محمود عثمان رزق
mahmoudrizig3@gmail.com
9 سبتمبر 2025
مقدمة تاريخية عن السلاح الكيميائي
السلاح الكيميائي يُعد من أخطر أسلحة الدمار الشامل، إذ يعتمد على مواد سامة مصممة لإيذاء أو قتل عدد كبير من الناس ويتبع إستعماله موت عدد كبير من الحيوان أيضاً وتدمير البيئة يستخدم فيها. ويقال إن فكرة السلاح الكيميائي قديمة ترجع للإغريق الذين كانوا يشعلون النار في مادة الكبريت لإنتاج غاز خانق يقتل أعداءهم في الحروب.
وفي عصرنا الحديث كان أول استخدام لهذا السلاح الفتاك خلال الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) و تُعتبر ألمانيا أول من استخدم غاز الكلور بكميات كبيرة عام 1915 في معركة “إيبريس” الثانية ببلجيكا. تبع ذلك استخدام الفوسجين وغاز الخردل ونتج عن استخدام هذا السلاح هلاك مئات الآلاف من الضحايا الأوربيين بين قتيل ومصاب، وخلّف استخدامه آثاراً نفسية ورعباً شديداً في أوروبا.
وفي الفترة ما بين الحربين العالميتين طوّرت كل من الدول الأوربية وأمريكا واليابان والإتحاد السوفيتي ترساناتها الكيميائية بصورة جنونية وقامت إيطاليا باستخدام غاز الخردل في غزوها لإثيوبيا عام 1935، كما قامت اليابان باستخدامه ضد الصين في ثلاثينيات القرن العشرين.
ورغم امتلاك الدول الكبرى لمخزون ضخم من السلاح الكيميائي إلا أنه لم يُستخدم على نطاق واسع في المعارك الأوروبية التي تلت الحرب العالمية الثانية، وذلك خوفاً من الرد عليها بالمثل. والجدير بالذكر أن ألمانيا النازية طوروت أسلحة كيميائة جديدة تصيب الأعصاب تستخدم فيها مادتي التابون و السارين والسومان التي استُخدمت في معسكرات الاعتقال النازية ضد المدنيين المعتقلين بكميات كبيرة.
وعند نشوب الحرب الباردة (1945–1990) بين الإتحاد السوفيتي الشيوعي والقطب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، نشب سباق تسلح كيميائي مكثف بين المعسكرين كانت نتيجته تطوير جيل جديد من غازات الأعصاب مثل(VX) . والجدير بالذكر أن استخدام السلاح الكيميائي كان بصورة محدود في حروب إقليمية بعج الحرب العالمية الثانية وكان ذلك في حرب فيتنام حيث استخدم الجيش الأمريكي مواد كيميائية مثل “العامل البرتقالي” (Agent Orange) لإزالة الغابات، وهو مادة سامة لكن تصنف كـ “كيمياء زراعية عسكرية”. وكذلك استخدم في الحرب العراقية–الإيرانية (1980-1988) واستخدمه نظام البعث العراقي ضد إيران واستخدم فيه غاز الخردل وغازات الأعصاب ضد الجيش الإيراني وأيضاً ضد المدنيين الأكراد في حلبجة عام 1988.
وبعد انتهاء الحرب الباردة في عام 1993 دخلت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC) حيز التنفيذ عام 1999، ووقعت عليها أغلب دول العالم، وتم بالفعل تدمير كميات كبيرة من المخزونات الكيميائية تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية .(OPCW) وقد أكّدت المنظمة أن جمهورية السودان قد انضمت رسميًا إلى الاتفاقية في يوم 24 مايو 1999. ومنذ التحاقه، شارك السودان بنشاط في أنشطة المنظمة، بما في ذلك استضافة ورش عمل حول الاتفاقية في الخرطوم، وكذلك المشاركة في مجلسها التنفيذي، والمشاركة في تنفيذ برامج تدريبية مشتركة لتعزيز القدرة الفنية والاستجابة للطوارئ الكيميائية.
وبالرغم من توقيع الإتفاقية بين الدول والحكومات العالمية حدثت حالة خرق من جماعة يابانية دينية متطرفة تؤمن بنهاية العالم هي جماعة “أوم شنريكيو” التي استخدمت غاز السارين في الهجوم المشهور على مترو طوكيو عام 1995. وكذلك اتهم نظام البعث السوري باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب السورية بعد 2011. كما اتهمت اسرائيل بتنفيذ اغتيالات نوعية باستخدام مواد كيميائية تستهدف الأعصاب كما في محاولة إغتيال خالد مشعل أحد قادة حماس، وأيضا اتهمت روسيا في قضية الضابط سكريبال 2018 وهو ضابط روسي لجأ الى لندن.
وفي زماننا هذا أوقفت معظم الدول برامجها الكيميائية والبايولوجية وأتلفت مخزونها لأن تخزينها يشكل خطرا على الدولة نفسها في حالة حدوث كوارث طبيعية تصيب المخازن، وعليه توصلت الدول لقناعة تامة مفادها ألا فائدة من تخزين هذا النوع من السلاح بعد أن أجمعت الجيوش كلها على خطورته ووقعت حكومات معظم الدول على إتفاقية حظر السلاح الكيماوي ودمرت ما لديها من مخزون منه. هذا على عكس المفاعلات النووية التي تتمسك بها الدول للإستفادة منها مدنياً. ويبقى الخوف من أن تضع الجماعات الإرهابية والمليشيات المتفلتة يدها على هذه المواد المحظورة دولياً وتصنع منها سلاحا محدود الأثر تستخدمه في هجمات عسكرية او ارهابية.
الدول التي استخدمت الكيماوي فعليا هي خمس دول في تاريخنا الحديث وهي الآتي:
- ألمانيا ضد الحلفاء وهي من أخترعت هذا النوع من السلاح
- أمريكا في فيتنام لازالة الغابات لمحاربة المقاومة الفيتنامية.
- اليابان ضد الصين لتفوق الجيش الصيني عدداً
- ايطاليا ضد أثيوبيا عام 1935
- حكومة حزب البعث العراقي ضد إيران التي كادت أن تهزم العراق وضد الأكراد في حلبجة
- الكيان الصهيوني في عمليات الإغتيالات الفردية (محاولة إغتيال خالد مشعل)
الدول المتهمة باستخدامه في نطاق محدود جداً:
1- حكومة حزب البعث السوري ضد المعارضة
السودان وحادث الإفك الكيماوي:
ينسب للصحفي الفلسطيني المشهور الأستاذ عبد الباقي عطوان أنه قال: “إن أوسخ معارضتين عميلتين في الوطن العربي هم المعارضة العراقية والمعارضة السودانية” وقد صدق الرجل ورب الكعبة فيما قال. فالمعارضة السودانية هي التى أوحت للرئيس كيلنتون أن يضرب مصنع الشفاء – الذي أسسه رجل البر والإحسان صاحب التوجه الإسلامي المرحوم باشمهندس بشير حسن بشير من أبناء الجزيرة- على فرية أنه ينتج سلاحا كيميائياً!! وبالفعل قامت الولايات المتحدة بقذف المصنع وهي تعلم أنه مصنع دواء، ولو علمت علم اليقين أنه مصنع للسلاح الكيماوي لأخلت رعاياها وأخبرت الدول الأوربية قبل أن تنفذ ضربتها في 20 أغسطس 1998. ولكنها وجدت في غباء المعارضة السودانية التي يقودها درويش غير فاضل من دراويش المهدي، وجدت ضالتها لتعلن الحرب على السودان وتضرب مصنعاً يعتبر من أهم البنى التحتية الأساسية للدولة التي كانت ترمي لتحقيق الإكتفاء الذاتي من الدواء، وتتطلع للمنافسة في الأسواق الأفريقية. كما وجدت الحكومة الأمريكية سبباً وجيهاً لفرض عقوبات على السودان الذي حسب زعمها وزعم المعارضة السودانية العميلة يصنع السلاح الكيماوي. لو كان المصنع فعلاً يصنع سلاحاً كيميائيا لمات مئات الأللاف من الذين يسكنون حوله حين وقعت الصواريخ عليه، وهذا معلوم بالضرورة العقلية والفطرة السليمة ولكن لم يحدث شيئاً من هذا القبيل.
وفي هذه الأيام ينشط إعلام المليشيا ومعها إعلام قحط للترويج مرة أخرى لحديث الإفك القديم الذي ضُرب بسببه مصنع الشفاء، ولكن هذه المرة يتهمون الجيش السوداني باستخدام السلاح الكيماوي في الخرطوم، ومن المضحك أن جاء هذا الإتهام بأثر رجعي من بعد عدة شهور من خروج المليشيا من الخرطوم!! والهدف من هذه الإشاعة هي منع النازجين من الرجوع الى ديارهم لاستئناف حياتهم الطبيعية. وثاني الأهداف هو التمهيد لإدانة دولية تمهد لمقاطعة دولية تمهد لدخول قوات دولية تدخل أرض السودان تحت البند السابع. وهذه هي أحلام ظلوط بشحمها ولحمها!
إن الذي يجب أن يعرفه كل السودانيين هو أن الجيش السوداني لا يملك سلاحاً كيميائياً ولا بايولوجياً لأنه موقع على إتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. كما يجب أن يعرفوا أن استخدام هذا السلاح يحتاج لخبراء مختصين في المجال نفسه ومدربين على استخدامه تدريباً علمياً وتقنياً عالياً، وأن مثل هذه الأسلحة تستخدم من أجل الدمار الشامل بين الجيوش الضخمة في معارك كبيرة لقتل أكبر عدد من جنود العدو المتمركز في مكان معروف. وأن هذا السلاح ذو حدين هو خطر على الجيش الذي يستخدمه وعلى العدو المقصود به أصلاً، وهو خطر حتى على الحيوان والأشجار والطيور التي في المكان الذي يستخدم فيه. كما يجب أن يعلم السودانيون أن هذا السلاح لا يصلح في حرب العصابات التي تعتمد على تكتيك الكر والفر، ولا على حرب المدن التي يتقاتل فيها الفريقان من المسافة صفر على قرب من بعضهما لأن كليهما سيتعرضان للمادة الكيميائة القاتلة. وهكذا إذا قد قميصه من دبر فكذبت وهو من الصادقين. والحمد لله إلذي برأ السودان مما يقولون إذ أنه من الفاعلين ضد هذا النوع من السلاح ومن أول الموقعين على هذه الإتفاقية الجيّدة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم