الكديسة أم خيط … بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


IbrahimA@missouri.edu

لا أجد عسراً في فهم القرف الذي انتاب الأستاذة رباح الصادق من كادر الأحزاب السياسية في ورشة للمعهد الدولي للديمقراطية انعقدت من قريب. فقد بدت منهم في الورشة أعراض "الأمراض التي تسربت" لذلك الكادر. فلاحظت عليهم الهزيمة النفسية الداخلية وكفرانهم عموماً بالعمل الحزبي. وبدا حوارهم الذي نقلته رباح مع الميسر الأجنبي للورشة كنص من مسرحيات العبث لبطلها الهازيء العدمي.
الميسر: ما مدي مشاركة الناس في البرامج الحزبية؟
الكادر: زيرو كبير (وغطوا في ضحك منتش).
الميسر: ومن أين تأتي الأفكار الكبيرة؟
الكادر: القائد.
الميسر: ومن يتخذ القرارت؟
الكادر: القائد (جوقة غناء) وإنت القائد وإنت الرئيس.
الميسر: معقول؟
الكادر: ألحقنا يا راشد الحقنا يا راشد!
كادر مخالف: لا. الصورة مش سلبية كدي خالص.
الكادر: ما سالبة. تبالغ. يا خي ديل مكنكشين نامن دليتيد (مسحوا)الصورة ذاتها. هي في صورة ظااااتو؟
كادر هازيء: هو في تين! (غطوا في ضحك منتش)
(بعض هذا النص من تأليفي نسجاً على منوال رباح)
مصاب هذا  الكادر أليم. فقد ضربه الذي لابرء منه: الهزء cynicism. فلما أثقلت عليه الإنقاذ انقلب إلى اليأس . . . وإدمانه كما جرت العبارة البلقاء. وبلغ به طمام البطن السياسي حداً كفر به بما لم يحسنه وهو السياسة. وقال أحدهم إن الهزء عنده نقيض للناشطية activism  والتناصر والتوكل   agency (هل من عثر على تعريب مناسب لهذه المصطلح؟). فحين يعوزنا التضامن مع صاحب المسألة المتوكل ننحل ذرات مستوحشة على قارعة الفرجة على التاريخ.
لا أعرف ما الذي يجبر عاقلاً رشيداً حراً على البقاء في أي حزب، تقليدي أو عقائدي، له في هذا الرأي الهازيء السيء. فأرض الله السياسة واسعة. ونشأت بيننا أحزاب جددت حياتنا الثقافية والاجتماعية لأن أهلها كرهوا "كنكشة" القادة من حولهم فخرجوا عليهم. فالحزب الشيوعي والحركة الإسلامية والجمهورية مثل يحتذي لرجال ولنساء فتحوا باب الاجتهاد في أشكال التنظيم السياسي الذي يعتقد كادر الأحزاب الحالي أنه قد أغلق. ولم يبق لهم سوى النبيشة.
لقد نظرت دائماً إلى تبطل هذا الكادر السياسي من زاوية مأزق فئة البرجوازية الصغيرة. فهي جماعة "مودراليها" حزب. ظلت منذ مؤتمر الخريجين على حالة متقلبة مع أحزاب الجمهرة التقليدية أو الطائفية. مرة تأمن لها ومرة تركبها حمية "مقتل القداسة عند أعتاب السياسة". وحين يستبد بها الانقلاب (وحدث هذا مرتين) تبشع بتلك الأحزاب فتحلها وتصادر ممتلكاتها بقسوة. وتبني وهي في السلطة أحزاباً في مقاس المصالح الحكومية تنقضي بإنقضاء حكمها وتتبخر.  ثم تبقي من تلك الفئة جماعة من هذه الفئة تصر على تغيير طبيعة تلك الأحزاب باسم المؤسسية. وأشفقني دائماً إرخاء السيد الصادق أذنه لدعوتهم الباطلة. أما السيد محمد عثمان فكلما قالوا "المؤسسية" رد عليهم ب"المرجعية" فشتت شملهم. عاش أبو هاشم. ومتى أنشأت هذه الفئة احزابها أحزابها المستقلة كما في عقد التسعين رأينا عجباً من الفتونة والاستبداد بالراي فالانقسامات وما هو أضل.  
هذه الطبقة "كديسة أم خيط" سياسياً. وتقال العبارة في الذي يتغشى الأبواب. وهذه الطبقة منشأ هذا الهرج ضارب الأطناب في البلد. اسقمتني هذه الفئة كما اسقمت رباحاً. وما أفزع منه دائماً ما التقيت بأفرادها أن تبدي وتعيد في "كارثة" الإنقاذ على الوطن. فاصبح همهم أن يبرهنوا آناء الليل والنهار على فساد الإنقاذ و"جديدها" الذي ورتنا إياه. وتنفد همتهم عند هذا الحد. وأعد.
 قرأت قبل أيام افضل وصف لمثل هذه الهمة القاصرة. وصف أحدهم جماعة مستنكفة مثل صفوتنا قال إنها قنعت من التغيير السياسي ولم يبق لها سوى رمي شباشبها تجاه التلفزيون استسخافاً لما يذاع منه ويطنطنون بسقمهم منه لزوجاتهم.

 

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً