القرار الأمريكي المتأخر: هل تبدأ نهاية دولة التمكين في السودان؟

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

«بعد ثلاثين عاماً من دولة التمكين، قد يكون القرار الأمريكي بداية استعادة الدولة السودانية… وبداية نهاية خطر الحركة الإسلامية على السودان والبحر الأحمر.»

بعد أكثر من ثلاثين عاماً على انقلاب الحركة الإسلامية في السودان عام ١٩٨٩، يبدو أن العالم يقترب أخيراً من الاعتراف بحقيقة ظل السودانيون يعيشون نتائجها طوال تلك العقود: أن النظام الذي نشأ آنذاك لم يكن مجرد سلطة سياسية عادية، بل مشروعاً أيديولوجياً منظماً اختطف مؤسسات الدولة وأعاد تشكيلها لخدمة شبكة سلطوية مرتبطة بالحركة الإسلامية وتنظيم الإخوان المسلمين.

واليوم، ومع الحديث عن قرار أمريكي محتمل بتصنيف هذه الشبكات كتنظيمات إرهابية، يصبح السؤال أكبر من مجرد خطوة قانونية أو سياسية. فالقضية لا تتعلق بالسودان وحده، بل بمنطقة كاملة تمتد من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر.

لكن لفهم أهمية هذه اللحظة يجب العودة إلى نقطة البداية: انقلاب الثلاثين من يونيو عام ١٩٨٩. ذلك الانقلاب لم يكن مجرد استيلاء تقليدي على السلطة بواسطة الجيش، بل كان مشروعاً أيديولوجياً هدف إلى إعادة تشكيل الدولة السودانية نفسها.

ومنذ الأيام الأولى لذلك النظام بدأت عملية واسعة عُرفت داخل أدبياته باسم سياسة التمكين، أي إحلال عناصر الحركة الإسلامية في مفاصل الدولة الأساسية من الجيش والأجهزة الأمنية إلى الخدمة المدنية والجامعات والمؤسسات الاقتصادية.

وبمرور الوقت لم تعد مؤسسات الدولة تعمل وفق قواعد المهنية والحياد، بل أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بولاءات تنظيمية وأيديولوجية. وبذلك تحولت الدولة السودانية تدريجياً إلى شبكة سلطة تجمع بين مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والشبكات الاقتصادية والتشكيلات المسلحة.

وقد كان لهذه البنية أثر مباشر في الحروب التي شهدها السودان خلال العقود الماضية. فالنزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق لم تكن مجرد نزاعات محلية، بل كانت أيضاً نتيجة لبنية السلطة التي نشأت بعد ١٩٨٩ والتي اعتمدت بشكل متزايد على التعبئة الأيديولوجية واستخدام المليشيات.

كما لم تكن هذه التحولات محصورة داخل السودان فقط. فقد أقامت السلطة الإسلامية خلال فترات مختلفة علاقات تعاون عسكري وأمني مع إيران شملت التدريب والدعم اللوجستي، وهو ما أدخل السودان في معادلات جيوسياسية أوسع في منطقة البحر الأحمر.

ويمثل البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية في العالم حيث تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية والطاقة. ولذلك فإن أي اضطراب سياسي أو أمني في الدول المطلة عليه ينعكس مباشرة على أمن الملاحة والتوازنات الإقليمية.

ومن هنا تكتسب الخطوة الأمريكية المحتملة أهميتها. فهي لا تعني مجرد تصنيف سياسي، بل تعكس اعترافاً دولياً بأن جزءاً مهماً من أزمة السودان كان مرتبطاً باختطاف مؤسسات الدولة بواسطة شبكة أيديولوجية.

لكن أهمية القرار لا تكمن في التصنيف نفسه، بل في ما يمكن أن يفتحه من فرصة لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس مهنية ومؤسساتية.

فالسودان يمتلك مقومات كبيرة ليكون ركيزة للاستقرار الإقليمي: موقع جغرافي استراتيجي، موارد زراعية ضخمة، مجتمع متنوع وغني ثقافياً، وإمكانات اقتصادية واسعة إذا ما أُحسن استثمارها.

وإذا نجح السودانيون في إعادة بناء مؤسسات دولتهم يمكن أن يتحول السودان من بؤرة للصراع إلى محور للاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

فالقرار الأمريكي المنتظر قد يكون متأخراً أكثر من ثلاثين عاماً، لكنه قد يأتي في لحظة تاريخية يصبح فيها تفكيك دولة التمكين شرطاً ضرورياً ليس فقط لبناء السودان الجديد، بل أيضاً لاستقرار واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم.

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس

مارس ٢٠٢٦ – إيطاليا

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

سونا في زمنها المهني: شهادة على جيل الصحافة قبل إعلام السلطة

شهادةً الصحفي المخضرم محمد الفاتح سيداحمد نائب المدير العام بالإنابة وأثناءها المدير العام بالإنابة لفترات …