دكتور الوليد آدم مادبو
لا يحاول هذا المقال تقديم وصفة دستورية جاهزة أو الدفاع عن شكل محدد من أشكال الحكم بقدر ما يسعى إلى فهم التحول العميق الذي أحدثته الحرب في بنية الدولة السودانية وفي الوعي الجمعي للسودانيين. فالجزء الأول ينشغل بتشريح ما فعلته الحرب بفكرة السودان الموحد نفسها، وكيف أعادت تشكيل العلاقات بين مكوناته الاجتماعية والسياسية على نحو يجعل العودة إلى ما قبل الحرب أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
أما الجزء الثاني فينطلق من السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك مباشرة: إذا كانت العودة إلى السودان القديم لم تعد ممكنة، فما البديل؟ ومن هذه النقطة يتجه النقاش إلى الكونفدرالية بوصفها إحدى الصيغ الممكنة لإدارة الواقع الجديد، مستفيداً من تجارب شعوب أخرى واجهت انقسامات مماثلة، ومتوقفاً عند الشروط والتحديات التي قد تجعل مثل هذا التصور قابلاً للحياة أو عرضة للفشل.
الجزء الأول: تشظي الفكرة الوطني
لعل أكثر ما كشفت عنه الحرب السودانية أنها لم تترك منتصرين، حتى بين أولئك الذين يظنون أنهم يقتربون من النصر العسكري. فالحروب لا تُقاس فقط بما تكسبه الجيوش من أرض، وإنما بما تخسره الدول من معنى. وما خسره السودان خلال هذه الحرب يتجاوز المدن المدمرة والقرى المحروقة والبنية التحتية المنهارة إلى ما هو أعمق وأبعد أثراً؛ فقد تآكلت المساحة المعنوية التي كانت تسمح للسودانيين، رغم اختلافاتهم الكثيرة، بأن يتخيلوا أنفسهم جزءاً من وطن واحد ومستقبل واحد.
لقد أضاعت هذه الحرب على أطرافها جميعاً فرصة حكم السودان الموحّد. فالدعم السريع، بغض النظر عن دوافعه السياسية أو شعاراته المعلنة، أصبح في وعي قطاعات واسعة من السودانيين مرتبطاً بما شهدته الخرطوم ومدن أخرى من فوضى وانتهاكات وانهيار لمؤسسات الدولة. ومهما اختلفت التقديرات حول حجم تلك الانتهاكات أو الجهة التي أسهمت في تضخيم صورتها إعلامياً، فإن الوقائع الميدانية وما رافقها من حملات تعبئة ودعاية رسخت صورة ذهنية ستظل حاضرة في الذاكرة الجمعية لسنوات طويلة.
وفي المقابل، لم يخرج الجيش من الحرب محتفظاً بالصورة التقليدية التي ظل يقدّم بها نفسه باعتباره المؤسسة القومية الجامعة. فاستهداف الحواضن الاجتماعية للدعم السريع، وما تعرض له كثير من أبناء غرب السودان من تضييق وتمييز بسبب أصولهم الجهوية، خلق بدوره شعوراً متنامياً بالاغتراب تجاه الدولة التي كان يفترض أن تمثل الجميع. ومن الصعب تصور أن هذه الجراح ستختفي بمجرد توقف العمليات العسكرية أو صدور بيانات المصالحة.
وهكذا انتهت الحرب إلى مفارقة لافتة؛ فكل طرف سعى إلى السيطرة على السودان كله، لكنه ساهم عملياً في تقليص فرص حكم السودان كله.
ولم تقتصر نتائج الحرب على إعادة رسم خرائط النفوذ العسكري، بل أعادت أيضاً تشكيل الخريطة النفسية والاجتماعية للبلاد. فقد كشفت، بصورة ربما لم تحدث من قبل، أن الاصطفافات القائمة ليست أيديولوجية بالمعنى الذي يحاول كل طرف أن يصورها به. فالجيش لا يقاتل بجيش من الإسلاميين وحدهم، كما أن الدعم السريع لا يستند إلى معسكر مناهض للإسلاميين حصراً. وعلى جانبي الحرب يقف أفراد وجماعات تجمعهم اعتبارات الجهة والقبيلة والموقع الاجتماعي والمصلحة أكثر مما تجمعهم البرامج السياسية أو الرؤى الفكرية.
وبالمثل، فإن قطاعاً واسعاً من مؤيدي الدعم السريع لا ينظر إليه بوصفه مشروعاً سياسياً متكاملاً، بقدر ما يراه أداة لكسر احتكار السلطة التاريخي الذي مارسته النخب المركزية. ولذلك فإن الاصطفافات الراهنة تعكس، في جوهرها، أزمة السلطة والهوية والتمثيل أكثر مما تعكس صراعاً أيديولوجياً خالصاً.
ويبدو أن هذا التحول لم يكن بعيداً عن حسابات بعض دوائر الحركة الإسلامية التي رأت في الحرب فرصة لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي على أسس أكثر تجانساً من منظورها، عبر التخلص مما تعتبره بؤر تمرد مزمنة في الهامش، تمهيداً لإعادة إنتاج سلطة تهيمن على شمال البلاد وشرقها. غير أن مثل هذه الرؤية، حتى لو حققت مكاسب عسكرية مؤقتة، لن تفضي إلى استقرار دائم، لأن الحرب نفسها أطلقت ديناميات تفكك يصعب احتواؤها أو التحكم في مساراتها.
فما حدث خلال العامين الماضيين لم يكن مجرد مواجهة بين جيش وقوة متمردة، بل كان انفجاراً مؤجلاً لأزمة الدولة السودانية نفسها. أزمة ظلت تتراكم منذ الاستقلال، كلما تأجلت الأسئلة المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة والاعتراف بالتنوع وإدارة التعدد الثقافي والاجتماعي.
وحين تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف تستعيد ما فقدته، بل كيف تتكيف مع الواقع الجديد الذي أفرزته الصراعات. فبعض الحروب تنتهي بعودة الأطراف إلى ما كانت عليه قبل اندلاعها، أما الحروب التي تعيد تشكيل الوعي الجمعي والعلاقات الاجتماعية فإنها تفتح الباب أمام مرحلة تاريخية مختلفة بالكامل.
ومن هنا ربما تصبح الشجاعة السياسية الحقيقية هي الاعتراف بأن العودة إلى السودان الذي عرفناه قبل الحرب لم تعد ممكنة بالمعنى القديم للكلمة. ليس لأن فكرة السودان قد انتهت، بل لأن شروط بقائها أصبحت مختلفة عما كانت عليه.
(يتبع)
auwaab@gmail.com
