رشا عوض
الكيزان(الحركة الاسلامية السودانية وفروعها السياسية والعسكرية والامنية) هم العقبة الكبيرة أمام اي مشروع للسلام في السودان، وعلى هذا الاساس يطرح البعض بمنتهى حسن النية السؤال التالي:
لماذا لا تسعى القوى الراغبة في السلام للحوار معهم وتحاول اقناعهم بالسلام، بل تخلق لهم مصلحة في السلام تفوق مصلحتهم في الحرب؟
الإجابة: هذا السؤال مؤسس على فرضية خاطئة تماما !!
وهي ان الكيزان مقتنعون بأنهم مواطنين سودانيين عاديين يمكنهم العيش في البلاد على أساس المواطنة والشراكة مع الاخرين ، ومن ثم يمكن محاورتهم والتفاهم معهم على صيغة وطنية لايقاف الحرب والانخراط في عملية سياسية ديمقراطية تسع الجميع.
لسان حال ومقال الكيزان يشهد بانهم ينظرون الى الوطن كحاكورة مملوكة لهم ملكية مطلقة! وبموجب هذه الملكية هم اصحاب سلطة مطلقة على السودان ، سلطة غير مساءلة ولا يجوز لاحد مجرد النقاش حولها! ومن يرفض منطق الحاكورة والسلطة المطلقة فهو عميل وخائن ومرتزق! وهنا يجب ان يفهم كل سوداني القاموس الباطني الكيزاني للمصطلحات السياسية:
الشعب السوداني = الجماعة الكيزانية فقط لا غير
الوطن = المكان الخاضع لسلطة الكيزان بالمطلق
الخيانة الوطنية والعمالة = معارضة السلطة الكيزانية ورفض منطق الحاكورة السياسية والوصاية المستعلية على السودانيين!
وتأسيسا على ذلك فان الكيزان لا يبصرون في الوطن فردا او جماعة وطنية غيرهم! ولا يسمعون سوى صوتهم هم الذي يأمرهم بالاستبداد والفساد والطغيان والاعدام المعنوي واحيانا الاعدام الجسدي لمخالفيهم!
اشعلوا هذه الحرب من اجل القضاء المبرم على ثورة ديسمبر المجيدة !!
لماذا؟ ماذا فعلت لهم الثورة السلمية غير انها وبصورة سلمية ارادت ان تضع البلاد في مسار سياسي خارج وصايتهم؟
لو اكتمل هذا المسار كان يمكن ان يحتفظوا بوجودهم السياسي الطبيعي ، كشركاء في الوطن لا كأوصياء مالكين، وليس صحيحا الزعم الذي يتم ترويجه بواسطة ابواقهم بان هناك اقصاء تم للكيزان عبر تفكيك التمكين وحل المؤتمر الوطني،، هذا ليس اقصاء، بل هذا هو المنطق الطبيعي لاي ثورة او انتفاضة شعبية اطاحت بنظام استغل مؤسسات وموارد الدولة المفترض ان تكون مملوكة لجميع المواطنين واحتكرها لحزبه وجماعته وصنع بها امبراطورية اقتصادية وعسكرية لقمع الشعب وتمكين الجماعة سياسيا، من الطبيعي جدا ان يبدأ التغيير السياسي بتسوية الملعب وتفكيك القبضة الاستبدادية التي تخنق البلاد وتسحق مبدأ تكافؤ الفرص! ولكن الكيزان نظرا لعقليتهم الفاشية واحساسهم بالامتياز والتفوق المطلق يعتقدون ان سنن التغيير وقوانيين الاجتماع السياسي يجب ان لا تنطبق عليهم لانهم ببساطة فوقها وفوق الجميع!!
لم نسمع بثورة او انتفاضة شعبية اطاحت بنظام ولم تتخذ اجراءات لتفكيك النظام القديم لفتح الطريق امام نظام جديد!! ولكن الكيزان ينكرون على ديسمبر ذلك السلوك الطبيعي ويسمونه اقصاء ويضعون انفسهم في خانة الضحية !! لانهم ببساطة يعتقدون انهم فوق القوانين والاعراف السياسية التي تنطبق على سائر البشر!!
وبالمناسبة تفكيك التمكين خلال الفترة الانتقالية كان تفكيكا ناعما وليس بحجم اجرام نظامهم الذي دشن عهده بدق مسمار في رأس طبيب وانتهى بدق خازوق في جسد معلم وبين المسمار والخازوق المجازر الجماعية واحراق القرى بمن فيها ونهب موارد البلاد كما لم ينهبها اي استعمار قديم او جديد وافساد كل شيء في هذه البلاد! وبكل بجاحة يتحدثون عن اقصاء مورس ضدهم!
رغم سلمية الثورة ، ورغم التفكيك الناعم في الحدود الدنيا ، ورغم ان المسار الانتقالي كان سيفضي الى انتخابات حرة نزيهة لاختيار حكومة في مناخ ديمقراطي يفسح المجال السياسي للجميع، انقلب الكيزان على هذا الخيار باشعال هذه الحرب الاجرامية القذرة لانهم لا يتصورون لانفسهم مستقبلا سياسيا الا بالهيمنة المطلقة والاستعباد الارعن للوطن والمواطنين!!
فما هو المطلوب من قوى السلام والديمقراطية بالضبط؟
هل مطلوب منها ان تخر ساجدة عند اقدام الكيزان وتطالبهم بصكوك الغفران الوطني والبراءة من الخيانة والعمالة وتعلن موافقتها على وصايتهم المطلقة على البلاد ابد الدهر؟
هذا منطق مختل تماما، ويجافي ابسط قواعد العدالة والانسانية.
لقد قلت مرارا وتكرارا ان مطلب الحوار وعدم الاقصاء وتقديم التنازلات من اجل السلام هو مطلب مشروع جدا ولكن يجب التوجه به الى الاقصائيين الحقيقيين! والى الذين لا يرغبون في التنازل عن وضعية الملكية والوصاية المطلقة على البلاد دون وجه حق. باختصار هذه الكرة في ملعب الكيزان لا ملعب قوى السلام والديمقراطية!
خلال هذه الحرب هل هناك اي خطاب كيزاني اعتذاري عن جرائم الثلاثين عاما التي حكموها؟ وعن جريمة اشعال هذه الحرب؟ وعن صناعتهم لواقع تعدد الجيوش مع تكريس ثقافة الوصول للسلطة بالبندقية؟
هل يوجد في خطاب الكيزان ما يدل على الاستعداد لفتح صفحة سياسية جديدة في التعامل مع القوى السياسية بعيدا عن التخوين والتجريم والاقصاء؟ هل هناك خطاب كيزاني اعلن التزامه بمسار انتقالي يفضي لتحول ديمقراطي؟
للاسف لا يوجد اي خطاب كهذا الا من بعض الافراد مثل المحبوب عبد السلام وهو الان مغضوب عليه كيزانيا وتم التبرؤ منه، ومن مجموعة المؤتمر الشعبي بقيادة الدكتور علي الحاج ، وهؤلاء للاسف ليسوا مركزا قياديا متحكما في الحركة الاسلامية ومركزها الامني العسكري.
التيار الرئيس والمهيمن سياسيا وامنيا وعسكريا وماليا واعلاميا في الحركة الكيزانية بكل فروعها هو التيار الذي يتلخص مشروعه في اقصاء بل استئصال جميع القوى السياسية ولا سيما القوى المناهضة للحرب والمطالبة بالتحول الديمقراطي ، استئصالها بأبشع واقذر الوسائل، ليس فقط من الميدان السياسي ، بل تجريدها من حقوق المواطنة والتحريض ضدها بحملات الكراهية الغوغائية.
من المشاهد التراجوكوميدية الفريدة تجاه هذه الحرب النقاش الذي نقلته الاسافير بين الصحفي الكوز عادل الباز والقيادي الكوز امين حسن عمر حول الموقف من القوى المدنية ، عادل الباز كان يقول لو تاب المدنيون يجب ان نقبل منهم التوبة! اما امين حسن عمر فيقول لا يجب ان تقبل توبتهم!!
هذا النقاش يعكس منهج الكيزان في التعامل مع الاخر المختلف معهم سياسيا ، فهم لا يعترفون بحق احد في الاختلاف معهم حول قضايا وطن نتشارك ملكيته بالتساوي! بل ينظر الى المختلف كمذنب تجب استتابته وبعد ان يعلن توبته عن الثورة والتغيير السياسي والمطالبة بالسلام يمكن ان تقبل توبته او ترفض!!
فهل هذه كائنات قابلة للحوار؟ وهل هناك ارضية مشتركة للحوار اصلا!
وهناك عائق بنيوي اخر امام الحوار مع هذه الجماعة الفاشية وهو عدم امتلاكها للشجاعة الكافية والحديث اصالة عن نفسها، فبدلا من ذلك تسرق لسان الشعب السوداني وتنطقه بما تريد وكأنما الشعب كل الشعب مملوك لها ! لم تكتف هذه الحركة بسرقة الموارد بل سرقت لسان الشعب واحتلت ارادته!!
يطلقون ابواقهم الاعلامية المأجورة لتقول ان الشعب السوداني كفر بالثورة ولعنها ويرغب في حكم العسكر!
يطلقون بلطجيتهم للاعتداء على شخصيات مدنية تدعو للسلام والتحول الديمقراطي ويزعمون ان هذا هو الشعب السوداني غاضب من سعاة السلام وراض كل الرضا عن الذين احرقوا البلاد بالحرب ويعارضون السلام!!
يغرقون الاسافير بابشع خطابات الكراهية والابتذال والعدوانية تجاه المشروع المدني الديمقراطي وكل الدعاية المسمومة التي تخدم المصلحة الكيزانية وتكرس نظرية الحاكورة السياسية وحق الوصاية المطلقة على الشعب وكل ذلك على لسان كائنات غوغائية شبحية تصدر الدعاية الكيزانية كخطاب شعبوي نابع من الناس العاديين وناطق باسم اغلبية الشعب! كل الاجسام السياسية في الساحة تتحدث اصالة عن نفسها ونيابة عن قاعدتها السياسية التي تناصرها باستثناء الكيزان الذين يتحدثون باسم كل الشعب لانهم ببساطة شديدة لا يعترفون لاحد خارج جماعتهم بالحق في الوجود السياسي فالشعب السوداني هو الشعب الكيزاني فقط!!
نتمنى لهم عاجل الشفاء من امراض الفاشية ، حتى تعود لهم حاسة السمع لأصوات الاخرين وحينها يكون هناك معنى وجدوى للحوار.
وأخيرا ، طرأ متغير جديد ومهم وهو تصنيف ” الحركة الاسلامية السودانية وكل فروعها العسكرية والسياسية” كمنظمة ارهابية، وهذا معناه ان توليها للسلطة في السودان معناه ببساطة حبس السودان دولة وشعبا في سجن الحصار والعقوبات الدولية وحرمان الشعب السوداني من فرص الحياة في دولة طبيعية، وقد دفع هذا الشعب على مدى ثلاثة عقود ثمن حماقات ومغامرات هذه الحركة الكيزانية وعاش تحت الحصار ، فهل من العدل والانسانية ان يدفع ذات الثمن مجددا بسبب مكابرة هذه الحركة وعدم استعدادها لقبول منطق التاريخ في عدم امكانية دوران عقارب الساعة الى الوراء؟!
