بقلم: إدوارد كورنيليو
حين نفتح كتابًا، لا نكون وحدنا. نحن نُدخل إلى فضائنا أصواتًا، سياقات، سلطات، وأحلامًا ليست لنا وحدنا. القراءة ليست فعلًا بريئًا، بل هي لقاءٌ مع بنيةٍ اجتماعية تُشكّل النص وتُشكّلنا من خلاله. مناهج التعليم، دور النشر، السياسات الثقافية، كلها تُسهم في تحديد ما نقرأ، وكيف نقرأ، ولماذا نقرأ.
في المجتمعات التي تُقدّس الإنتاج وتُسلّع المعرفة، تتحوّل القراءة إلى امتياز طبقي. من يملك الوقت للقراءة؟ من يملك المال لشراء الكتب؟ من يُعلَّم كيف يقرأ؟ هذه الأسئلة تكشف أن القراءة ليست متاحة للجميع بنفس الطريقة، وأنها تُمارَس داخل شبكة من الامتيازات والحرمان.
القراءة، إذًا، ليست فعلًا فرديًا، بل طقسٌ اجتماعي تُحدده البنية التي نعيش فيها. حين يُطلب من الطفل أن يقرأ نصًا في المدرسة، فإن هذا النص لا يُختار عشوائيًا، بل يُنتقى ليُرسّخ تصورًا معينًا عن العالم، عن السلطة، عن الذات. وحين يقرأ العامل في وقت فراغه، فإن ما يُتاح له من نصوص غالبًا ما يكون محكومًا بذوق السوق، لا بحاجته إلى الفهم أو التحرر.
لكن هذا لا يعني أن القراءة محكومة بالكامل. بل يعني أن علينا أن نُعيد التفكير فيها، لا كاستهلاكٍ ثقافي، بل كفعلٍ نقدي يُعيد تشكيل الذات والعالم. القراءة يمكن أن تكون مقاومة، حين تُمارَس كمساءلة، كرفض، كبحثٍ عن المعنى خارج القوالب الجاهزة.
المعرفة لا تُنتج في فراغ. إنها تُصاغ داخل مؤسسات، تُموّلها جهات، وتُوزّعها شبكاتٌ تملك سلطة تحديد ما يُقال وما يُنسى. حين نقرأ، نحن لا نواجه النص فقط، بل نواجه البنية التي سمحت بوجوده، وحرمت نصوصًا أخرى من الظهور.
في هذا السياق، يصبح سؤال “من يملك المعرفة؟” سؤالًا جوهريًا. من يكتب الكتب؟ من يُقرّر المناهج؟ من يُموّل دور النشر؟ من يُحدّد ما يُدرَّس وما يُهمَّش؟ هذه الأسئلة تكشف أن المعرفة ليست محايدة، بل تُنتج داخل علاقات قوة، تُخفي أكثر مما تُظهر، وتُعيد إنتاج التصورات التي تخدم مصالح معينة.
حين تُصبح المعرفة سلعة، تُقيَّم حسب قابليتها للبيع، لا حسب قدرتها على مساءلة الواقع، فإن القراءة تتحوّل إلى استهلاك، لا إلى فهم. تُصبح الكتب أدوات ترفيه، لا أدوات تحرر. تُصبح المكتبات مساحات صامتة، لا ساحات نقاش.
لكن المعرفة يمكن أن تُستعاد. يمكن أن نُعيد إنتاجها من الهامش، من التجربة، من الألم، من الذاكرة. يمكن أن نقرأ لا لنُصدّق، بل لنُشكّك. لا لنُكرّر، بل لنُعيد التشكيل. القراءة، حين تُمارَس بهذا الشكل، تُصبح فعلًا تحرريًا، يُعيد للإنسان قدرته على التفكير خارج الخطاب السائد.
ليست كل قراءة مقاومة. هناك قراءة تُعيد إنتاج الهيمنة، تُرسّخ التصورات السائدة، وتُخدّر الوعي بدل أن تُوقظه. حين نقرأ نصًا دون مساءلة، نُعيد إنتاج ما أراده كاتبه، أو ناشره، أو المؤسسة التي سمحت له بالوصول إلينا.
القراءة، في هذه الحالة، تُصبح أداةً للضبط. تُعلّمنا كيف نفكر، كيف نشعر، كيف نُعرّف أنفسنا. تُقدّم لنا نماذج جاهزة للنجاح، للحب، للهوية، وتُقصي كل ما لا يتماشى مع هذه النماذج. تُصبح القراءة مرآةً للسلطة، لا نافذةً على الذات.
في المدارس، تُدرَّس نصوصٌ تُرسّخ الطاعة، تُعلّم الأطفال كيف يُحبّون الوطن دون أن يسألوا عن العدالة، كيف يُحترمون السلطة دون أن يُفكّروا في من يُقصى منها. في الإعلام، تُقدَّم الكتب التي تُعزّز الفردانية، وتُهمّش الجماعة، وتُحوّل الألم إلى قصةٍ شخصية، لا إلى قضيةٍ عامة.
لكن هذا الشكل من القراءة يمكن أن يُكسر. يمكن أن نُعيد النظر في النصوص، أن نُفكّكها، أن نُسائلها. يمكن أن نقرأ لا لنُعجب، بل لنُفكّك. لا لنُصفّق، بل لنُعيد بناء المعنى. القراءة، حين تُمارَس بهذا الشكل، تُصبح أداةً لتحرير الذات من الخطاب الذي يُقيّدها.
ليست كل قراءة خاضعة، وليست كل صفحة مرآة للسلطة. هناك قراءة تُمارَس كرفض، كمساءلة، كبحثٍ عن المعنى خارج الخطاب السائد. هذه القراءة لا تكتفي بالاستقبال، بل تُعيد تشكيل النص، تُفكّكه، تُعيد ترتيبه، وتُحوّله إلى أداةٍ لفهم الذات والعالم.
القراءة التحررية تبدأ حين يتوقف القارئ عن اعتبار النص حقيقةً نهائية، ويبدأ في رؤيته كاحتمال، كاقتراح، كحقلٍ مفتوح للتأويل. حين نقرأ بهذا الشكل، نحن لا نُعيد إنتاج ما كُتب، بل نُعيد إنتاج أنفسنا من خلاله. نُعيد بناء ذاكرتنا، نُعيد ترتيب أسئلتنا، ونُعيد رسم علاقتنا بالزمن والسلطة.
في هذا السياق، تُصبح القراءة فعلًا سياسيًا، لا لأنها تُعلن موقفًا، بل لأنها تُزعزع التصورات الجاهزة. تُصبح القراءة مقاومة حين تُعيد للإنسان قدرته على التفكير، على الحلم، على مساءلة ما يُقدَّم له بوصفه “طبيعيًا” أو “مفروغًا منه”.
القراءة التحررية لا تُمارَس في عزلة، بل تُولد من التجربة، من الألم، من الرغبة في الفهم. إنها قراءة تُقاوم النسيان، تُعيد للغائبين أسماءهم، وللمهمّشين أصواتهم. إنها قراءة تُعيد للذات وجهها في زمنٍ تُمحى فيه الوجوه.
في زمنٍ تُقدَّس فيه الفردانية، تُصبح القراءة الجماعية فعلًا ثوريًا. حين نقرأ معًا، نحن لا نتشارك النص فقط، بل نتشارك الوعي، الذاكرة، الأسئلة، والاحتمالات. القراءة الجماعية تُعيد بناء الجماعة، تُعيد تشكيل اللغة، وتُعيد للإنسان إحساسه بالانتماء.
في حلقات النقاش، في النوادي الفكرية، في الساحات، تُمارَس القراءة كطقسٍ جماعي يُعيد للمعنى طابعه الحي. لا يعود النص مجرد كلمات على ورق، بل يُصبح حدثًا، لقاءً، مساحةً للتفكير المشترك. تُصبح القراءة أداةً لبناء وعيٍ جماعي يُقاوم العزلة، ويُعيد للناس قدرتهم على الحلم معًا.
القراءة الجماعية تُزعزع السلطة لأنها تُعيد توزيع المعرفة. تُكسر احتكار النخبة، وتُفتح المجال للتأويلات المتعددة، للتجارب المختلفة، وللأسئلة التي لا تُطرح في الكتب الرسمية. تُصبح القراءة مساحةً للشفاء، للحوار، ولإعادة بناء الذات من خلال الآخر.
في هذا السياق، تُصبح القراءة طقسًا لا يُمارَس في الصمت، بل في الصوت، في السؤال، في التفاعل. تُصبح فعلًا حيًا يُعيد للمعنى نبضه، وللجماعة قدرتها على التفكير خارج القوالب الجاهزة.
القراءة ليست فقط بحثًا عن المعرفة، بل هي أيضًا بحثٌ عن الذاكرة. حين نقرأ، نحن لا نُعيد إنتاج النص فقط، بل نُعيد استدعاء ما فُقد، ما مُحي، ما أُقصي من التاريخ. القراءة تُصبح فعلًا طقسيًا يُعيد للغائبين أسماءهم، وللألم لغته، وللنسيان مقاومته.
في النصوص المنسية، في الشهادات المهملة، في القصائد التي لا تُدرَّس، تُقيم الذاكرة. القراءة تُصبح وسيلةً لاستعادة ما حاولت السلطة محوه، وما حاول السوق تجاهله. تُصبح القراءة فعلًا من أفعال الحداد، من أفعال التذكّر، من أفعال المقاومة ضد المحو.
حين نقرأ عن المجازر، عن المنفيين، عن المهمّشين، نحن لا نُعيد سرد التاريخ فقط، بل نُعيد بناء علاقتنا به. نُعيد تشكيل ذاكرتنا، ونُعيد رسم علاقتنا بالزمن. تُصبح القراءة فعلًا من أفعال الوفاء، من أفعال الحب، من أفعال التذكّر الذي يُعيد للإنسان وجهه.
القراءة، في هذا السياق، تُصبح طقسًا يُمارَس لا لتجاوز الألم، بل لمرافقته، لفهمه، لتحويله إلى معنى. تُصبح وسيلةً لتحويل الحزن إلى سؤال، والغياب إلى حضور، والندبة إلى لغة.
في زمنٍ تُختزل فيه المعرفة إلى تغريدات، وتُختطف فيه الانتباه من قبل الشاشات، تُصبح القراءة فعلًا مقاومًا للسرعة. لم تعد الصفحات تُقلب بحثًا عن المعنى، بل تُمرَّر كما تُمرَّر الصور في هاتفٍ ذكي. تُصبح القراءة عبئًا، لا طقسًا، وتُستبدل بالاستعراض، لا بالتأمل.
الزمن الرقمي يُعيد تشكيل علاقتنا بالنص. يُعلّمنا أن نقرأ بسرعة، أن نُعلّق بسرعة، أن ننسى بسرعة. تُصبح القراءة فعلًا عابرًا، لا علاقةً حميمة مع اللغة. تُصبح الكلمات أدوات ترويج، لا أدوات تفكير. تُصبح الكتب منتجات، لا طقوسًا.
لكن في قلب هذا التسارع، يمكن للقراءة أن تُعيد بناء الزمن. يمكن أن تُبطئ الإيقاع، أن تُعيد للمعنى وقاره، أن تُعيد للإنسان قدرته على التوقف، على التأمل، على الإصغاء. القراءة تُصبح مقاومة حين تُمارَس كرفضٍ للسرعة، كبحثٍ عن العمق، كاستعادةٍ للزمن البشري في وجه الزمن الرقمي.
في هذا السياق، تُصبح القراءة فعلًا من أفعال التذكّر، من أفعال الحنين، من أفعال التباطؤ الذي يُعيد للذات قدرتها على الحلم. تُصبح طقسًا يُمارَس لا في العجلة، بل في الصمت، في التأنّي، في الإصغاء لما لا يُقال.
القراءة، كما تُمارَس اليوم، تحتاج إلى إعادة تخيّل. لا يكفي أن نقرأ، بل يجب أن نُعيد بناء علاقتنا بالنص، بالزمن، بالذات. يجب أن نُعيد للقراءة طابعها الطقسي، لا بوصفها مهارة، بل بوصفها فعلًا من أفعال الوجود، من أفعال المقاومة، من أفعال الحب.
نحو طقسٍ جديد للقراءة، نحتاج إلى أن نقرأ جماعةً، لا فرادى. أن نقرأ لا لنُعجب، بل لنُفكّك. أن نقرأ لا لنُصفّق، بل لنُسائل. أن نقرأ لا لننسى، بل لنتذكّر. أن نقرأ لا لنُعيد إنتاج الخطاب، بل لنُعيد إنتاج الذات.
هذا الطقس الجديد لا يُمارَس في الصمت فقط، بل في الصوت، في السؤال، في التفاعل. لا يُمارَس في العزلة فقط، بل في الجماعة، في اللقاء، في الحلم المشترك. القراءة تُصبح فعلًا حيًا، لا فعلًا ميتًا. تُصبح وسيلةً لبناء الذات، لا لترويضها.
في هذا الطقس، تُصبح القراءة مقاومةً ضد النسيان، ضد السرعة، ضد الاستهلاك. تُصبح وسيلةً لاستعادة ما فُقد، لما أُقصي، لما مُحي. تُصبح وسيلةً لبناء ذاكرةٍ جماعية تُعيد للإنسان وجهه، وللجماعة صوتها، وللزمن معناه.
القراءة ليست فعلًا ثقافيًا فقط، بل هي فعلٌ وجودي، سياسي، طقسي. حين نقرأ، نحن لا نُمارس هواية، بل نُمارس مقاومة. نُقاوم النسيان، نُقاوم الهيمنة، نُقاوم السرعة، نُقاوم الاستهلاك. نُعيد بناء الذات، نُعيد تشكيل الذاكرة، نُعيد رسم علاقتنا بالعالم.
في زمنٍ تُمحى فيه الوجوه، وتُختزل فيه اللغة، تُصبح القراءة فعلًا من أفعال الوفاء. وفاءٌ للغائبين، للمنسيين، للمهمّشين. تُصبح القراءة وسيلةً لاستعادة ما لا يُقال، لما لا يُدرَّس، لما لا يُباع. تُصبح وسيلةً لبناء معنى في وجه الفراغ.
حين نقرأ، نحن لا نُعيد إنتاج النص فقط، بل نُعيد إنتاج أنفسنا من خلاله. نُعيد بناء علاقتنا بالزمن، بالسلطة، بالذاكرة. نُعيد للإنسان قدرته على التفكير، على الحلم، على الحب. نُعيد للقراءة طابعها الطقسي، لا بوصفها مهارة، بل بوصفها فعلًا من أفعال الحياة.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم