القبيلة وسيرورة التطور الاجتماعي: قراءة في الحالة السودانية

بقلم خليفة محمد السمري
السودان.. وما أدراك ما السودان، بلدٌ حباه الله بالتنوع والتعدد في كل شيء، المناخ، النبات، الحيوان، وحتى الإنسان انصاع لهذه الهبة الربانية، فأبى إلاَّ أن يتعدد في السحنات واللهجات، والعادات والأعراف، والدين، فتباينت جراء ذلك شعوبه وقبائله التي قيض الله لها أهل الولاية والنظر من الصوفية الأنقياء الطاهرين، فجمعوا رحيق هذا التعدد في بوتقة الطوائف والطرق الصوفية إخاءً ومودة، وأُلفةً ومحبة، أثمرت، مزاجاً معتدلاً وتوازناً نفسياً، تمايز به الاجتماع البشري السوداني عن بقية شعوب العالم الأخرى، وظل هذا التوزان النفسي ينتصر حتى في أتون الحرب الدائرة بين أهله الآن.
كانت الطائفية قدراً مقدوراً، وأمراً محتوماً في سيرورة التطور الاجتماعي السوداني، وبفضلها عاش أهل السودان في نعمة الأمن والأمان، والعيش الكريم، انتظاراً للحظة ترقى بهم في سلم السيرورة التاريخية، إلى حيث مدارج المجتمع المدني المنفتحة بإطلاق نحو قيم الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية، وهو ما كان المؤمل الوصول إليه وفق سنن سيرورة التاريخ ، لأن هذه هي السبيل الطبيعية الصاعدة عبر مراحل السيرورة المعرفية المتعاقبة، وفق ما اختبره أوغست كونت أب الاجتماع البشري بعد ابن خلدون، لكن للأسف يظهر أنَّ قوانين الاجتماع البشري تفعل فعلها تغييراً وتطويراً في كل بلاد الله، إلا في السودان، بلد الغرائب والعجائب، ويظهر أيضاً – في ظل هذا الوضع المقلوب – أنَّ انتظار أهل السودان للتغيير الحتمي نحو الأفضل سيطول في مسرح هذا العبث الذي يتحدى سيرورة التاريخ.
أردت أن تكون هذه التوطئة مدخلاً لحديثي عن التأسي بالقبيلة، في سودان هذه الأيام الغوابر، ولن تجدني في هذا الصدد أعتب على من يتعزى بهذا التأسي،- في ظل انشغال الدولة عن مسؤولية بسط الأمن وتوفير العدالة – ومسوغي في ذلك أنَّ الإنسان بطبعه يبحث عن الأمن والأمان، فإذا لم يجده في الدولة تلمسه بطريقته الخاصة فيما هو دون الدولة من المؤسسات الاجتماعية، حتى لو أفضى به هذا التلمس إلى العود القهقري في دَرَجِ الترقي السيرورة التاريخية، وهو معذورٌ لأنه أمام ضرورة نفسية تبحث عن إشباعٍ يحيا به الفرد حياته الطبيعية، بما يشعره بالطمأنينة على نفسه وأهله وعرضه وماله.
نعم، لم تكن القبيلة ظاهرةً شاذة في التاريخ الإنساني، بل كانت مرحلةً طبيعية في مسار تشكّل المجتمعات. فالإنسان في بدايات تشكل الاجتماع البشري لم يملك من أدوات التنظيم إلا رابطة الدم والعصبية، فكانت القبيلة بذلك إطاراً للحماية والتكافل وتنظيم المصالح، غير أنَّ سنن التغير الاجتماعي لا تقف عند مرحلة بعينها، بل تدفع المجتمعات دفعاً حتمياً إلى الانتقال من الأطر الضيقة (رابطة الدام) إلى أطرٍ ودوائر أكثر اتساعا (رابطة المصلحة)، فتنتشلهم بذلك من وهدة روابط العصبية الضيقة إلى فضاءات المواطنة التي تعود بالنفع على الجميع، ويميز علماء الاجتماع في هذا الباب بين مجتمع الجماعة التقليدية المؤسس على القرابة والعاطفة، وبين المجتمع المدني القائم على العقد الاجتماعي المنتج لمؤسسات الدولة وأدوات تنظيم المصالح المشتركة، وهو ما يسميه دوركايم التضامن الآلي في مواجهة التضامن العضوي الذي يتجلى في حالة تعقد المجتمعات الحديثة وتعدد وظائفها.
وفي ضوء هذه الرؤية يمكن القول: إنَّ القبيلة تمثل طوراً أولياً من أطوار الاجتماع، يعقبه طور الطوائف والجماعات الوسيطة، التي تمثل جسر العبور إلى المجتمع المدني المؤسس على القانون والآليات الضامنة للمساواة بين الأفراد وكفالة حقوقهم وحرياتهم على نحوٍ لا فضل فيه لفردٍ على آخر إلا بمدى التزامه بالعقد الذي يقره الشعب لتنظيم اجتماعه البشري (القانون).
ولنا أن نقول في هذا الصدد إنَّ الخطر لا يكمن في وجود القبيلة بحد ذاتها، وإنما يكمن في النكوص التاريخي، بالرجوع إليها بعد تجاوز المجتمع لمرحلتها التاريخية، فالتراجع من مرحلة الطوائف والتنظيمات الاجتماعية الوسيطة إلى مرحلة العصبية القبلية يمثل – دون شك- انتكاسة في مسار التطور الاجتماعي. فالعصبية القبلية تعيد إنتاج الانقسام الأولي بين البشر على أساس النسب لا الكفاءة، وعلى أساس الولاء الضيق لا على أساس الانتماء الوطني الواسع، ولهذا تجدني اتعجب أشد العجب لمن يتوسل الوحدة الوطنية بإعلاء الشعار القبلي، فهو إما أن يكون جاهلاً بسيرورة التاريخ أو مداهن ذو غرضٍ ملتوٍ يروم الوصول إليه عبر القبيلة، ويكفينا في هذا الباب أن نتأمل صفحات التاريخ العربي لنرى كيف قاد الانحياز للقبيلة إلى صراعات عبثية. مثل حرب داحس والغبراء التي استغرقت زهاء أربعين عاماً بين عبس وذبيان بسبب سباق كانت الخيل فيه تجلياً للتعصب القبلي الأعمى الذي يترسم قول الشاعر: “أنا ما غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد”، في تلخيص مُخِلٍ يجعل الحق تابعاً للقبيلة لا العكس، والحمد لله على نعمة الإسلام الذي كسر هذا المنطق المعوج، فجعل معيار التفاضل التقوى والعمل الصالح لا النسب والقبيلة ” دعوها فإنها منتنة”، لكن للأسف ابتلانا الله بساسة ركبوا ظهر القبائل لأغراض السياسة ، ولم يأبهوا لتهتك النسيج الاجتماعي والنزيف القيمي المتجلي بوضوح في الحرب الحالية، التي بدأت بوادر بؤسها بصناعة المليشيات على أساس قبلي منذ حروب دارفور الأولى في العام 2003م، فسايروا بذلك الإدارة الإنجليزية حذوك النعل بالنعل في مقارفة سياسة فرق تسد التي شرعت لها الإدارة الإنجليزية قوانين صلاحيات المشايخ (1922-1932) مخولةً بموجبها زعماء القبائل سلطات إدارية وقضائية، فضلاً عن منحهم العطايا والهبات في سبيل الولاء لها، على حساب لحمة النسيج الوطني، ونتج عن ذلك تنافس غير حميد حتى بين أفخاذ القبيلة الواحدة بما أوغر النفوس، بتوافه لا تخدم قضية الوطن، إلى أنْ فتح الله على البلاد برجال في قامة جعفر محمد علي بخيت أدركوا مواضع الخلل بما حباهم الله من علم ونور، فكان قانون الحكم المحلي 1971م الذي بموجبه تم إلغاء الإدارة الأهلية، والانفتاح نحو نمط إداري متحضر مؤسس على المعرفة والكفاءة لا على النسب والتعصب الأعمى، لكن للأسف بعد هذا الفتح النوراني، أبت حكومة الإنقاذ إلا أن تعود بنا إلى الوراء، فَعَلَّتْ من شأن القبيلة لأغراض الكسب السياسي فكان مؤتمر الإدارة الأهلية الذي انعقد في أوائل التسعينات قاصمة ظهر، وسباحةً عكس سيرورة التاريخ التي أدرك حقيقتها رجل بسيط مثل بابو نمر وغابت للأسف عن حملة الإجازات العلمية من البائسين الذين ما وجدوا طريقاً للسلطة إلا ركبوه ولو أودى بالوطن إلى الهلكة والشتات والتمزق.
في كتابه النخبة السودانية وإدمان الفشل أورد الراحل منصور خالد قصةً طريفة، قال ما معناه: كنت عقب إلغاء الإدارة الأهلية في زيارة مع الرئيس نميري لمنطقة بابنوسة، فنصحت الرئيس بأن ندلف إلى الناظر بابو نمر لتطيب خاطره بعد سقوط الإدارة الأهلية، قال: هتف التقدميون بشعارات لا للرجعية ليردونا عما قصدنا إليه، لكن نميري أَصَرَّ على الزيارة، وعند وصولنا وجدنا الديار مليئة بالآدبين على الرغم من خلائها من بهرج السلطان، قال : جلست إلى الناظر لأطيب خاطره، وقلت له إنَّ الأمر ليس مقصودٌ به شخصٌ بذاته، وإنَّما جاء في إطار تطوير نظم الإدارة، قال: فاجأني الناظر بإدراكه العميق لسيرورة التاريخ حين قال لي: (يا منصور يا ولدي، انت قائل الإدارة الأهلية سقطت اليوم، دي سقطت من يوم جاءنا القطر)، فالقطار حسب بصيرة الرجل المتيقظة ليست هو الآلة الصماء التي تجري على القضبان، وإنما هو العمل النقابي واندياح الوعي بين الناس والصحيفة السيارة التي وصلت إلى الناس مع القطار،. هذه هي سيرورة التاريخ وسنن التغير الاجتماعي التي أدركها بدوي بسيط وغابت عن أذهان منظري “المشروع الحضاري” الذين أرادوا لأهل السودان العودة القهقري لتبني عصبية القبيلة، نعم إنَّ الدولة بهوانها على نفسها وعلى الناس فتحت هذا الباب على مصراعيه للضعف البشري، بما جعل بعض أهل السودان يتلمسون الأمن والطمأنينة والوظيفة الحكومية في الركون إلى القبيلة، ولكن هذا النهج لا يعدو أن يكون مساراً زلقاً ومخدراً لحظيا تنفتح بعد الصحو منه أبواب جهنم على البلاد والعباد، بما يوجب أخذ الحيطة و الحذر حتى لا ينطبق علينا قول دريد ابن الصمة : (بذلت لهم نصحي بمنعرج اللوى … فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ).
إنَّ التجربة الأوروبية تقدم مثالاً معاكساً لهذا المسار الراكض إلى الوراء، فقد عانت أوروبا قروناً طويلة من الصراعات القبيلة والدينية والإقطاعية، لكنها استطاعت تدريجياً أن تتجاوز تلك الانقسامات نحو بناء الدولة الحديثة والمجتمع المدني. وكان جوهر هذا التحول هو نقل الولاء من العشيرة والطائفة إلى المواطنة والقانون، فمن العار علينا أن نجرب المجرب، وألا ندرك إحراق النار بعين البصيرة والخيال، ومن لم يتعلم بلطائف الإحسان، قُيِّدَ بسلاسل الامتحان، تماماً مثل سلاسل الحرب التي تأخذ بتلابيب رقابنا الآن.
وفي خاتمته أقول إنَّ الوحدة الوطنية ومستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على إعادة إحياء القبيلة سياسياً، بل على تقوية مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وتعزيز مفهوم المواطنة الجامعة، ودولة القانون، فالمجتمعات التي تعود إلى العصبيات القديمة تُشَبِهُ من يهدم بيت الرفاه المؤثث، ويأبى المدن الحديثة، ليعود إلى الصحراء وخيام الشَعَر العتيقة، وهذا لن يكون مجرد خطأ تنظيمي، بل انحراف عن مسار التطور الاجتماعي نفسه. فالأمم لا تُبْنَى بالعودة إلى الماضي، بل بتشييد مؤسسات المستقبل.، وقديماً قال الشاعر: “إذا غامرتَ في شرفٍ مروم…فلا تقنعْ بما دونَ النجوم”، وشرف الأمم اليوم ليس في التأسي بقبائلها، بل في قوة مؤسساتها وعدالة قوانينها وتماسك مجتمعها، وبالله التوفيق.

alssamary@gmail.com

عن خليفة محمد السمري

خليفة محمد السمري