عبدالغني بريش فيوف
أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية عالمية ذات تصنيف خاص، مع الشروع في إجراءات إدراجها ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية ابتداءا من السادس عشر من مارس.
وقد بررت واشنطن القرار بتقارير تفيد بأن الجماعة ضالعة في أعمال عنف واسعة ضد المدنيين داخل السودان، وأن بعض عناصرها تلقوا دعما وتدريبا من الحرس الثوري الإيراني، فضلا عن ارتباطها بتشكيلات عسكرية مثل كتيبة البراء بن مالك التي سبق أن فُرضت عليها عقوبات أميركية.
من حيث المبدأ، يبدو القرار الأميركي منطقيا ومتسقا مع سياق الحرب الدائرة في السودان ومع الاتهامات المتزايدة حول دور التيارات الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق في تغذية الصراع.
كما أنه يأتي في توقيت حساس، حيث تسعى القوى الدولية إلى احتواء الحرب ومنع توسعها أو تحولها إلى بؤرة إقليمية للفوضى.
غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بوجاهة القرار في ذاته، بل بمدى تأثيره العملي على الأرض، هل سيغيّر شيئا في مسار الحرب السودانية، وهل سيؤدي فعلا إلى إضعاف جماعة الإخوان المسلمين داخل المشهد السياسي السوداني، أم أنه سيظل مجرد إجراء رمزي آخر في سلسلة طويلة من القرارات التي لم تُحدث فرقا حقيقيا؟
بين القرار السياسي والواقع السوداني المعقد!
القرارات الأميركية المتعلقة بالعقوبات أو تصنيف الجماعات ليست جديدة على السودان، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، خضع السودان نفسه لعقوبات قاسية وُضع خلالها على قائمة الدول الراعية للإرهاب، كما صدرت لاحقا قرارات متعددة من وزارة الخزانة الأميركية استهدفت شخصيات وشبكات مالية مرتبطة بالنظام السابق أو بجماعات مسلحة، لكن التجربة السودانية أثبتت أن الفجوة بين القرار الدولي والواقع المحلي يمكن أن تكون واسعة للغاية، ذلك أن تأثير أي قرار خارجي يعتمد في نهاية المطاف على وجود منظومة داخلية قادرة على ترجمته إلى نتائج عملية، وفي حالة السودان، حيث الدولة ضعيفة ومؤسساتها منقسمة والسلطة موزعة بين أطراف عسكرية متصارعة، يصبح تنفيذ مثل هذه القرارات أكثر تعقيدا.
فجماعة الإخوان المسلمين في السودان ليست مجرد تنظيم سياسي تقليدي يمكن عزله بقرار دولي، بل هي شبكة تاريخية ممتدة داخل الدولة والمجتمع، تشكلت عبر عقود من التغلغل في المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية، لذلك فإن أي محاولة لإقصائها أو تحجيمها لا تتوقف فقط على الضغط الخارجي، بل تحتاج أيضاً إلى إرادة سياسية داخلية وإلى توازنات جديدة في بنية السلطة.
التأثير المحتمل على مسار الحرب!
من الناحية العسكرية، قد يكون التأثير المباشر للقرار محدودا في المدى القريب، فالحرب في السودان تدور أساسا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهي حرب تحكمها حسابات القوة الميدانية والموارد والاصطفافات القبلية والإقليمية أكثر مما تحكمها التصنيفات القانونية الدولية، ومع ذلك، يمكن أن يكون للقرار الأميركي تأثير غير مباشر في عدة مستويات:
أولاً/ قد يؤدي إلى تضييق الخناق على قنوات التمويل والدعم الخارجي المرتبطة بالجماعة أو بالكيانات القريبة منها، فتصنيف منظمة ما ككيان إرهابي يفتح الباب أمام تجميد الأصول المالية وملاحقة الشبكات الاقتصادية التي قد تستخدم في تمويل الأنشطة العسكرية، وإذا تم تطبيق هذه الإجراءات بصرامة، فقد يؤثر ذلك في قدرة بعض التشكيلات المرتبطة بالجماعة على الاستمرار في العمل المسلح.
ثانياً/ قد يساهم القرار في إعادة تشكيل مواقف بعض الدول الإقليمية تجاه الأطراف السودانية، فالدول التي تسعى للحفاظ على علاقات مستقرة مع الولايات المتحدة قد تتجنب أي تعاون أو دعم غير مباشر لجهات مرتبطة بالإخوان داخل السودان، ما يحد من هامش الحركة الإقليمي لهذه الشبكات.
ثالثاً/ يمكن أن يشكل القرار جزءاً من ضغط سياسي أوسع يهدف إلى دفع الجيش السوداني إلى النأي بنفسه عن التيارات الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق، فواشنطن وبعض العواصم الغربية تنظر بقلق إلى عودة الإسلاميين إلى التأثير داخل المؤسسة العسكرية، وترى أن ذلك قد يقوض أي مسار مستقبلي نحو انتقال مدني ديمقراطي.
لكن رغم هذه الاحتمالات، يبقى من غير المرجح أن يؤدي القرار وحده إلى تغيير جذري في موازين الحرب، فالصراعات الأهلية المعقدة لا تُحسم عادة عبر العقوبات أو التصنيفات القانونية، بل عبر التحولات الميدانية والتفاهمات السياسية.
ماذا يعني القرار لمستقبل الإخوان في السودان؟
أما على المستوى السياسي، فإن تأثير القرار قد يكون أكثر عمقا، لكنه أيضا ليس حتميا، فجماعة الإخوان المسلمين في السودان التي عُرفت سياسيا عبر واجهات متعددة مثل الجبهة الإسلامية القومية ثم المؤتمر الوطني تعرضت بالفعل لانتكاسة كبيرة بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019، فقد فقدت السيطرة المباشرة على الدولة، وتعرضت بنيتها التنظيمية لتفكك نسبي، كما واجهت رفضا شعبيا واسعا نتيجة ارتباطها بسنوات الحكم الطويلة وما رافقها من أزمات اقتصادية وسياسية.
ومع ذلك، لم تختفِ الجماعة من المشهد. فقد احتفظت بشبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة، وبقاعدة اجتماعية وتنظيمية لا يستهان بها، كما استطاعت بعض تياراتها إعادة التموضع مستفيدة من حالة الفوضى السياسية التي أعقبت الثورة ومن الانقسام بين القوى المدنية والعسكرية.
في هذا السياق، قد يضع التصنيف الأميركي الجماعة أمام تحديات إضافية، فمثل هذا التصنيف قد يعزلها دوليا ويجعل أي محاولة لعودتها إلى العمل السياسي العلني أكثر صعوبة، خاصة إذا تبنته دول أخرى أو تبعته إجراءات عقابية أوسع.
لكن التاريخ السياسي في المنطقة يشير أيضا إلى أن تصنيف الحركات الإسلامية كمنظمات إرهابية لا يؤدي بالضرورة إلى اختفائها، ففي كثير من الحالات، يدفعها ذلك إلى التحول إلى العمل السري أو إلى إعادة تشكيل نفسها تحت مسميات جديدة، وقد شهد السودان نفسه مثل هذه التحولات في مراحل مختلفة من تاريخه السياسي.
خطر الرمزية السياسية!
المشكلة الأساسية في مثل هذه القرارات، أنها قد تتحول بسهولة إلى مجرد خطوة رمزية إذا لم تُستكمل بإجراءات عملية على الأرض، فالتجربة السودانية مليئة بالقرارات الدولية التي بدت في لحظتها حاسمة لكنها لم تغيّر شيئا في الواقع، ولذلك يخشى كثير من المراقبين أن ينتهي هذا القرار أيضا إلى المصير نفسه، ضجيج سياسي كبير وتأثير عملي محدود، أو كما يقول المثل الشعبي السوداني كشمار في مرقة.
فإذا لم تُرافق التصنيف آليات واضحة لملاحقة شبكات التمويل، أو ضغط سياسي فعلي على الأطراف السودانية لإعادة هيكلة المشهد السياسي بعيدا عن نفوذ الإسلاميين، فإن تأثيره سيبقى محصوراً في المجال الخطابي.
بين الضغط الخارجي والإصلاح الداخلي!
الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن مستقبل السودان لن يتحدد في واشنطن ولا في أي عاصمة أخرى، بل داخل السودان نفسه، فالقرارات الدولية قد تخلق ضغوطا أو فرصا، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة تشكيل الواقع السياسي.
وإذا كان الهدف الحقيقي هو إنهاء الحرب وبناء نظام سياسي مستقر، فإن ذلك يتطلب معالجة أعمق لجذور الأزمة السودانية، أزمة الدولة، وأزمة العلاقة بين الجيش والسياسة، وأزمة النخب التي فشلت مرارا في بناء عقد اجتماعي جامع.
أما جماعة الإخوان المسلمين، فإن مستقبلها سيعتمد في النهاية على قدرتها أو عجزها عن إعادة تعريف دورها في السودان ما بعد البشير، فإذا استمرت في الرهان على العمل العسكري أو على استعادة السلطة عبر التحالفات داخل المؤسسة العسكرية، فإن الضغوط الدولية ستزداد بلا شك. أما إذا اتجهت نحو مراجعة سياسية حقيقية، فقد تجد لنفسها موقعا مختلفا في المشهد.
في الختام، يمكننا القول إن قرار واشنطن الأخير يمثل حجرا ثقيلا أُلقي في بركة المشهد السوداني الراكدة بالتعقيدات المتشابكة، لكن تموجات هذا الحجر، مهما بلغت قوتها، لن ترسم وحدها شاطئ النجاة.
القرار الأميركي يحمل بلا شك دلالات استراتيجية عميقة ورسائل حازمة، إلا أن إجابته الحاسمة على تساؤل، هل تملك أمريكا أنيابا حقيقية، تظل معلقة بين رفوف الدبلوماسية الغربية وغبار المعارك الطاحنة في الخرطوم ودارفور وغيرها من الولايات المشتعلة.
إن اختبار الفاعلية الحقيقية لهذا القرار يتجاوز مجرد الحبر الذي كُتب به، ليدخل في امتحان التطبيق العملي المعقد، فلن يكون للقرار أي وزن حقيقي ما لم تتبعه مطاردة فعلية وشرسة لشبكات التمويل الاقتصادية الموازية التي تتخفى خلفها الجماعة، والتي طالما اعتمدت عليها في تغذية آلتها العسكرية وحركتها السياسية، وفي ذات السياق، يضع هذا التصنيف قيادة الجيش السوداني أمام مفترق طرق تاريخي وحاسم، فإما فك الارتباط مع فلول النظام السابق وتياراته الإسلامية، أو مواجهة العزلة الإقليمية والدولية معهم.
علاوة على ذلك، تبقى التصنيفات القانونية مجرد نصوص جامدة إذا لم تُترجم إلى ضغط دبلوماسي شامل يمنع تدفق السلاح، ويفكك شبكات المصالح العابرة للحدود التي تستفيد من استمرار الفوضى.
وهنا تتجلى بوضوح تلك الهوة العميقة بين ما يصدر في واشنطن وما يجري فعليا على الأرض في السودان، فالقرار الدولي بطبيعته يمثل توجيها سياسيا وقانونيا قاطعا، بينما الواقع المحلي السوداني تسيّره ميليشيات وتحالفات قبلية مرنة، تتشابك فيها المصالح التاريخية والولاءات العابرة للدولة.
وفي حين تعتمد الإدارة الأميركية على آليات كلاسيكية مثل العقوبات المالية، وتجميد الأصول، وقيود السفر، يعتمد الاقتصاد المعني في السودان على منظومات موازية، وشبكات تهريب، وموارد ذاتية بعيدة كل البعد عن النظام المصرفي الرسمي، بالتالي، فإن الهدف المرجو والمتمثل في العزل السياسي والشلل التنظيمي للجماعة، قد يصطدم بتكتيكات التحول للعمل السري، أو تغيير الواجهات السياسية وإعادة التموضع، كما أثبتت التجارب التاريخية للحركات الإسلامية في المنطقة.
الأوطان لا تُبنى بقرارات العقوبات الخارجية مهما بلغت قسوتها، بل تُستعاد بعقد اجتماعي داخلي يرفض الإقصاء ويؤسس لدولة المواطنة الحقة.
إن إدراج الكيزان في القائمة السوداء، ورغم أهميته القصوى في السياق الجيوسياسي الذي تقوده لإدارة الأميركية لا يعدو كونه أداة ضغط تكتيكية ضمن مسار طويل ومعقد، والخطر الحقيقي يكمن في الركون إلى هذه القرارات واعتبارها انتصارا ناجزا أو حلا سحريا، بينما تستمر آلة الحرب في طحن مقدرات الشعب السوداني وتمزيق نسيجه الاجتماعي دون هوادة.
مستقبل جماعة الإخوان المسلمين في السودان، ومستقبل الدولة السودانية بأسرها، لن تصيغه أختام وزارة الخارجية الأميركية أو قرارات وزارة الخزانة، بل ستكتبه دماء السودانيين ووعيهم العميق بضرورة الخروج من عباءة الاستقطاب الأيديولوجي والعسكري، فإذا لم تقترن أنياب أمريكا بإرادة وطنية سودانية خالصة، تقطع دابر الفساد، وتؤسس لجيش وطني واحد، وحكومة مدنية ديمقراطية حقيقية، فإن هذه الأنياب لن تنهش سوى الهواء، وحينها، سيبقى القرار الأميركي مجرد ضجيج إعلامي يفتقر للفاعلية، أو كما يصفه الوجدان الشعبي السوداني بدقة بالغة بأنه مجرد شمار في مرقة، يتبخر أثره سريعا مع دوي أول رصاصة تُطلق في صباح اليوم التالي، ليبقى السودانيون وحدهم من يدفع الثمن الأكبر من حاضرهم ومستقبل أجيالهم.
bresh2@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم