الكيزان ورهاب التصنيف الأميركي

لا تزال أصداء بيان «الرباعية» تتردّد، محلياً وفي الساحات الإقليمية والدولية، وتكشف عن هشاشة مشهدٍ لطالما اختلط فيه الصخب بالدم.
لم يكن البيان مجرّد محاولة لفرض هدنة أو تخفيف معاناة المدنيين، بل بدا اعترافاً علنياً بأن جذور الأزمة أعمق من أن تُحل بقرارات تُكتب في عواصم بعيدة، وأن مستقبل السودان لن يُرسم بأقلام الجماعات المتطرفة ولا بتوقيعات القوى الدولية، بل بأيدي السودانيين، الذين ما زال في أيديهم مفتاح حكايتهم، رغم كل الانكسارات.
الكيزان، الذين حكموا لعقود عبر واجهة المؤتمر الوطني، يبذلون الجهود لإعادة كتابة تاريخهم الدموي، باختراق المؤسسة العسكرية، وتحويل القرار إلى أداة لصون الماضي ومنع أي انتقال حقيقي للسلطة إلى المدنيين. في المقابل، تفرض مليشيا الدعم السريع، مدعومة من حلفائها الإقليميين، واقعاً موازياً، تتحوّل فيه الأرض إلى مسرح حرب دائم.
وبين هذين الطرفين، يجد الشعب نفسه محاصراً: بين مؤسسات عسكرية مرتهنة لفلول الماضي، ومليشيا مسلحة لا تجيد سوى الانتهاكات وحفر القبور.
الرباعية، بمبادرتها، تحمل أهمية، والعقوبات الأميركية الأخيرة تكشف نفاد صبر المجتمع الدولي. ليس حباً في السودانيين، بل خوفاً من أن يحوّل حكام بورتسودان مستقبل البلاد إلى رهانات خارجية، رمي للبيض في سلال إيران وروسيا؛ مثلاً. لكن العالم مهما ضغط أو أدان أو عاقب، يبقى دوره ثانوياً، غير قادر على كتابة مستقبل السودان نيابة عن أهله. ذلك المستقبل سيُولد من إرادة داخلية، من قرار جماعي يقطع مع منطق الاختطاف والوصاية، ويعيد الدولة إلى معناها الطبيعي والمعروف: عقد اجتماعي بين المواطنين، لا غنيمة في يد جماعة، أو مؤسسة عسكرية، أو مليشيا مسلحة.
التاريخ القريب أثبت أن الانتصار على الاستبداد ممكن، وأن الشعب حين يقرر، تتراجع كل القوى التي تحاول مصادرة إرادته. لكن التحدي الراهن أكبر، يتطلب وعياً أشدّ: المعركة ليست فقط بين بنادق متقابلة، بل صراع ضد مشروع يصرّ على إبقاء الدولة مختطفة، عاجزة عن التعبير عن إرادة أهلها. وحين تصبح الدولة غنيمة، تتغطى الأرض بالدم، وتتحول السلطة إلى لعنة، يعاد إنتاج الخراب كل مرة.
الخطوة التالية، المتوقعة، هي إدراج الجماعة على لائحة الإرهاب الأميركية. وهذا ما يعرفه الكيزان جيداً ويخشونه، لذلك كان عويلهم من بيان الرباعية صرخة استباقية من بداية النهاية. صوت خوف من غدٍ قادم بلا رحمة. ليس لأن الإدراج يعني أن الجماعة ستخسر التمويل والتحالفات فحسب، بل لأنها ستفقد القدرة على إعادة صياغة التاريخ وفق هواها. سيُحكم عليها بالهامش، وسيبدأ المشهد السوداني ـ ولو ببطء ـ بالتحرر من قبضة أشباحها، ويبتدر قطيعة كبرى، تؤكد أن الدولة ليست مسرحاً لجماعة، بل بيتاً جماعياً لكل مواطن.
الإدراج، إن حدث، قد يشكّل بداية مسار جديد، لكنه لن يكون بديلاً عن الفعل السوداني. فالتغيير الحقيقي لن تصنعه العواصم، بقدر ما تصنعه قناعة السودانيين بأن معركتهم هي معركة الوجود ذاته: إما أن ينتصر مشروع الدولة المدنية التي تخدم مواطنيها، أو تستمر قوى الظلام في إعادة إنتاج التخريب والتدمير.
العالم يشاهد، لكن القرار الأخير سيبقى سودانياً. والرهان هو أن يتحوّل المشهد من دائرة الشجب والإدانة إلى فعل جماعي، يضع لبنات سودان جديد، يرفع الركام عن الخرطوم، ويعيد إليها ضوءاً طالما فقدته.
في هذا الضوء، قد يرى السودانيون أن التاريخ لا يُكتب إلا بأيديهم، وأن الحرية الحقيقية لا تُمنح، بل تُنتزع، بصبر وعزم وإرادة جماعية صلبة.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …