محمد صالح عبدالله يس
السياحة في أعماق المشاهير لها ادواتها وشروطها وادابها فليست سيرة الإنسان مجرد تواريخ تحفظ الى جوار بعضها في المكتبات ولا هي مناصب وأحداث تستخرج من دفاتر الخدمة ثم تعاد روايتها انما هي محاولة للنفاذ إلى روح العصر الذي عاش فيه والى تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت مواقفه وتركته شاهدا على زمانه
وبعض المشاهير مروا بحياتنا وغادرونا مثل النيازك العابرة لم يطيلوا المكث والبقاء بيننا لكنهم تركوا توقيعاتهم على بوابات المدن وشرفات التاريخ وفي صدور الذين عاصروهم وظلت اثارهم تلمع في ذاكرة الناس حتى بعد أن غابت أجسادهم ورحلوا بعيدا وتركوا في لاحبابهم قساوة التذكار
والكمندان مدني واحد من أولئك العابرين الذين تركوا في فضاءات بلادنا ومضات أضاءت ما حولها فبددت شيئا من ظلمات المكان ومحت بعضا من دلجة الزمان وعتمته
عاد الكمندان مدني مهدي سبيل إلى السودان قادمًا من ريو دي جانيرو بعد مشاركته في مؤتمر للإنتربول حاملًا معه تجربة جديدة أضافها إلى سجل طويل من العمل الشرطي والإداري.
ولم تمضِ فترة طويلة على عودته حتى وقع عليه الاختيار لقيادة بعثة الحج السودانية
لم يكن الاختيار، فيما يبدو منفصلا عن معرفة إدارة الشرطة ووزارة الداخلية بشخصية الرجل فقد عرف عنه تعلقه بالطرق الصوفيه ومحبته لمجالسة الذاكرين وأهل التصوف وكان من تلاميذ الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني، مؤسس الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية وهكذا اجتمع في الرجل وهو يتاهب لهذه المهمة وجهان من شخصيته رجل الشرطة الصارم في التنظيم والانضباط والرجل الصوفي الذي يرى في الحج رحلة للروح قبل أن تكون مهمة إدارية منذ اللحظة الأولى تعامل الكمندان مدني سبيل مع قيادة بعثة الحج باعتبارها مسؤولية وطنية كاملة لا مجرد تكليف موسمي
بدأ بتنظيم بعثته الإدارية وتشكيل لجانها واستنفر طاقات الضباط والعاملين في السجلات لتسريع استخراج الوثائق والأوراق الثبوتية للحجاج ثم تواصل مع الجهات المصرفية المختصة لتوفير العملات الصعبة وترتيب استبدال أموال الحجاج حتى لا يصل أحد منهم إلى الأراضي المقدسة وهو يواجه ضيقا في المال أو مشقة في الإجراءات
ثم انتقل إلى الملف الأكثر حساسية الصحة.
كان الحج في تلك السنوات مختلفا عما نعرفه اليوم وسائل السفر محدودة والرحلات طويلة وشاقة والأوبئة العابرة للحدود تمثل خطرا حقيقيا على التجمعات البشرية الكبرى ولهذا حرص الكمندان على التنسيق مع الجهات الصحية ومراجعة إجراءات التحصين والتطعيم والتأكد من تلقي الحجاج اللقاحات المطلوبة ضد الحميات والأمراض المعدية في زمن كان فيه الجدري والكوليرا وغيرها من الاوبئة يمثل تهديدا مخيفا للحجاج القادمين من مناطق مختلفة من العالم.
كان يعرف أن نجاح البعثة لا يقاس فقط بوصول الحجاج إلى مكة وإنما بعودتهم سالمين
وقبل أن تتحرك البعثة، سافر الكمندان بنفسه إلى بورتسودان وسواكن هناك على شاطئ البحر الأحمر وقف يراجع ترتيبات السفر ويتفقد سلامة السفن والبواخر التي ستقل الحجاج في رحلتهم البحرية إلى جدة ولم تكن بورتسودان وسواكنها يومئذ مجرد نقطتين لعبور الحجاج السودانيين بل كان شرق السودان معبرا تاريخيا تمر عبره مجموعات من الحجاج القادمين من غرب ووسط أفريقيا من نيجيريا وتشاد وأفريقيا الوسطى ودول الساحل الافريقي كان بعض هؤلاء يقطعون مسافات هائلة في ظروف شديدة القسوة يصلون بعد سفر طويل أنهك الأجساد وقطع الاوصال بعضهم قطع أجزاء من الطريق سيرا على الأقدام الاف الكيلو مترات بعد رهق ونَصَب ومخمصة قادمين من مناطق تعاني هشاشة في الخدمات الصحية وهنا أصبحت المسؤولية أكبر فبالتعاون مع السلطات الصحية شددت إجراءات الفحص والتحقق من سلامة العابرين حماية للحجاج وحماية للمدن التي يمرون بها كان الكمندان يتحرك بين ملفات السفر والصحة والنقل والأمن وكأنه يدير مدينة متنقلة لا بعثة حج فحسب.
بعد أن اطمأن إلى اكتمال التدابير في السودان غادر مدني سبيل مع أعضاء لجنة البعثة إلى المملكة العربية السعودية استعدادا لاستقبال الحجاج وتنظيم شؤونهم هناك
وفي الأراضي المقدسة التقى الأمير فهد بن عبدالعزيز الذي كان يتولى آنذاك وزارة الداخلية السعودية فصدرت التوجيهات للجهات المختصة بتقديم التسهيلات والاهتمام ببعثة الحج السودانية وتوفير ما يلزمها من سبل الراحة
هنا تراجع رجل الإدارة قليلًا إلى الخلف، وتقدم الحاج مدني سبيل
كان الرجل الذي اعتاد الملفات ومراكز الشرطة والاجتماعات الرسمية يقف الآن وسط ملايين المسلمين بثياب الإحرام لا رتبة تميزه ولا منصب يرفعه عن الآخرين ومضت أيام المناسك، فيما ظلت عين رئيس البعثة مفتوحة على شؤون حجاجه يتابع أحوالهم ويطمئن إلى صحتهم وإقامتهم وتنقلاتهم حتى أتم الحجاج السودانيون مناسكهم في ظروف طيبة من دون أن تسجل البعثة بحسب الرواية التي وصلتنا حوادث كبيرة تعكر صفو رحلتها
لكن رحلة مدني سبيل إلى الاراضي المقدسة كانت تخبئ له لحظة لم تكن جزءا من أي خطة إدارية
بعد أداء المناسك وقع عليه الاختيار للمشاركة في مراسم غسل الكعبة المشرفة وتجديد كسوتها
كان شابا في ريعان العمربعيدا عن وطنه يحمل على كتفيه مسؤولية بعثة كاملة فإذا به يجد نفسه أمام واحد من أعظم المشاهد التي يمكن أن تختزنها ذاكرة إنسان
دخل الرجل الذي قضى سنوات عمره بين أقسام الشرطة ومكاتب الإدارة إلى رحاب البيت العتيق ليشارك مع آخرين في غسل الكعبة.
ومن أرفع لحظات تلك الرحلة أن حظي الكمندان مدني مهدي سبيل بشرف الصلاة داخل الكعبة المشرفة وهي مكرمة ظل يعتز بها طوال حياته ويحفظ للملك فهد بن عبدالعزيز فضل إتاحتها له بوصفها ذكرى ايمانية لا تمحى من الوجدان
ولنا أن نتخيل ما كان يدور في داخله في تلك اللحظات فالإنسان الذي تربى على الذكر ومجالسة أهل التصوف والذي تتلمذ في رحاب الطريقة البرهانية لم يكن ينظر إلى الامر بوصفه تكريما بروتوكولا عابرا فقد كان بالنسبة اليه شرفا روحانيا سيظل محفورا في ذاكرته ما بقي من العمر فهناك أمام الكعبة وفي حجر اسماعيل تسقط الرتب والألقاب لم يعد الكمندان الذي تصدر التعليمات باسمه وإنما أصبح الحاج مدني؛عبدا من عباد الله يقف في مكان تهفو إليه قلوب الملايين ولعلها كانت واحدة من اللحظات القليلة التي انتصر فيها الصوفي داخل رجل الشرطة على ضجيج الوظيفة ورتبهاوالقابها وقد سالت المهندس انور مدني نجل الكمندان عن ذكرياته التي سمعها من والده ومن ضمنها أهدى الأمير فهد بن عبدالعزيز يوم كان وزيرا للداخلية هدايا تذكارية نقش عليها اسمه وما تزال أسرته تحتفظ بها حتى اليوم شاهده على تلك الرحلة واللقاء بل حتي كروت الملك فهد الشخصية وتحمل توقيعاته مازالت موجودة الي يوم الناس هذا
انتهى موسم الحج وبدات افواج السودانيين رحلة العودة لكن رئيس البعثة لم يكن يستطيع ان يحمل حقيبته ويرحل مع اول فوج ظل مدني هناك يراقب عودة الحجيج وتفويجهم ويتابع المغادرين فوجا بعد فوج ويتاكد من ان الذين جاء بهم من السودان قد خذوا طريقهم عائدين غانمين سالمين الى أهلهم
وحين اطمأن إلى أن آخر الحجاج قد غادروا جمع أعضاء بعثته وحمل حقيبته وغادر في آخر رحلة عائدة إلى السودان
عاد الرجل هذه المرة بلقب جديد لم تمنحه له وزارة الداخلية ولم تمنحه له رئاسة الشرطة.
عاد الحاج مدني مهدي سبيل
وفي ذاكرته ريو دي جانيرو وعطبرة وقطارات السكة حديد وفي قلبه مكة وعلى كتفيه سنوات من العمل الشرطي الذي كان يزداد تعقيدا كلما تقدم به الزمن لكن الوطن الذي تركه خلفه وهو ذاهب إلى الأراضي المقدسة لم يكن ينتظره بالهدوء نفسه الذي وجده في رحاب البيت العتيق
كانت الخرطوم تخبئ له ملفات ثقيلة وكانت أجهزة الشرطة تنتظر رجلها وفارس مهامها
وكانت الأيام القادمة تحمل أحداثا ستضع خبرته وشجاعته ووفاءه للمهنة امام اختبارات اشد قسوة هبط الحاج الكمندان مدني مهدي سبيل الى ارض السودان ولم يكن يدري ربما ن وراء ابواب المكاتب المغلقة ملفات وأهوالا عظيمة كانت في انتظاره.
وهنا
تبدا حكاية أخرى من حكايات ذلك النيزك العابر الذي أضاء سماء الشرطة السودانية ثم مضى تاركا توقيعاته على بوابات المدن وشرفات التاريخ ونواصل
