عبد الله علي إبراهيم
نشرت بعد استعادة القوات المسلحة السودانية لمدينة الكرمك من براثن الحركة الشعبية في ديسمبر 1987 مقالاً طويلاً في جريدة “الأيام” (17 منه) عنوانه “عند الكرمك نذود عن حياض وطن تلتحم فيه الحرية بالعدالة الاجتماعية”. ومن أراده جميعه فهو على النت متى قوقلت “عبد الله علي إبراهيم و(عنوان المقال)”. وأنشر يسيرة منه بمقدمة عن حربنا هذه عن تطابق ما سميته “اليسار الجزافي” الشمالي في 1987 مع قواه اليوم في صمود والجذري في سلبيتهم الكأداء (لكي نحتشم) من الدولة والقوات المسلحة. في 1987 صوبوا سلاحهم إلى دولة ديمقراطية برلمانية حتى ذهبت أدراج الرياح. وهاهم يفعلون نفس الشيء ضد الدولة والقوات المسلحة بحجة تغييبهما للديمقراطية. كانت فينا ديمقراطية في 1987 طممت بطنهم فأغتالوها طلباً لسودان جديد. وجاءت فينا ديكتاتورية شهتهم في الديمقراطية فشمروا لاغتيالها طلباً لنفس السودان المنتظر. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى.
وهذه مقتطفات من المقال القديم
عند الكرمك نشمر للدفاع عن التعددية:
علينا ألا نمل القول أن الذي ندافع عنه من حول الكرمك هو النظام البرلماني التعددي الذي حصل عليه شعبنا بعد جهاد طويل. ولقد رنونا ونضالنا من أجل هذا النظام لأنه هو وحده الذي يعطينا حق الخلاف، وبناء وحدة بلدنا من واقع التنوع. وقد استقرت عندنا وجاهة هذا الخيار حين قضينا ١٦ عاماً من الصمت البشع في ظل نميري. ورأينا أن بلادنا تهان وتتحلل تحت نعل المستبد. وتطلعنا للنظام التعددي البرلماني لأنه الذي يستنبط أفضل ما في شعبنا من قيم النهضة والشهامة والتطوع السخي في ظل القرار الشعبي الحر. وهذا النظام التعددي هو الذي تستعلي عليه تكتيكات العقيد قرنق المغامرة والتي ترعى بقيد النظام الأثيوبي، المفارق للديمقراطية في نشأته وتقاليده، وتوجهاته. ففي الكرمك إذاً تصطدم قوى الديمقراطية وقوى الجبروت والعنجهية.
لقد اقنعتنا سنوات عجاف من الديكتاتورية في ظل الفريق عبود بأن الديمقراطية الليبرالية ليست كلمة جوفاء. وتعلمنا في ظل نميري الطويل أن الديمقراطية الجديدة أو الثورية، في تعبير فريد لعبد الخالق محجوب، ليست صراخاً من أعلى البيوت. لقد شقينا في عهد نميري باستبداد مديد سُميّ كذباً بالديمقراطية الجديدة التي للعمال والمزارعين فيها ٥٠٪ مزعومة. وقد أصبح جلياً لنا، منذ أن صودرت الحقوق الأساسية للمواطنين، كيف يمكن أن تكون هذه المصادرة ذاتها سبيلاً إلى التردي المعيشي والاجتماعي. واستقر عندنا لذلك أن العدالة الاجتماعية (الكفاية والعدل) لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا من فوق ممارسة نشطة وتمثل عميق للحقوق الأساسية المكفولة في الديمقراطية الليبرالية. وبغير هذا الربط بين الخبز والحرية سننتهي في أفضل الأحوال إلى النظم الاشتراكية الاجتماعية المعاصرة التي طال فيها تأجيل الحرية السياسية حتى تتوافر العدالة الاجتماعية أولاً. وهي نظم اضمحل تأثير نموذجها وتلاشى إلهامها في أيامنا هذه. إن دعوة النظام الأثيوبي الاشتراكية ونداء العقيد قرنق للسودان الجديد هي صرخات من أعلى البيوت تعيد لنا ذكرى عهود ضالة من حياتنا السياسية نريد لها أن تصبح خبرة مؤكدة في تاريخنا لا هواجساً وكوابيس.
العقلية النقابية
(وهذا تعليق عن موجة الإضرابات النقابية في فترة الديمقراطية الثالثة التي لم ترع فيها غير “حكومة يا ظالمة عاوزين مطلبنا” بينما البلد في أمر ضيق من حربها مع الحركة الشعبية. وهذه المطلبية الضريرة ما سميته بعد تجربة مع نقابات عمال السكة الحديد في 1987 سبق لي الكتابة عنها ب”العقلية النقابية”.ففي نفس ديسمبر 1988 الذي كانت تحشد الحكومة قواها لتحرير الكرمك وقع إضراب للقضاة كان آية في العقلية النقابية. وكان من كرم الرئيس نميري ومكره أن جعلالقضاة أنهم الأعلى راتباً في الدولة كما تجده في كتاب “نميري وتحريف الشريعة” لمنصور خالد بعد أن كان أساتذة جامعة الخرطوم هم من في رأس الهرم الراتبي. وكانت عزتهم براتبه هي منشأ خلافهم مع السيد الصادق المهدي. فقد أراد زيادة مرتبات ضباط القوات المسلحة لتكون في مصاف مرتبات القضاة. فثار القضاة ورأوا في ذلك مساساً باستقلال القضاء وأضربوا واستقالوا. ثم احتجوا على بطء إجراءات صرف بدل الكتب والملابس التي قررها لهم مجلس السيادة. واستعجب السيد الصادق من ذلك وقال لهم إنني لم أرفع الضباط عليكم، ولكن ساويتهم لظرف معروف. ولا جدوى). وهذه فقرة من مقالي القديم عن هذه العقلية النقابية).
ما من شك أن نقاباتنا مصابة بعلة “العقلية النقابية المطلبية”. وقوام هذه العلة أمران. الأمر الأول هو تركيزها على شجرة المطالب في حين تغيب عنها الغابة وهي انهيار مؤسسات القطاع العام التي من المفروض أن تلبي هذه المطالب. وقد نرد السلبية التي قوبلت بها أخيراً جوانب كثيرة في المطالب النقابية إلى شعور الناس بفساد طريقة النظر إلى الشجرة والتعامي عن الغابة. والأمر الثاني في هذا الخصوص هو نشأة هذه العقلية المطلبية من يأس الحركة النقابية من حدوث إصلاح جذري في الاقتصاد الوطني. وهو الاقتصاد الذي استولت عليها الفئات الطفيلية. في حين بدا أن الدولة عاجزة عن إدارته.
ولذا أضحت المطالب والمكافآت المتولدة بعضها عن بعض في مطالبها هي ضمانة النقابات الوحيدة في سوق متغيرة كالرمال المتحركة. فقد أصبح عائد المطالب النقابية المتسارعة هو ما يعيش به سواد الناس من شهر لشهر في ظروف الفوضى وانفلات طبقة الموسرين انفلاتاً استعصى على الدولة. ولذا لا يصح القول أن المطالب والمزايدة فيها على هذا النحو مجرد لغط فارغ، إنها بالأحرى انتماء مؤسف لسوق العمل في اقتصاد الفوضى. وسنرتكب خطأ كبيراً إن سألنا النقابات أن تصمت عن هذا الحوار حول حقوقها في كيكة الوطن، كما يقول الغربيون، لتأمين الجبهة الداخلية. فتأمين هذه الجبهة في إطار الديمقراطية لن يتم إلا إذا أخذت النقابات الوقت لتكتشف أن العقلية النقابية المطلبية في صورتها الحالية إنما هي حلقة مفرغة يحتاج كسرها إلى هجمة فكرية وسياسية على عصب الاقتصاد السوداني. وأول هذه الهجمة أن يدار هذا الاقتصاد على معنى من معاني العدالة الاجتماعية حتى ينشأ لنا وطن يصبح في الإمكان الدفاع عنه.
وهذا هو الشرط لإثمار الشجرة في الغابة.
وننشر مقالاً عن عيب الحداثيين المعارضين للإنقاذ بحق الوطن في هجليج حين احتلتها حكومة الجنوب. سبلوها!
ibrahima@missouri.edu
