زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
المجلس التشريعي بالتعيين في زمن الحرب هل سترة حال أم صب زيت على النار؟ والكشف الأصعب أن الكتلة الممزقة، حتى المواليين ما متفقين، والمؤلم أن الجميع ليس لديهم شرعية دستورية
ما زال السودان يراوح مكانه، غارقاً في لجة أزمات معقدة لا تنتهي، حيث يتسيد المشهد مزيج مر من السيولة الأمنية، والتشرذم السياسي، وحرب ضروس أكلت الأخضر واليابس منذ أبريل 2023 , وفي خضم هذا الحريق
تطل علينا اليوم محاولات قيادة الجيش، مسنودة ببعض رفاق “سلام جوبا”، لبعث “مجلس تشريعي انتقالي” عبر بوابة التعيين، في مشاورات بدأت تأخذ طابع الاستعجال منذ يناير 2026. وهنا يبرز السؤال الذي يتردد في كل مجالس السودانيين
هل هذه الخطوة هي محاولة جادة لترميم ما تبقى من هيكل الدولة، أم أنها مجرد سعي لـ “تبييض” وجه السلطة القائمة ومنحها شرعية ورقية في واقع محكوم بالبندقية؟
إن المشهد المأزوم اليوم يشي بأن المؤسسات السودانية باتت “خبر كان”، بعد أن أضحى الوفاق الوطني أبعد من منال الثريا
فالمعادلة الآن محكومة بلغة الرصاص وتقاسم نفوذ قلق، في ظل انهيار اقتصادي طحن المواطن وأزمة إنسانية غير مسبوقة
ومع استمرار اشتعال الجبهات في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، يبدو أي حديث عن “ترتيبات مؤسسية” دون وقف شامل لإطلاق النار وكأنه حرث في البحر، أو محاولة لملء فراغ دستوري بنصوص الوثيقة المعدلة لعام 2025
التي لم تجف أحبارها بعد، والتي ترسم مجلساً من 300 عضو، لكنها تترك التساؤل الجوهري معلقاً , من يمثل هؤلاء؟
تكمن العقدة الحقيقية في آلية “التعيين” نفسها؛ فهي بتركيبتها الحالية تضع المشاركة الشعبية والمدنية في “الرف”، وتهمش قوى حية لا يمكن تجاوزها
إن تحويل البرلمان من صوت للشعب ورقيب على السلطة إلى مجرد “بصّامجية” يمنحوا الغطاء القانوني لقرارات السلطة التنفيذية، هو تكرار لذات الأخطاء التاريخية التي أوردتنا المهالك
فالمجلس الذي يُصاغ على مقاس المصالح الضيقة للتحالف الحاكم من عسكريين وحركات مسلحة، يفقد مصداقيته قبل أن يكتمل نصابه، ويعيد إنتاج نمط الحكم الأحادي الذي لم يجلب للسودان سوى الحروب والتمزق
والمفارقة أن هذا المشروع لا يجد سنداً حتى داخل البيت الموالي للجيش؛ فموقف الحزب الاتحادي الديمقراطي “الأصل” كان بمثابة “فرملة” واضحة، برفضه القاطع للمشاركة في مجلس بالتعيين أو حكومة كفاءات
تفتقر للحاضنة السياسية المتوافق عليها. هذا الرفض العلني، واتهام بعض حركات جوبا بـ “الكنكشة” في السلطة، يكشف هشاشة التحالف القائم، ويؤكد أن حتى “الكتلة الديمقراطية” ليست على قلب رجل واحد، مما يجعل المشروع برمته يترنح قبل ميلاده
إن المضي قدماً في هذا النهج الأحادي يحمل في طياته مخاطر جسيمة، فهو من جهة يرسخ “عسكرة” الحياة المدنية ويجعل العقلية الأمنية هي المسيرة لمفاصل الدولة، ومن جهة أخرى يبعث برسالة سلبية للعالم، تُظهر السودان كـ “ثكنة عسكرية”
لا دولة مدنية، مما يعقد فرص الحصول على دعم إقليمي أو دولي حقيقي. والأدهى من ذلك، أن هذا المسلك يتجاهل الجذور العميقة للأزمة من تهميش وغياب للعدالة، مما يمهد الطريق لانفجارات أشد عنفاً في المستقبل
وعلى الصعيدين الدولي والمحلي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ فبينما يضغط المجتمع الدولي لوقف الحرب وفتح ممرات الحوار، تحاول الأطراف المسيطرة استغلال هذه الضغوط لانتزاع تفويض منقوص
وفي الداخل، تجد القوى المدنية ولجان المقاومة نفسها في معركة شرسة لانتزاع صوتها وسط أجواء القمع وهيمنة السلاح، مما يجعل الشارع في وادٍ والسلطة في وادٍ آخر
في الختام، إن ما يجري اليوم هو محاولة لتحويل تحالف “ضرورة” عسكري وسياسي إلى هيكل حكم شبه دائم فوق أنقاض الحرب
لقد أثبت التاريخ السوداني، بمداده من دموع ودماء، أن أي بناء يفتقر للشرعية الشعبية والوفاق الوطني الشامل هو بناء سينهار عند أول عاصفة
المخرج الحقيقي ليس في “التعيين”، بل في وقف فوري للنار، وعقد مشاورات وطنية لا تستثني أحداً
وبناء مؤسسات تمثل إرادة السودانيين الحقيقية، مع ضمان فتح المجال العام للحريات , السودان لا يُحكم بـ “السلق”، والوفاق هو وحده الذي سيجنبنا الانزلاق النهائي نحو الهاوية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم