الكسرة ( Native Sudanese Bread ) بشهادة من قناة ال ( CNN ) وقع عليها اختيار ( اليونسكو ) ليس كطعام فقط بل كأثر تاريخي خالد وثقافي حافل وتراث امتد عبر القرون واحتلت موقعها اللائق بها علي حسب تصنيف منظمة الثقافة والعلوم والآداب العالمية من ضمن أفضل عشرة أغذية علي مستوي العالم !!..
نعود لمشروع الجزيرة العملاق خاصة في الخمسينات وكانت لوزة القطن فيه عندما تتفتح يعم الخير كل الوطن فقد كان ذاك المشروع عصب اقتصاد البلاد المدر للعملة الصعبة التي تساهم في استيراد الاحتياجات اللازمة من منتجات الدول المتقدمة التي لم تصل دولتنا الفتية علي إنتاجها محليا وقد كان أن توفرت لنا الطائرات والقطارات والمواد الغذائية الفاخرة وحتي الأقمشة والمنسوجات عالية الجودة وكنا نستورد حتي الأحذية الجلدية من ايطاليا والكبريت المأمون ابو مفتاح من تشيكوسلوفاكيا وبدل الموهير من بريطانيا ومنها تصلنا أيضا افخم الثياب النسائية المصنعة خصيصا لبنات بلدنا الحبيب !!..
كان مشروع الجزيرة بتبني ما عرف بالدورة الرباعية وفيها يزرع بالتناوب القطن كمحصول نقدي والذرة والفول السوداني وهنالك فترة تترك فيها الأرض ( بور ) وذلك كله من أجل أن لا تفقد الأرض خصوبتها !!..
المزارع في تلك السنين الخصبة كان سلطان زمانه جيبه ملان من عائدات القطن والفول السوداني والذرة ويسمح له بأخذ كمية من الذرة لبيته كمؤونة غذائية ولذا كانت البيوت عامرة بجوالات الذرة وفيما بعد لجوالات القمح والمواطن غرقان في الخير حامدا شاكرا الله سبحانه وتعالى علي نعمه الكثيرة.
ولمزيد من الخير وقد كانت الأمطار وفيرة في فصل الخريف الذي ينتظره مزارعو ( البلدات ) بفارغ الصبر ومع اول قطراته هنالك من أهل البلدة من يحملون ( السلوكة والتيراب ) ويزرعون الأرض عند أطراف البلدة وهو عمل تشجع عليه الدولة وليس هنالك رسوم ولا إتاوات من اي نوع تدفع لأي جهة كانت !!..
وعند الحصاد تمتلئ البيوت بالذرة بمختلف مسمياتها ومنها الذرة الرفيعة والغليظة والحمراء ( الفتريتة) والبيضاء !!..
المجتمعات الريفية كانت تستهلك الذرة التي تصنع منها الكسرة وهذه الكسرة هي الخبز الاصلي لسكان الأرياف الذين ليس لهم معرفة بالخبز المصنوع من القمح وليس عندهم مخابز له وهو غير مرحب بهم في موايدهم لكافة الوجبات من الافطار حتي العشاء والقمح عندهم لعمل ( القراصة ) التي تؤكل الغليظ منها بالملاح والرفيق منها بالسمن البلدي والسكر !!..
الخبز تعرفه المدن الكبيرة وفي العاصمة وعواصم المديريات وهم أيضا عدد مقدر منهم يعشقون الكسرة وتصلهم هدايا من جوالات الذرة من ذويهم بالاقاليم !!..
وأهل العاصمة علي وجه الخصوص يتناولون الغداء والصينية تجمع مابين الكسرة والخبز وطبعا الافطار يكون في مكان العمل لأن معظمهم أما عمالا أو موظفين وهنالك في مكان العمل توجد البوفيهات التي تبيع لهم الفول المصلح أو العدس مع الخبز طبعا.
والعشاء في العاصمة كل فرد علي مسؤوليته أيضا في البوفيهات التي تقدم طبق الفول وكأنه قطعة فنية ملونة ومعه الخبز الحار وبعد ذلك زجاجة بيبسي مثلجة لزوم الهضم والاسترخاء !!..
وقد قالوا إن أهل العاصمة يحبون طبق الفول بكامل قطع الفول التي به دون أن يلحقها أي ( تكسير ) وعليها الملح والشمار وزيت السمسم ولا يحبون إضافة سلطة أو جبن الي الطبق يعني ( فول سادة ) وهذا مما يتناسب مع مزاجهم وأنهم من الفنانيين يستمعون بإعجاب لمطربهم المفضل حسن عطية ويحبون الإذاعة ( هنا ام درمان ) ولا يحبون التلفزيون !!..
وظلت الكسرة معشوقة الملايين في العاصمة والاقاليم الي أن دخلت امريكا في الخط مثل الشياطين ووسوست لدول العالم الثالث ومنها سوداننا الطيب المضياف وقالوا لهم :
( مالكم ومال التعب ( والعواسة ) الشاقة وسط دخان ( الدوكة ) وعمل ( الكسرة ) المرهقة للامهات والحبوبات … نحن معنا فائض كثير من القمح ما عارفين نوديه وين وسنعطيكم من هذا الفائض… ومنذ ذلك الحين وصلت إلي بلادنا الغنية العزيزة المكرمة شحنات من القمح الأمريكي في شكل اغاثات هذه الاغاثات التي علمتنا الكسل والاتكال علي الغير وما زلنا في هذا المستنقع الذي رسم لنا بكل خبث ولؤم وتوقفت نساؤنا عن العواسة وابدلنها بالموبايل وضاع منا الوقت ولم نعد نزرع لا ذرة ولا قطن ولا بطيخ وقد اختفت الدوكة والقرقريبة والطايوق واختفى الديوان وهرب الضيفان وجاءت الحرب اللعينة العبثية المنسية وتمت الناقصة واليوم بيوتنا يحتلها الغرباء ولسان حالنا يقول:
( ياحليل كسرة بيتنا ) !!..
أتدرون لقد وقعنا في الفخ بما عرف بمصيدة القمح ( Wheat Trap ) !!.. وقد تحول القمح الي سلعة استراتيجية يذل بها أعناق الرجال !!..
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .
ghamedalneil@gmail.com
