمارات ليستا مجرد معرقلتين، بل حارستان للبوابة. وأي عملية سلام تستثنيهما ستفشل—not بسبب خلافات بيروقراطية في واشنطن، بل بسبب حقائق النفوذ الصلبة على الأرض.
ليس خلافًاً بيروقراطيَّاً – بل استجابة لضغط إقليمي:
تقول الرواية الرسمية إن الخلاف بين سوليفان وكامبل كان حول مستوى تمثيل الجيش في المؤتمر، إلا أن هذا الخلاف، حتى لو صحّ، لا يفسّر النتيجة: وهي الإلغاء الكامل للمؤتمر دون أي بديل. ولو كان الخلاف تقنياً داخلياً، لتم تأجيل المؤتمر أو إعادة جدولته. لكن ما حدث هو تراجع كلي، وصمت إعلامي، واختفاء تام لأي مسار دبلوماسي بديل. هذه ليست مؤشرات قرار داخلي حر، بل علامات استجابة لضغط خارجي مباشر.
بيانات القاهرة وأبوظبي تؤكد:
في الأيام التي سبقت الإلغاء، صدرت إشارات واضحة من مسؤولي البلدين، عبّرت عن رفضهما لأي مبادرة دولية تشرعن أطرافاً مدنية مستقلة، خصوصاً تحالف “تأسيس”. كما حذّرت تقارير دبلوماسية من تهديدات غير مباشرة بالتصعيد الميداني إذا تم تجاوز موقف مصر أو الإمارات. وهذا ما تحقق حيث رضخت واشنطن، تماماً كما فعلت لندن من قبل، ليس بفعل ضعف إداري أو تراخي بيروقراطي، بل نتيجة احتراز استراتيجي من مواجهة “الفيتو العكسي”.
الخاسر الدائم – القوى المدنية:
في كل مرة تتعطّل فيها مبادرة دولية، تكون النتيجة واحدة: تهميش القوى المدنية المستقلة. فبينما لا يُمانع الغرب دعوة الجيش أو الدعم السريع، فإنه يتراجع فوراً إذا ما طُرحت فكرة تمكين تحالفات مدنية جديدة، كما هو حال “تأسيس”. وهذا يؤكد أن موازين القوة الفعلية لا تُحسم في مكاتب الخارجية الأميركية، بل في أروقة الأمن القومي العربي.
خاتمة – معادلة جديدة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي:
لم يكن إلغاء مؤتمر واشنطن خطأ إدارياً أو تعارضاً تكتيكياً داخل إدارة ترامب. بل هو نتيجة منطقية لتوازن جديد في المنطقة، تقوده قوى إقليمية باتت تملك مفاتيح القرار الميداني بروافع أمنية واقتصادية وجيوسياسية.
الفيتو العكسي ليس مجازاً، بل أداة هندسة سياسية، استخدمتها مصر والإمارات لفرض رؤيتهما حول السودان، وإخراج واشنطن ولندن من مقاعد القيادة إلى هامش رد الفعل، ولو مؤقتاً.
melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor