محمد صالح عبدالله يس
لم تكن سيرة القمندان مدني مهدي سبيل مجرد انتقالات بين مواقع الشرطة ولا سجلاً وظيفياً تُحصى فيه الرتب والمناصب وسنوات الخدمة؛ فقد كانت في بعض مساراتها ومنعرجاتها امتحانا بالغ القسوة والصعوبة فعندما تكون الشرطة خادما للقانون وحارسا للدولة وهياكلها ومؤسساتها ومؤتمناً على هيبة المؤسسة لا على رغبات أصحاب السلطة من وزراء وزعماء حزبيين
وبعد الدور الذي اضطلع به في إحباط محاولة انقلاب خالد حسين الكد وما أعقب ذلك من القبض على المتورطين واستكمال إجراءات التحقيق وإحالتهم إلى القضاء عقد البرلمان السوداني جلسة طارئة وطلب من وزير الداخلية ان يقدم احاطة كاملة للبرلمان عن انقلاب الكد ووجه الرلمان وزير الداخلية من اجراء تنقلات وتدابير اجرائية لتامين مسيرة النظام الديمقراطي الذي بدأ تتاكل اوصاله وتهدد وجوده المخاطر والمؤمرات فقد كانت الاجواء في الخرطوم تنذر بحدوث انقلاب اخر ربما يكتب لي النجاح والتايد هذة المرة سيما وان الحكومة التي اعقبت ثورة اكتوبر كانت تحمل فيروسات فنائها منذ تكوينها الهش وبلغ الخصام بين حزبي الامة والاتحادي ذروته انشق حزب الامة علي ذاته واجريت انتخابات سريعة فاز فيها الصادق المهدي والذي بدوره ابعد المحجوب من سدة الوزارة فخرج محجوب مغاضبا وسافر الي بيروت للاستجمام والراحة وهناك حاصرته الصحافة اللبنانية بسيل من الاسئلة عن السودان واوضاعه السياسية سيما وان الحكومات العربية لم تعرف الديمقراطية كنظام للحكم والسودان ولبنان هما الدولتان العربيتان اللتان عرفتا الديمقراطية كمنهج للحكم والتداول السلمي للسلطة كان رد المحجوب للصحفيين اللبنانين ردا شاعريا لا يخلو من الطرفة والسخرية كيف لا وهو فارس المنابر واحد امراء لغة الضاد ( ان سالتم عن المحجوب فانه بلبنان وان سالتم عن السودان فانه عن بن الثلاثين ) وكان يقصد بابن الثلاثين السيد الصادق الذي اكمل عامه الثلاثين وهو شرط لمن يريد ان يصبح رئيسا للوزراء في القوانين والنظم السودانية اجرت رئاسة الشرطة عددا من التنقلات الواسعة بين قياداتها. وأعلن المدير العام تعيين تسعة مساعدين له في ترتيب إداري جعلهم بمثابة رؤساء لشرطة الأقاليم بينما غادر القمندان مدني موقعه في شرطة الخرطوم إلى وزارة الداخلية حيث عين مديراً لإدارة التدريب والترفيه لكن وراء ذلك النقل حكاية أخرى تكشف شيئا من العلاقة الدقيقة بين السلطة السياسية والمؤسسة الشرطية في سنوات الديمقراطية السودانية وقد اثبتت الايام ان تلك التنقلات لم تكن اجراء روتينا بعد محاولة خالد الكد لكنها كان بداية لمؤامرة اكبر في باطني اجرائي وقائي وفي باطنها استبعاد للقمندان مدني الذي افشل محاولة الكد الانقلابية وقد ذكر مدني لاصدقائه انه ابعد من امن مديرية الخرطوم لانه اصبح عقبة امام اي تحرك اخر يحول بين المغامرين الذين تدعمهم جيوب بعض الاحزاب للانقضاض علي الديمقراطية التي ضاقوا بها ذرعا لان صناديق الاقتراع ابعدتهم فاصبحوا يراهنون علي صناديق الذخيرة التي بيد العسكرتارية
كان السودان يومها يعيش حياة حزبية مفتوحة وكانت المنافسة السياسية تزداد احتداماً مع اقتراب نهاية الدورة البرلمانية واستعداد الأحزاب لمعركة انتخابية جديدة. وفي ذلك المناخ أراد السيد يحيى الفضلي، وزير المواصلات آنذاك إقامة ندوة سياسية في دائرته الانتخابية بالخرطوم غرب لمخاطبة ناخبيه وطلب من وزير الداخلية حسن عوض الله أن يستدعي المسؤول الشرطي المختص في الخرطوم حتى يكلّفه بتوفير قوة من الشرطة لحراسة الندوة وحفظ النظام فيها
استدعي وزير الداخلية القمندان مدني مهدي سبيل ووضع أمامه الطلب لكن القمندان وبعد ان استمع الي الوزير اختار الطريق الصعب أوضح للوزير أن القوانين وفق تقديره المهني لا تتيح له أن يحوّل الشرطة إلى حراسة لندوة حزبية لمجرد أن أحد الوزراء طلب ذلك فالبلاد ما تزال تعيش حياة ديمقراطية والندوات السياسية للأحزاب تُقام بصورة طبيعية ولم تكن هناك سوابق أو مؤشرات أمنية تستدعي معاملة هذه الندوة معاملة استثنائية. وكان يخشى أن يؤدي إقحام الشرطة في مثل هذه المناسبات إلى المساس بحيادها وإعطاء الانطباع بأنها أصبحت جزءاً من المنافسة الحزبية.
لم يكن اعتراضه موجهاً ضد الوزير أو حزبه وإنما كان دفاعا عن مسافة ينبغي أن تبقى قائمة بين الشرطة والاحزاب والسياسة واوحالها ومضباطها اعتذر مدني عن تنفيذ الطلب بالصورة التي طُرحت عليه ثم غادر المكتب تاركاً وزير الداخلية مع وزير المواصلات وهنا بدأت كلفة كلمة الرفض
استشاط يحيى الفضلي غضبا من موقف القمندان ورأى في رفضه خروجاً على ما أراده فطلب من وزير الداخلية نقله من موقعه في شرطة الخرطوم ولم تمضِ الواقعة بلا أثر إذ نُقل مدني إلى رئاسة وزارة الداخلية ثم أُسندت إليه إدارة التدريب والترفيه، وهي وظيفة لم تكن بالمقارنة مع المواقع الأمنية والجنائية التي راكم فيها خبرته توازي قدراته وتجربته الطويلة.
وهكذا تحولت واقعة تبدو صغيرة في ظاهرها إلى فصل بالغ الدلالة في سيرته.
فالوظائف العامة لا تُختبر قيمتها حين تتوافق إرادة المسؤول مع القانون وإنما يبدأ الامتحان الحقيقي عندما يقف الموظف بين رضا السلطة ورضا ضميره المهني. وهناك يتحدد الفارق بين من يرى المنصب امتيازاً ينبغي المحافظة عليه ومن يراه أمانة يمكن التضحية بها إذا أصبح ثمن البقاء فيها هو التنازل عن استقلال المؤسسة.
لقد كان مدني يدرك أن الشرطة إذا دخلت أبواب السياسة من نافذة المجاملة فقد يصعب عليها أن تستعيد حيادها عندما تتسع تلك النافذة لتصبح بابا وكان يعرف بحسه الشرطي المتراكم أن هيبة رجل الشرطة لا يصنعها السلاح ولا الرتبة وحدهما، وإنما تصنعها ثقة المواطن بأنه يقف على المسافة نفسها من الجميع.
والمفارقة المؤلمة أن الرجل الذي أسهم قبل ذلك في إحباط محاولة تستهدف النظام الديمقراطي وجد نفسه يدفع ثمنا باهظا ومهنياً لأنه تمسك بأحد أهم شروط بقاء ذلك النظام وهو حياد أجهزة الدولة عن الصراعات الحزبية
لقد حمى الديمقراطية مرة عندما واجه الخارجين عليها بأدوات التحقيق والقانون وحماها مرة أخرى عندما رفض أن تصبح الشرطة أداة في يد السياسيين وفي المرتين لم يكن حزبيا كان شرطيا ولعل هذه الواقعة هي التي تمنح سيرة القمندان مدني مهدي سبيل معناها الأبعد فالاستقامة في الوظيفة العامة ليست خطاباً أخلاقيا يقال بعد التقاعد وإنما قرار يتخذ في اللحظة التي يكون فيها ثمن كلمة الحق معلوماً سلفاً.
لقد كان يستطيع أن يحتفظ بموقعه مقابل أمر واحد، لكنه فضّل أن يحتفظ بشيء أبقى من الموقع استقلال قراره وكرامة مهنته فخسر المنصب ولم يخسر نفسه.
وهذه إحدى المفارقات القاسية في تاريخ الخدمة العامة في بلادنا أن يدفع بعض الرجال ثمن نزاهتهم من مواقعهم بينما تبقى المواقف التي أخرجتهم من تلك المواقع هي ذاتها التي تعيدهم بعد عشرات السنين إلى ذاكرة الناس فالمنصب تمنحه السلطة وتسحبه متى شاءت أما السيرة فلا تملك السلطة كتابتها إلى الأبد ولهذا عندما نعيد اليوم قراءة قصة القمندان مدني مهدي سبيل لا ينبغي أن نسأل فقط إلى أي منصب نُقل ؟ بل ينبغي أن نسأل السؤال الأهم ما الذي رفض أن يفعله حتى يبقى في منصبه؟
وهنا تكمن قيمة الرجل، وهنا يبدأ التاريخ
عبارة (هذه ليست مسؤوليتي ) ليست جملة عابرة يستطيع كل موظف أن يقولها في حضرة رئيسه ولا سيما حين يكون الرئيس وزيرا يملك سلطة الأمر والنقل والتكليف والفصل إنها عبارة لا تخرج إلا من فم موظف امتلأ ثقة بمعرفة واستقام على حدود اختصاصه وأدرك أن الطاعة الوظيفية ليست انقيادا اعمى وان للرئيس حق التوجيه لكن ليس له أن يطلب من مرؤوسه أن يتجاوز القانون أو يحمّل الوظيفة ما ليس من طبيعتها. فالوظيفة العامة في سموها النبيل ليست بابا لإرضاء الرؤساء وإنما عهد بين الموظف والقانون؛ وحين يتعارض رضا المسؤول مع مقتضيات المهنة تظهر معادن الرجال منهم من يحني رأسه حفاظا على كرسيه ومنهم من يقف منتصبا هادئا ويقول هذه ليست مسؤوليتي
وحين قالها القمندان مدني مهدي سبيل لم يكن يتحدى وزيرا ولم يكن يتمرد على سلطة إدارية وإنما كان يرسم بقلمه المهني خطا فاصلاً بين سلطة السياسة وسلطة القانون كان يعلم أن الشرطة تفقد شيئاً من هيبتها كلما دعيت لخدمة رغبة سياسية لا تسندها ضرورة أمنية أو قاعدة قانونية وأن أول أبواب الانحراف في مؤسسات الدولة يُفتح حين يصبح الموظف أكثر خوفاً على منصبه من خوفه على شرف مهنته. لذلك كانت كلمته القصيرة أكبر من واقعة وأبقى من منصب؛ فقد خسر بسببها موقعاً، لكنه ربح ما لا تمنحه قرارات التعيين ولا تستطيع قرارات النقل انتزاعه أن يبقى في ذاكرة المهنة رجلاً عرف أين تنتهي طاعة الرئيس وأين تبدأ طاعة القانون
لقد أدرك القمندان أن الموظف العام لا يستمد كرامته من رضا رؤسائه بل من احترامه للقانون وشرف المهنة. لذلك دفع ثمن موقفه نقلاً من موقعه، لكنه احتفظ بما هو أبقى من المناصب: نزاهة
ذهب القمندان مدني وبقيت مواقفه شاهدة عليه آثارٌ لا يطويها الغياب محفوظة على رفوف التاريخ تقرؤها الأجيال جيلاً بعد جيل لتدرك أن الرجال يرحلون لكن المواقف النبيلة لا تموت والأثر الصادق أبقى من صاحبه ونواصل
