من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان – مقالات من بطون الكتب ونبض الميدان
مدخل:
حين يعمل الاقتصاد خارج دفاتر الدولة
ليس كل ما لا يُسجَّل فوضى،
وليس كل ما لا يُرخَّص تمرّدًا،
وليس كل ما يقع خارج دفاتر الدولة عبئًا عليها.
في مساحات واسعة من إفريقيا والعالم النامي، يعمل الاقتصاد الحقيقي حيث لا تصل الاستمارات، ولا تنتظر الختم، ولا تحضر الجداول الإحصائية.
هناك، في الأسواق الشعبية، والورش الصغيرة، والنقل الأهلي، والتجارة اليومية، يتكوّن ما اصطلح على تسميته بـ القطاع غير المنظّم.
و نطرح سؤال هل أخفق هذا القطاع في الاندماج؟
أم أخفقت الدولة في استيعابه؟
أولًا:
من أين جاء مفهوم «القطاع غير المنظّم»؟
ظهر المصطلح رسميًا في تقرير منظمة العمل الدولية (ILO) عام 1972، أثناء دراسة سوق العمل في كينيا.
كان التوصيف آنذاك مؤقتًا، يُفترض أن يزول مع التحديث والتنمية.
لكن ما حدث لاحقًا خالف التوقعات:
تمدّد القطاع غير المنظّم
تعمّق
صار بنية دائمة لا ظاهرة عابرة
تحوّل المفهوم من توصيف مرحلي إلى واقع هيكلي في اقتصادات كاملة.
ثانيًا:
ما هو القطاع غير المنظّم؟
القطاع غير المنظّم هو:
نشاط اقتصادي مشروع في جوهره،
لكنه يعمل خارج الإطار القانوني أو الضريبي أو التنظيمي الرسمي.
وهو يشمل:
الباعة المتجولين
الحرفيين
الورش الصغيرة
النقل الشعبي
التجارة الحدودية الصغيرة
الخدمات الرقمية غير المسجلة
ليس اقتصاد جريمة،
ولا اقتصاد ظل بالضرورة،
بل اقتصاد ضرورة.
ثالثًا:
انه اقتصاد يعمل بلا أوراق
في السودان، لا يمكن فهم الاقتصاد الرسمي دون قراءة ما حوله.
القطاع غير المنظّم:
يمتص البطالة
يوفّر الدخل
يخلق شبكات تضامن اجتماعي
يعمل في غياب التمويل المصرفي
ويعوّض هشاشة الدولة
في السودان:
لم ينشأ القطاع غير المنظّم خيارًا،
بل نشأ استجابةً لفراغ الدولة.
ومع ذلك، ظل:
خارج السياسات
خارج التخطيط
خارج الحماية
لكنه داخل حياة الناس.
رابعًا:
المقارنة
– حين تتباين الاستجابات
إثيوبيا:
إدماج تدريجي للحرفيين
تسجيل مبسّط
ضرائب رمزية
اعتراف بالواقع قبل محاولة ضبطه
رواندا:
تنظيم بلا قمع
تراخيص سريعة
ربط النشاط بالخدمات (تأمين صحي – تدريب)
نيجيريا:
قطاع غير منظّم ضخم
إدماج ضعيف
خسارة ضريبية
لكن استقرار اجتماعي نسبي بفضل امتصاص البطالة
الخلاصة:
المشكلة ليست في وجود القطاع غير المنظّم،
بل في كيفية تعامل الدولة معه.
خامسًا:
القطاع غير المنظّم والتنمية المستدامة
وفق أهداف التنمية المستدامه
يساهم القطاع غير المنظّم في:
تقليل الفقر
خلق فرص العمل
دعم الأمن الغذائي
استقرار المجتمعات الحضرية
لكنه في المقابل:
يضعف القاعدة الضريبية
يحدّ من التخطيط طويل الأمد
يحرم العاملين من الحماية الاجتماعية
يُربك البيانات الاقتصادية
هنا تتجلّى المفارقة:
القطاع يخدم المجتمع،
لكنه يُربك الدولة.
سادسًا:
المعضلة الحقيقية
السؤال ليس: هل نُحارب القطاع غير المنظّم؟
بل:
هل نُعيد تصميم السياسات لتستوعبه؟
أم نُصرّ على نماذج لا تعترف بالواقع؟
التجربة العالمية تؤكد:
القمع لا يُنتج تنمية
التجاهل لا يُنتج دولة
الإدماج الذكي وحده يصنع التوازن
سابعًا:
كيف تحوّل بعض الدول العبء إلى رافعة؟
الدول التي نجحت لم تبدأ بالضرائب، بل بـ:
تبسيط التسجيل
تقليل الكلفة
تقديم خدمات مقابل الامتثال
بناء الثقة قبل الرقابة
حين يشعر العامل أن الدولة:
لا تعاقبه على الوجود
بل تعترف به وتحميه
يبدأ الاندماج تلقائيًا.
الخاتمة:
بين الاقتصاد الحقيقي والدولة الممكنة
القطاع غير المنظّم ليس عدو التنمية، ولا بديلاً عن الدولة، ولا حالة شاذة.
إنه:
مرآة لفشل السياسات حين يُهمَل
ورافعة للتنمية حين يُدمَج بعقلانية
التنمية المستدامة لا تُبنى من أعلى فقط، بل من الشارع، من السوق، من الجيب.
كلمة من بنيان:
من لا يفهم اقتصاد الناس
لن يبني دولة تستمر.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم